قرض صندوق النقد الدولي لمصر: هل يحالفها الحظ هذه المرة؟

محسن خان وإليسا ميلر

بدأ المسئولون المصريون ومسئولو صندوق النقد الدولي هذا الأسبوع مفاوضات في القاهرة لإتمام برنامج من ثلاثة أعوام يبلغ 12 مليار دولار. ستستمر هذه المفاوضات لقرابة أسبوعين، وبعدها يعود مسئولو صندوق النقد الدولي إلى واشنطن “بخطاب نوايا” يحدد فيه السياسات التي تعتزم الحكومة المصرية تنفيذها على مدار فترة البرنامج. إذا ما نجحت المفاوضات وتمت الموافقة على البرنامج من قبل الإدارة والمجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي، فستتسلم مصر أول دفعة من القرض المقدر بـ 12 مليار دولار بحلول أكتوبر/تشرين الأول. وقد أدت الأخبار التي تفيد بأن هناك صفقة قيد التنفيذ إلى صعود في سوق الأسهم المصرية، وتعزيز متواضع لقيمة الجنية المصري في السوق السوداء.

وفي حين أن هذا التطور نال قدراً كبيراً من الاهتمام، إلا أنه جدير بالذكر أن مصر خاضت غمار هذا الطريق مرتان في الأعوام الخمس الأخيرة. ففي يونيو/حزيران 2011، وصل المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لبرنامج تصل قيمته إلى 3.6 مليار دولار، لكنه نكص على عقبيه، بقوله أنه لا يريد إضافة مزيد من الأعباء على الديون الخارجية للدولة، وأنه من الأفضل ترك هذا الأمر لحكومة منتخبة للتعامل معه.

وفي أواخر عام 2012 توصلت حكومة محمد مرسي إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لبرنامج بقيمة 4.8 مليار دولار. ومع ذلك، قبيل اجتماع المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي لمناقشة الطلب المصري في 19 ديسمبر/تشرين الثاني 2012، طلبت الحكومة تأجيل الاجتماع لأنها لم تكن قادرة على تلبية الشرط المسبق الرئيسي الخاص بزيادة ضريبة المبيعات على مجموعة من السلع الاستهلاكية المتنوعة، نظراً للتداعيات السياسية المحتملة، ومن ثم تم إهمال الاتفاق.

ما الذي تغير؟
لماذا غيرت مصر إذاً من تفكيرها بشأن برنامج صندوق النقد الدولي الآن؟ لطالما كان صندوق النقد الدولي مستعداً لدعم مصر مالياً على مدار الأعوام الخمس المنصرمة. وقد جادل البعض بقولهم إن دول الخليج العربي غير قادرة أو غير مستعدة للاستمرار في دعمها لمصر في أعقاب التدهور الحاد في أسعار النفط العالمية، ما أجبر الحكومة المصرية أن تبحث عن الدعم في مكان آخر. ومما لا شك فيه أن هذا القول له اعتباره. لكن ما يوازيه في الأهمية أن توقيت الاتفاق الحالي مناسب لثلاث أسباب مهمة.
أولاً، في حين أن الاقتصاد المصري كان في حالة تخبط منذ عام 2011، إلا أن الاقتصاد المصري ليس في حالة أزمة. وصل النمو إلى قرابة 3-4% فقط، ووصلت البطالة إلى 13%، وفيما يتعلق بالشباب، قارب معدل البطالة ثلاثة أضعاف هذا المعدل تقريباً، وتوقف احتياطي النقد الأجنبي عند 17 مليار دولار، أو حوالي نصف المستوى الذي كان عليه في نهاية عام 2010. هذه المؤشرات تشير بوضوح أن الاقتصاد في حالة سيئة، لكنها ليست بالحالة التي توصف بالأزمة العاصفة. ومن ثم، على عكس الدول الأخرى التي تطلب مساعدة صندوق النقد الدولي، مصر ليست في موقف حرج لا يعطيها خياراً آخر للاتفاق مع صندوق النقد الدولي غير الاتفاق مع الصندوق. إذا ما وجدت مصر أن الشروط التي يضعها صندوق النقد الدولي للحصول على القروض مرهقة للغاية، ما يزال يمكنها عدم اللجوء لهذا الخيار.

