إدلب في انتظار التحرير من قبضة هيئة تحرير الشام

صعد الخطيب إلى المنبر مغطى الرأس في مشهد يوصف بالهيبة والوقار، لكن المصلين سرعان ما يدركون أنه ينتمي لهيئة تحرير الشام، لتنصرف انظارهم عما يقوله. يُخرج الخطيب هاتف حديث يتلو منه خطبته؛ مفارقة لا تخطئها العين، هاتف متطور غالي الثمن في يد خطيب، يخطب في الحاضرين، والذين جلهم من الفقراء في قرية خربة الجوز الحدودية. معظم المصلين من سكان المخيمات الذين لا يملكون قوت يومهم، لجأوا إلى المسجد لعلهم ينالون قليلا من الهواء البارد، حيث كانت درجات الحرارة قد تجاوزت عتبة الأربعين في وقت الظهيرة في الخارج.

سألت بعض من المصلين هل انتبهتم لما قاله الخطيب فردوا بسخرية “ما شاء الله خطبة خمس نجوم” في إشارة إلى الرفاهية التي يتمتع بها الخطيب.

تسعى هيئة تحرير الشام السيطرة على المساجد، وتقديم نفسها على أنها وصي من الله على الشعب، الذي لا يستطيع حتى أن يخرج في مظاهرة ضدهم، حالهم كحال سلطة الأسد، لكن الفارق هنا هو بستار اللحية والزي الاسلامي الأفغاني. تحاول الهيئة أن توصل رسائلها للقاطنين في ادلب عبر منابر عديدة، من بينها المساجد. المصلين في مسجد خربة الجوز ليست حالة خاصة أو طارئة. يتقدم المحيسني، مفتي الهيئة، ليلقي خطبته أيام الجمعة، ويتحدث فيها عن ضرورة الصبر ومناصرة المجاهدين.

وبدلا من أن تقوم هيئة تحرير الشام بتخفيف معاناة الفقراء الذي يعيشون في المناطق التي تسيطر عليها، تقوم بالسيطرة على حصص الفقراء في المدينة من الاغاثة المخصصة لهم. في مشهد من قرية بكسرية القريبة من خربة الجوز، قامت احدى المنظمات بإجراء مسح لنازحي القرية بغية تحديد مستفيدين من حملة توزيع مساعدات مالية بشكل مباشر. أبو عبد الله من مجلس القرية يروي أن شخصاً من هيئة تحرير الشام يدعى أبو سليم دخل على المنظمة وبيده ورقة تحمل أسماءً لعناصر وعائلات منتسبين للهيئة، ليفرض هذا الشخص على المنظمة ادراج جميع الأسماء في الورقة ضمن لائحة المستفيدين من هذا المشروع. أبو عبد الله، ابن قرية بكسرية، أكد أن هناك 7 أسماء منتمين للهيئة حصلوا على تسعين دولار، من بينهم مهند شيخ حسن وأخيه نجدت واثنين من عائلة تميم، بالإضافة الى أربعة أشخاص من عائلة قهوجي، جميعهم مقاتلين لدى هيئة تحرير الشام، أكد أبو عبد الله أن هذا التصرف تكرر في خمس قرى هي الخربة وبكسريا والحمبوشية وارملا والشاتورية. مما حرم المستحقين لهذه الاعانة من الحصول عليها، أرملة شابة حرمت من هذه المنحة بسبب بسب سلوك الهيئة.

لا يتوقف الأمر على سلب اعانات الفقراء، بل يتعداه إلى التلاعب في القضاء وأحكام الشريعة التي يدعون أنهم يقومون بحمايتها، قامت دار القضاء في أواخر الشهر الماضي بإخلاء سبيل أحد تجار المخدرات في مدينة حارم لقاء مبلغ قدر بـ 50 ألف دولار، وقد تداول ناشطون صورة للإيصال الذي يحمل ختم دار القضاء التابعة لهيئة تحرير الشام، مع أن الشريعة الإسلامية تمنع تعويض الحكم بالكفالة الواجب تطبيقها على هذا التاجر، لكن الاغراء المادي هو السبب الأساسي لذلك.

قال مصدر خاص سوري يعمل مع الهيئة في البحث عن الآثار، في تصريح خاص “الهيئة ستتجه إلى كل مكان فيه مال والفتاوي جاهزة.” مؤكدا في نفس الوقت أن جميع تجار السلاح وتجار المخدرات يعملون في سوريا برعاية التنظيمات المتطرفة. وجدير بالذكر أن هناك سوريين يعملون مع الهيئة فقط من أجل التمتع بحمايتها وسطوتها دون أن يكون لهم ولاء مطلق لهاء.  

الاعتقاد الذي ترسخ لدى معظم سكان ادلب هو أن هيئة تحرير الشام ترى أن الانتساب إليها أو الارتباط بها يمحو الأخطاء السابقة، حتى وإن كان المنتسب شبيحاً، حيث يمكنه دفع رشى والخروج، وقصة هذا التاجر ليست فريدة من نوعها، وليست أول قضية ولن تكون الأخيرة.

يعيش سكان ادلب حالة من الخوف بسبب هيئة تحرير الشام، وبات العديد منهم يعتقد أن للجدران آذان، ومن أراد أن يتكلم على “الاخوة” في إشارة إلى عناصر الهيئة عليه الهمس في الآذان، لأنهم مجاهدين وفق ما تقول عنهم المحكمة أو دار القضاء. عندما قام أبو عبد الله بالادعاء على عناصر الهيئة بسبب قيامها بالتعدي على الإغاثة المخصصة لنازحي القرية، كان رد المحكمة أن هؤلاء مجاهدون، ويحق لهم مالا يحق لغيرهم. تساءل أبو عبد الله كما باقي سكان القرية، أي جهاد يتحدثون عنه، لأن الهيئة ليس لها أي نقطة اشتباك مع قوات النظام في شمال سوريا؛ يدّعي بعض سكان المنطقة أن عناصر الهيئة ترابط فقط على جبهات القتال مع الجيش الحر وأحرار الشام دون قتال.

يرى مئات السوريين انهم يعيشون تحت احتلال حقيقي، وكانت ردة فعلهم إيجابية عندما سمعوا بالتدخل التركي في ادلب، ويعدون الساعات والدقائق، حتى أن خالد – أحد سكان ادلب –  قال “الهيئة وما لف لفها لا يمكن وصفهم إلا بالوخم” في إشارة الى سوء وضع الهيئة، والمعاملة السيئة التي تقوم بها تجاه السكان، فهم يمنعون الفتيات من لبس البنطال، ويوميا هناك اعتقال لفتيات يافعات لأنهن لا يتقيدن باللبس الشرعي، أو يعتقلن بحجة وضعهن للزينة على وجههن؛ ويتم منع الشبان من حلاقة ذقنهم أو سماع الأغاني، ومن أراد ان يتكلم مع فتاة في الشارع يتعرض للاعتقال. وصل الأمر أن أعضاء قاموا بتفجير برج الكهرباء في منطقة خان شيخون بشكل متعمد. نتيجة لذلك لا يمانع بعضا من سكان ادلب أن تحل أحرار الشام محل الهيئة، لأنها رغم تشددها تعطي هامش من الحرية.

لن يستطيع أحد إيقاف هذه الاعتداءات ضد السكان إلا باتحاد جميع الفصائل وبشكل عاجل، لأن الهيئة يوما بعد يوم تسيطر على المفاصل الحيوية في ادلب، وسط تهاون أحرار الشام وباقي الفصائل حيال هذا الأمر، يبقى النازح الفقير يرفع شكواه الى الله كما يقول أبو فراس المصري والسيدة خالدية المحمد والتي سيطرت دار القضاء على منزلها بموجب حكم صدر عن المحكمة في مدينة حارم الحدودية بتهمة أن زوجها يعيش في مناطق النظام.

إن حياة السكان في ظل حكم فصائل إسلامية مثل هيئة تحرير الشام لم تختلف كثيراً عن العيش في كنف قمع النظام السوري، هذه الفصائل لا تهتم إلا لشؤون مقاتليها دون عن باقي الشعب الذي نفدت منه كل وسائل العيش الكريم، وبات يترقب دخول منقذ جديد من براثن المتشددين الإسلاميين الذين وضعوا الثورة في غرفة الإنعاش، بانتظار من يجهز عليها نهائياً. فلا حلب نالت حريتها ولا الرقة ولا حتى ادلب، جميع هذه المدن تنقلت من احتلال الى أخر، ما بين يساري علماني يحكمه الأسد بالوراثة، واسلامي متطرف يحارب الديمقراطية والحياة المدنية باسم الدين والشريعة.

اشترك في نشرتنا Read in English

سليم العمر

صحفي سوري مستقل يكتب للجزيرة والقدس العربي والعربية وعربي 21.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة