ما بعد انتهاء الصراع: كيف ستحفظ إيران وجودها في سوريا

ما بعد انتهاء الصراع: كيف ستحفظ إيران وجودها في سوريا

اشترك في نشرتنا

من مقر نادي الفتوة الرياضي سابقاً، الذي يعد أبرز الأندية في مدينة دير الزور شرقي سوريا، اختارت إيران البدء في مشروع الاختراق الثقافي في سوريا. تم تحويل المبنى الذي كان مخصص لتدريبات فريق كرة القدم إلى مركز ثقافي يضم عدداً من الموظفين الإيرانيين الناطقين باللغة العربية.

دير الزور التي أنهكتها سنوات الحرب، أثناء حصار تنظيم داعش لها، لا تزال تعاني، على الرغم من مرور نحو عام على استعادة قوات الحكومة السورية سيطرتها على الجزء الأكبر من المحافظة. إلا أن المدينة تبدو وكأنها تعيش في القرن الماضي، بسبب الدمار الهائل في المباني والشوارع، ما عدا ذاك المبنى (مقر نادي الفتوة)، فهو مختلف.  

يعتقد مراقبون أن طهران تعمل على تغيير نهجها في سوريا، بالاعتماد على القوة الناعمة بدلاً من العسكرية، بهدف ضمان استمرار وجودها، وقطف ثمار دعمها للنظام السوري طيلة الأعوام السابقة.

يقول أمين سر الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني السوري المعارض، رياض الحسن، في تصريح خاص لمدونة مصدر سوريا “إن ضغط الولايات المتحدة الأمريكية على طهران للخروج من سوريا جعلها “تبحث عن باب آخر لتثبيت احتلالها لسوريا، بعد أن شعرت بالخطر الذي يحوم حول وجودها العسكري”، وأضاف أنها “وجدت في التغلغل الثقافي وسيلة جديدة لتحقيق أهدافها”.

يفتح المركز الثقافي الإيراني في مقر نادي الفتوة أبوابه أمام الزوار على مدار الأسبوع ما عدا يوم الجمعة من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثالثة والنصف بعد الظهر، ويقدم المنح للدراسة في الجامعات الإيرانية للطلاب الحاصلين حديثاً على الشهادة الثانوية، ودورات مجانية لتعليم اللغة الفارسية.

وبحسب معتز الشاطر، أحد سكان دير الزور، فإن المنح الدراسية التي يقدمها ذلك المركز تنقسم إلى قسمين: الأول، وهو منحة كاملة تُعطى للمتفوقين، وتشمل مصاريف الدراسة والسكن، إضافة إلى راتب شهري حتى موعد التخرج. أما الثانية فيحصل عليها الأقل تفوقاً، وتشمل تكاليف الدراسة والسكن فقط.

وتداول ناشطون صوراً تُظهر ملصقات على جدران المدينة، تبيّن شروط القبول في هذه المنح، وتشمل صورةً شخصية، وصورة الهوية، وكشف بعلامات الشهادة الثانوية، إضافة لصورة من جواز السفر، وشهاد حسن سلوك من ثلاثة معلمين.

هناك إقبال من الطلاب على التسجيل لدى المركز الثقافي الإيراني، سببه رغبة الطلاب والأهالي في الحصول على عملية تعليمة أفضل، الالتحاق بأقسام متنوعة غير موجودة في المدينة. يأتي هذا في ظل تعرض مقرات جامعة الفرات، الجامعة الحكومية الوحيدة في المدينة ومختبراتها للتدمير بسبب الحرب. إضافة إلى رحيل المدرسين أصحاب الخبرة عن المدينة.

إن ما يحدث من تدابير واجراءات إيرانية في دير الزور وباقي المحافظات يتم بالتنسيق مع النظام السوري ووفق أجندة مشتركة، وفق ما صرح به عضو الائتلاف الوطني السوري المعارض، ياسر الفرحان، لمدونة مصدر سوريا.

وافق الرئيس السوري، بشار الأسد على افتتاح فروع لجامعة آزاد الإسلامية الإيرانية في مدن سوريا، مثل اللاذقية وحمص، وذلك حسب ما أعلنه رئيس الهيئة التأسيسية والأمناء في الجامعة، علي أكبر ولايتي. قال ولايتي، بحسب وكالة فارس الإيرانية في 16 يناير/كانون الثاني من العام الجاري أنه قدم مقترحًا إلى الأسد لافتتاح فروع للجامعة في مختلف مدن في سوريا، وان الأسد ووافق على المقترح. وكان الطرفان قد وقعا اتفاقية، في أبريل/نيسان 2016، على تبادل المنح سنويًا بين البلدين، فتمنح إيران 200 منحة دراسية سنويًا مقابل 60 منحة دراسية سنويًا من الجانب السوري.

تعليم اللغة الفارسية

يقول خالد المطر، أحد أبناء مدينة دير الزور، أن المركز الثقافي الإيراني في المدينة أعلن مؤخراً عن دورات لتعليم اللغة الفارسية، ولفت إلى أن هناك دورات خاصة بالأطفال الذين تبدأ أعمارهم من 8 سنوات، إضافة إلى دورات لأولئك الذين يسعون للدراسة في الجامعات الإيرانية. كما افتتحت إيران مؤخراً ثلاث مدارس في مدينة البوكمال، ومدرسة واحدة في مدينة الميادين بريف دير الزور الشرقي القريب من الحدود العراقية، بكادر تعليمي إيراني، وضمت المدارس 250 طفلاً أعمارهم تتراوح بين 8 سنوات و15 سنة، ويحصل كل طفل على 10 آلاف ليرة سورية (24 دولار أمريكي) كراتب شهري.

يقول رياض الحسن إن إيران تسعى لـ “فرض ثقافتها المذهبية الطائفية”، وأشار إلى أن “اللجوء إلى غسل عقول الأطفال وتغيير تفكيرهم بطريقة طائفية، وتجهيزهم ليكونوا مقاتلين في المستقبل، هي جرائم حرب جديدة”، داعياً المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان لـ “وقف جرائم إيران التي استغلت الأوضاع المعيشية الصعبة في مدن وقرى ريف دير الزور، بعد سنوات من المعاناة مع استبداد نظام الأسد ووحشية تنظيم الدولة”.

بناء الحسينيات ونشر المذهب الشيعي

نشر المذهب الشيعي هو من أهم الأدوات التي تعتمدها إيران لتثبيت وجودها في سوريا، حيث عملت على بناء الحسينيات، وهي أماكن عبادة خاصة بالشيعة. وأوضح أحد النشطاء الحقوقيين –الذي طلب عدم نشر اسمه- من دير الزور يعمل على توثيق الانتهاكات من المنطقة، أن قرية حطلة في ريف دير الزور الشرقي شهدت بناء حسينيات، ونشر دعوات للتعريف بالمذهب الشيعي، إضافة إلى تقديم مبالغ مالية للمنتسبين الجدد.

يأتي التركيز الإيراني على الريف الشرقي من دير الزور كونه يقع عند نقطة التلاقي مع مناطق سيطرتها في العراق. يأتي هذا في الوقت الذي طالبت فيه كتائب “عصائب أهل الحق” المنضوية تحت لواء قوات الحشد الشعبي العراقي -التي تديرها طهران- بدور رسمي أطول أمدا لتأمين الحدود مع سوريا. وقال قائد الفصيل قيس الخزعلي إنه “مادامت سوريا غير مستقرة، فإن تواجد الحشد على الحدود ضرورة”، وهو ما يعني أن إيران لا تزال تضع نصب أعينها على تعزيز نفوذها من طهران إلى بيروت عبر العراق وسوريا.

كما أن هناك محاولات من الإيرانيين بإقناع بعض العشائر باعتناق المذهب الشيعي، من خلال نشر رواية للعشائر مفادها أن “معظم عشائر دير الزور هي امتداد للعشائر في العراق، والتي كانت تتبع المذهب الشيعي.

توفير احتياجات السكان

وجدير بالذكر، إن وجود العناصر الإيرانية في دير الزور بات لا يلقى استهجاناً من الأهالي. فقد تغير الأمر عما كان يحدث في السابق. حيث كان السكان يرون في إيران عدواً كبيراً، خاصة بعد معاصرتهم لما حدث في العراق على يد المليشيات الشيعية. وقد تغير هذا الادراك بسبب حاجة السكان للخدمات والمساعدة التي تقدمها المليشيات الإيرانية في المنطقة.

المدنيون في المنطقة يعيشون حالة كارثية بعد سنوات من عيشهم في كنف العناصر الجهادية، وما رافقه من قصف عنيف مختلف التوجهات. وقد قامت المليشيات الإيرانية بصرف أموالاً طائلة لتقديم المساعدات الغذائية والطبية لسكان المدن والقرى في المنطقة. كما وزعت مبالغ مادية على العوائل في بعض القرى.

إعادة توطين

يتزامن هذا الاختراق الثقافي مع محاولات تغيير ديمغرافي تقوم بها المليشيات الإيرانية في سوريا. أوضحت شبكة الفرات بوست، وهي شبكة تنقل الأخبار عن المنطقة الشرقية من سوريا، أن ميليشيا الحرس الثوري الإيراني وضعت يدها على نحو 50 منزلاً خالياً في مدينة الميادين، إضافة إلى عشرات المنازل الأخرى في حيي الجمعيات السكنية والمساكن وشارع المعري في مدينة البوكمال القريبة من الحدود العراقية. ولفتت الشبكة إلى أن تلك الميليشيات جاءت بعوائل مقاتليها قادمين من العراق للعيش في تلك المنازل، وقدرت أعدادهم بنحو 300 شخص بين نساء وأطفال، وذلك ضمن خطط طويلة الأمد للبقاء في سوريا.

ذكر الناشط محمد العامري من مدينة الميادين أن أهالي المدينة شاهدوا سيارات نقل مدنية كبيرة، إضافة إلى سيارات عسكرية بحماية من الميليشيات الإيرانية، تقوم بإنزال عوائل وسط المدينة ثم تنقلهم إلى المنازل التي تمت مصادرتها.

إن عمليات التوطين التي تجريها إيران هذه تأتي في بقعة عربية سنية خالصة، وتتمتع بطابع عشائري، ومن أبرز تلك العشائر هي “البقارة” و”البوسرايا” و”الشعيطات”. الأمر الذي ينذر بوقوع توترات شديدة.

تسعى إيران من خلال هذه المخططات إلى تثبيت وجودها في سوريا ما بعد انتهاء الصراع، من خلال تطبيع وجودها الثقافي والاجتماعي في المجتمع السوري، مما يضمن استمرار تأثيرها حتى بعد انتهاء الصراع في سوريا. كما ان تثبيت هذا الوجود على الأراضي السورية يضمن لإيران دعم دورها الإقليمي في المنطقة من خلال تسهيل وصولها لحليفها حزب الله عن طريق ربط إيران بلبنان مرورا بدمشق وبغداد. كما سيساعدها هذا الوجود في مواجهة الضغوط والعقوبات الدولية المفروضة عليها. الا أن هذا المخططات تحمل تداعيات خطيرة شتى، حيث أن التغيير الديمغرافي المصاحب لهذه المخططات الإيرانية قد ينتج عنه توترات طائفية بين السكان الأصليين والسكان الشيعة الذين يتم إعادة تسكينهم، الأمر الذي سيساهم في استمرار حالة عدم الاستقرار في هذه المناطق.

اشترك في نشرتنا

غيث الأحمد

يعمل صحفي في صحيفة العربي الجديد، وعمل سابقاً كمنسق إعلامي لفرع الهلال الأحمر السوري في دير الزور.

شاهد أيضاً

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

السعودية: ضرورة مراجعة الروابط الآن

التقارير التي أعلنت أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قد خلصت إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد أمر بقتل الصحفي السعودي جمال خاشجقي أضاف المزيد من الثقل والإلحاح لشيء كان قد أوصى به كاتب المقال منذ أسابيع مضت.