ثانياً، قام صندوق النقد الدولي بتغيير توجهاته، ولم يعد يدفع باتجاه التقشف في كافة النفقات في برامجه. فهناك اعترافاً واضحاً داخل المؤسسة أن الشروط الملحقة بالبرنامج يجب أن تسمح للدولة بدرجة مرونة مرضية، لتنفيذ السياسات التي لا تكون مضرة بالنمو والتوظيف.
ثالثاً، أطلقت الحكومة بالفعل العديد من السياسات التي قد يعتبرها صندوق النقد الدولي مركزية لتحقيق أهداف وغايات البرنامج. ولم يكن هذا واقعاً في الاتفاقيات السابقة.

فالمجالين الرئيسيين اللتان ترتكز عليهما سياسة برنامج صندوق النقد الدولي، وقد حققت مصر تقدماً فيهما بالفعل هما المالية العامة ونظام سعر الصرف.

فيما يتعلق بالمالية العامة، هناك حاجة ملحة لتقليل العجز المالي الذي يقارب الـ10 % من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا العجز يزيد من التضخم ويخلق اختلالات خارجية خطيرة. السؤال الرئيسي هو كيفية تقليل عجز الميزانية دون الإضرار بالنمو الاقتصادي بشدة؟ ولجلب المزيد من العائدات، مهدت الحكومة لضريبة القيمة المضافة، والتي تواجه حالياً بعض المقاومة في البرلمان، وسيكون تمريرها بطبيعة الحال جزءً من البرنامج.

ولخفض الدعم أيضاً مكانة بارزة في البرنامج. وكجزء من ميزانية 2014-2015، اتخذت الحكومة خطوات كبيرة في هذا الخصوص بزيادة أسعار الوقود في أنحاء البلاد، وقدمت خطة من خمس سنوات لزيادة أسعار الكهرباء وفي النهاية الغاء الدعم. مع ذلك، حتى بعد إصلاحات ت يوليو/تموز 2014، ظل الدعم كبيراً، حيث وصل إلى 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي وقد توقفت عملية تقليل هذا الدعم أكثر من ذلك. وسيتضمن البرنامج التزاماً من الحكومة لتقليل وإلغاء الدعم أكثر من ذلك. وهناك مؤشرات بالفعل من الحكومة المصرية على أعلى المستويات أنهم يعتزمون المضي في هذا الصدد. وسيخلق هذا الأمر مساحة مالية للحكومة لكي تزيد من الانفاق العام، بما يشمل البنية التحتية والمشروعات العملاقة الضرورية لزيادة النمو وتوليد الوظائف.

فيما يتعلق بسعر الصرف، ظل الجنيه المصري تحت ضغط متواصل على مدار الأعوام الخمس الماضية. مع ذلك، ماطلت الحكومة والبنك المركزي المصري بشدة فيما يتعلق بخفض قيمة الجنيه، مستخدمين في ذلك خليطاً من التدخل في أسعار صرف العملات الأجنبية ورفع سعر الفائدة للتحكم في قيمة الجنية. وفي مارس/أذار من هذا العام، خفض البنك المركزي المصري من قيمة الجنيه بنسبة 13% ليصل إلى 8.85 مقابل الدولار الأمريكي، وقال إنه سيتحول إلى نظام سعر صرف أكثر مرونة. ومع أن هذا التغيير ضروري لزيادة الصادرات وتقليل الواردات وجذب الاستثمارات الأجنبية، كانت ردود فعل البنك المركزي المصري مشوشة فيما يتعلق بنواياه بإضعاف قيمة الجنيه أكثر من ذلك. وبناءً على الشك تجاه ما سيفعله أو مالا سيفعله، وصل السعر في السوق السوداء إلى 13 جنيهاً مصرياً مقابل الدولار الواحد. وسيصر صندوق النقد الدولي على أن تتخذ مصر مزيداً من الإجراءات حيال سعر الصرف. وقد تشمل خطوة في اتجاه تقليل القيمة وتغيير نظام سعر الصرف في صالح المزيد من المرونة.

ما المتوقع من برنامج صندوق النقد الدولي؟

أولاً، من المتوقع أن يأتي برنامج صندوق النقد الدولي بكمية وافرة من النقد الأجنبي بسعر فائدة منخفض نسبياً. وبعيداً عن الـ 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، تتوقع الحكومة 9 مليارات دولار أخرى إضافية من مؤسسات مالية عالمية أخرى بخلاف البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي.  أضف إلى ذلك تدفق الاستثمارات الخاصة، تقترض الحكومة من أسواق رؤوس الأموال الأجنبية، حيث تنتقل ما بين الديون الحكومية المستحقة قصيرة الأجل والدعم الإضافي من دول الخليج العربي. وتقترب مصر من ملأ فجوة مالية خارجية متوقعة بقيمة من 16-20 مليار دولار سنوياً في الأعوام القادمة.

ثانياً، سيكون هناك تقليل في نسبة التضخم نتيجة للتحسن في المالية العامة وتقليل العجز المالي. بداية، قد يكون هناك قفزة في التضخم تتبع خفض الدعم وتقليل قيمة الجنيه، لكن مع مرور الوقت سينخفض التضخم.

ثالثاً، سيكون لوجود برنامج صندوق النقد الدولي صداً قوياً للغاية للمستثمرين المحليين والأجانب بأن المصريين ملتزمون بترتيب منزلهم الاقتصادي، وأنهم على درب الانتعاش الاقتصادي. وهذا ما يعرف باسم good housekeeping seal بموافقة صندوق النقد الدولي.

سيدعي مسئولي صندوق النقد الدولي والمسئولون المصريون أن البرنامج سيحقق المزيد من النمو مما سيوفر عدداً ملائماً من الوظائف ويقلل من البطالة، لن يفعل البرنامج هذا مباشرة، وبالتأكيد لن يكون هذا على المدى القصير. فالوسيلة المناسبة لوضع الاقتصاد المصري على درب النمو الدائم الكبير هو الاستثمار الخاص، والذي يتدهور لسوء الحظ بشكل ثابت منذ الثورة. وللمقارنة، في 2007-2008 حينما كان متوسط النمو أعلى من 7 بالمائة في العام، كان إجمالي الاستثمار 28 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. واليوم يبلغ 16 بالمائة وحسب. ولزيادة معدل الاستثمار بشكل ملحوظ يتطلب الأمر إصلاحات هيكلية كبيرة، منوط بها جعل مصر أكثر تيسيراً للأعمال والمستثمرين. ومثل هذه الإصلاحات سوف تدرج في برنامج صندوق النقد الدولي، حيث أنها عادة ما تكون في كافة البرامج، لكنها تأخذ وقتاً للتنفيذ، ووقتاً أطول لحصد نتائج أفضل.

وإجمالاً، يمكن القول إنه بدعم صندوق النقد الدولي للبرنامج الاقتصادي للحكومة المصرية فسيكون هذا تقدماً إيجابياً على التوازي، فسيساعد هذا في تقييد التدهور الاقتصادي الذي عانت منه مصر في الأعوام الأخيرة، لكنها ليست عصا سحرية. فلا يمكن لبرنامج عمره ثلاثة أعوام أن يعالج بمعجزة كافة العلل التي تواجه الاقتصاد المصري. فضلاً عن ذلك، من الجدير بالذكر أن نجاح البرنامج متوقع على اعتبار حدوث تحسن كبير في الأمن. فبدون ذلك، لن يزيد الاستثمار الأجنبي والسياحة اللتان يعتمد عليهما تماماً نمو الاقتصاد المصري، بل قد يتدهور بهما الحال أكثر. حتى وإن سارت الأمور على ما يرام، سيتعين على الشعب المصري الصبر، حيث أن الفوائد من حيث الأعمال والدخل قد تأخذ عدة أعوام لاستيعابها. مع ذلك، يجب أن تستغل مصر هذه للموافقة على برنامج صندوق النقد الدولي وألا تتركها تنزلق للمرة الثالثة.

Read in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط