المعلمون السوريون في تركيا تحت خط الحد الأدنى للرواتب

المعلمون السوريون في تركيا تحت خط الحد الأدنى للرواتب

اشترك في نشرتنا 

خلال السنوات الأخيرة الماضية وصل آلاف اللاجئين السوريين إلى تركيا هرباً من الحرب التي تجري في بلادهم، وكان منهم أصحاب الكفاءات العلمية الذين وجدوا صعوبات كبيرة في العمل وإيجاد فرص مناسبة لاختصاصاتهم، بسبب صعوبة حصولهم على تصاريح عمل تساعدهم على الدخول في الشركات الخاصة.

وطوال هذه الفترة اضطر قسم كبير منهم للعمل بشكل غير شرعي في مجالات شاقة بعيدة عن تخصصاتهم، مثل قطاع الانشاءات والمعامل، أما بعض المعلمين السوريين فقد حظي بفرصة عمل في المدارس المؤقتة التي أنشأت في تركيا لدعم تعليم الطلاب السوريين، بدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف (UNICEF). بداية دعم المنظمة الدولية لتعليم الأطفال السوريين كان في عام 2016، حين وقعت اليونيسف عقداً مع السلطات التركية يقضي بدفع أجور المدرسين في المدارس السورية في عموم تركيا، بعد اعتمادها من وزارة التربية والتعليم التركية كمراكز مؤقتة للتعليم. وخلال هذه المدة تمكنت، المنظمة من دعم ما يقارب 13000 مدرس سوري برواتب شهرية بدأت بـ 900 ليرة تركية (240 دولار)، ثم ارتفعت إلى 1300 ليرة (350 دولار) في نهاية العام نفسه.

هذه المدارس ورغم ضعف رواتبها بشكل كبير مقارنة مع مستوى المعيشة في تركيا إلا أنها استطاعت احتواء وتوظيف عدد لا بأس به من حملة الشهادات السوريين، بحيث لم تقتصر على المعلمين فحسب، بل ضمت أيضاً المهندسين والحقوقيين. لكن ورغم ذلك تتجه معظم المدارس السورية في تركيا للإغلاق نهاية العام الجاري، مع تسريع وزارة التربية التركية لعملية إدماج الطلاب السوريين في مدراسها.

وتقضي الخطة التركية بنقل جميع الطلاب السوريين والمقدر عددهم حاليا بـ 612 ألف إلى المدارس التركية بحلول عام 2019 ، وإغلاق كافة المدارس السورية المؤقتة، وبناء المزيد من المدارس الحكومية بالتعاون مع اليونيسف، لاستيعاب الأعداد الإضافية في المناطق التي يتواجد بها عدد كبير من اللاجئين. هذه القرارات المنفردة التي قامت بها الحكومة التركية وجدت مؤخراً حملة اعتراضات واسعة في صفوف بعض أهالي الطلاب السوريين الذين وجدوا الخطوة متسرعة وغير ملائمة، نظرا لعدم معرفة معظم الطلاب باللغة التركية. كما أثار الأمر مخاوف كبيرة بشأن مستقبل أكثر من 13000 مدرس سوري يعمل في هذه المدارس، لاسيما مع اقتراب عقد منظمة اليونيسف من الانتهاء وعدم تجديده حتى الآن.

تمييز في المعاملة

اتهم عمران الحمصي مدرس مادة العلوم في مدرسة رجب طيب أردوغان، وهي إحدى مدارس التعليم المؤقتة التي أقيمت للنازحين السوريين في مدينة أنطاكيا جنوب تركيا، منظمة اليونيسف بأنها لا تقيم أي اعتبار لمعاناة آلاف الأكاديميين السوريين وتتعمد تجاهل مطالبهم. بحسب الحمصي فإن المدرس السوري وبعد أربع سنوات من العمل في هذه المدارس يتلقى اليوم مساعدة ما يسمى تعويض التطوع من اليونيسف بقيمة 1300 ليرة تركية شهرياً (340 دولار)، بينما تدفع المنظمة نفسها رواتب للمدرسين الأتراك في نفس المدارس تصل إلى 3800 ليرة (1000 دولار). وصف الحمصي هذا الفارق الكبير في رواتب المدرسين السوريين والأتراك العاملين معاً في نفس المؤسسة ومن قبل المنظمة نفسها بـ “اللاإنساني” و”الاستغلالي” لظروف معلمين أجبرتهم الحرب على الخروج من منازلهم.

ورغم رفع الدولة التركية للحد الأدنى من الأجور في البلد بداية العام الجاري ليصل إلى 1603 ليرة تركية (423 دولار) إلا أنّ رواتب اليونيسف بقيت على حالها، وطالت الزيادة فقط المدرسين والعمال الأتراك في المدارس ليتناسب مع القوانين الجديدة.

يصف حسام جاموس، مهندس طيران سوري يعمل في إحدى مدارس التعليم المؤقتة في المجال الإداري، وضع المعلمين السوريين في تركيا إنه “مذل” و”فضيحة” للمؤسسة الأممية التي تولت شؤون تعليم السوريين في تركيا. ويرى جاموس أنّ أمام الأكاديمي السوري إما النزول إلى السوق والعمل كأجير، أو القبول بالبقاء في هذه المدارس برواتب تقل حتى عن عمال النظافة في تركيا، ويضيف قائلاً “منظمة اليونيسف قبلت بمطالب الحكومة التركية بتغطية رواتب معلميها الذين عينوا في المدارس المؤقتة برواتب عالية، فيما نظراؤهم السوريون وضعوا على الهامش”.

ويضيف جاموس “الراتب الذي يتقاضاه المدرس السوري في تركيا في ظل غلاء المعيشة لا يكفي الحد الأدنى لأجرة السكن وفواتير الماء والكهرباء، ناهيك عن متطلبات العيش الأخرى، والطريف في الأمر أن اليونيسف ورغم هذه الأجور أعطت توجيهات سابقة لجميع المعلمين السوريين بالامتناع عن مزاولة أي عمل آخر”.

بانتظار المجهول

في يونيو/حزيران من العام الجاري من المتوقع أن يتم الإعلان عن إغلاق كافة مدارس التعليم المؤقتة التي تدرس الطلاب السوريين في تطبيق لخطة الدمج التي جرت على مراحل، لكنّ أياً من الحكومة التركية أو منظمة اليونيسف لم تعلن أي شيء حول مصير المعلمين السوريين العاملين في هذه المدارس. ورغم بعض التطمينات التي يطلقها بين الحين والآخر مسؤولون من المنظمة الأممية خلال الزيارات الروتينية التي يجرونها لمراكز التعليم المؤقتة، والتي تتضمن وعوداً متكررة بزيادة الرواتب، وعدم التخلي عن المدرس السوري، إلا أنّ أياً من هذه الوعود لم تتحقق حتى الآن.

وقد نقل نقيب المعلمين السوريين، حسن طيفور، عن مستشار وزير التربية التركي “أرجان دامرجي” قوله قبل أيام إنّ “وزارته لن تقوم بفصل المعلمين السوريين، وستعمل على احتوائهم في المنظومة التعليمية التركية على مراحل”. ووفق تسريبات غير رسمية يجري تداولها فإنّ الحكومة التركية تخطط للتعاقد مع المعلمين السوريين بصفة “معلم مأجور” (أوجرتي أورتمان / Ücretli Öğretmen)، بأجر يبلغ 10 ليرات تركية عن الحصة الدراسية الواحدة.

ومن المتوقع أن يوكل لبعض المدرسين السوريين وظيفة تدريس المواد التالية: اللغة العربية والمعلومات الاجتماعية واللغة العربية لغير الناطقين بها، بالإضافة إلى تعيين إداريين منهم مع احتمال فقدان بعضهم لوظائفهم. في السياق ذاته، تشير أرقام نقابة المعلمين السوريين إلى تواجد ما يقارب من 23 ألف معلم سوري في تركيا، نصفهم تقريبا خارج إطار التوظيف، ويعمل غالبهم في مجالات بعيدة تماماً عن اختصاصاتهم.

ويوضح محمود الباشا، وهو مدرس مادة علوم طبيعية يقيم في مدينة اسطنبول التركية، أن إغلاق منظمة اليونيسف الأبواب بوجه تعيينات جديدة في مدارس التعليم المؤقتة منذ نهاية عام 2016 أدى لبقاء عدد كبير من الكفاءات العملية في حالة العوز والفقر. ويذكر الباشا، الذي يعمل حالياً لساعات طويلة كعامل في أحد مطاعم المدينة، أنّه “يشعر بالإحباط نتيجة السياسة التي يتم انتهاجها تجاه الكوادر السورية في تركيا”، مؤكداً أنّه فكر مراراً بالهجرة والبحث عن وضع أفضل.

الوضع الحالي الذي يعيشه المعلمون السوريون في تركيا قد لا يقل صعوبة عن غيرهم من اللاجئين السوريين، لكنّ التخلي عنهم وتركهم للمجهول سيعقد من وضع آلاف العائلات السورية النازحة في تركيا وسيتركها بلا معين خاصة في ظل وجود عوائق تسمح للسوريين بالعمل الحر في السوق التركية.

اشترك في نشرتنا English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة