كارثة إنسانية في الأفق: النظام يستعد لمعركة إدلب

كارثة إنسانية في الأفق: النظام يستعد لمعركة إدلب

اشترك في نشرتنا

يتواتر الحديث في الآونة الأخيرة عن معركة إدلب، التي ينتظر النظام السوري ويتطلع لبدئها، بهدف بسط سيطرته على هذه المحافظة، التي أصبحت الملاذ الأخير لكل معارضي الأسد من مختلف التوجهات. يحشد النظام قواته على مشارف محافظة إدلب الجنوبية الشرقية عند محور أبو الظهور، وحدودها الغربية حيث يحشد عند جبل الأكراد في ريف اللاذقية. فيما أعلنت روسيا قيامها بمناورات كبيرة في الساحل السوري في بدايات شهر سبتمبر/أيلول 2018.

وكالعادة، يمهد النظام السوري وحليفه الروسي قبل الهجوم على أي منطقة عن طريق نشر ذرائع عديدة لتبرير هجومه. هذه المرة برزت قصة وجود أسلحة كيميائية في إدلب، حيث نشرت وكالة سبوتنيك الروسية خبراً تحدثت فيه عن أن عناصر من الدفاع المدني السوري يستقلون 8 سيارات، قاموا بنقل شحنة جديدة من البراميل البلاستيكية من معمل أطمة عند الحدود التركية. هذا المعمل، طبقاً لمزاعم التقرير، متخصص في إعادة تصنيع مادة الكلور.

في أبريل/نيسان عام 2017 استخدم النظام السوري السلاح الكيميائي في هجوم على خان شيخون، راح ضحيته أكثر من 100 شخص. حينها شكّل مجلس الأمن لجنة تحقيق مستقلة أكدت استخدام النظام السوري الأسلحة الكيميائية في خان شيخون. ولكن في نفس العام في شهر نوفمبر/تشرين الثاني، استخدمت روسيا حق الفيتو لمنع تجديد عمل اللجنة. وبعدها، عاد النظام لاستخدام السلاح المحرم دولياً في دوما بغوطة دمشق هذا العام.

هناك مخاوف جادة من استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي في إدلب، خاصة أنه سبق واستخدمه في مناطق سورية أخرى، وفي ريف ادلب تحديدياً.

تعتبر محافظة إدلب موقعاً استراتيجياً مهماً جداً للنظام، ويبحث حليفه الروسي عن ذرائع لكسر الهدنة في هذه المحافظة، والتي تمت في اتفاق موقع من قبل الدول الضامنة لاتفاق آستانة (روسيا وتركيا وإيران) منتصف سبتمبر/أيلول العام الماضي 2017. وكان النظام قد شن هجمات في بداية شهر أغسطس/آب على مناطق بريف إدلب أودت بحياة 25 شخصاً وفق وسائل إعلام محلية وعربية.

وبالنسبة لأهمية إدلب، يقول العميد السوري المتقاعد أحمد رحال لمدونة مصدر سوريا بأن لإدلب أهميتان، الأولى: أن الأسد صرح سابقاً عن نيته إعادة سلطته على كل الجغرافية السورية، لذلك فإن استعادة السيطرة على الشمال السوري (الذي يضم محافظة إدلب وشمال حلب وشمال ريف اللاذقية) الذي تسيطر عليه المعارضة هو هدف له. أما عن الأهمية الثانية، فتتمثل في حلب التي سيطر عليها النظام نهاية عام 2016، ولكنها سيطرة بدون جدوى، فأهم طريقين يربطان حلب باللاذقية ودمشق يمران بإدلب. يسعى النظام لإعادة شريان الحياة لحلب، لذلك من مصلحة النظام القيام بعمل عسكري”.

يقول رحال “النظام ممكن أن يهجم على إدلب، لو كان القرار بيده، فمن مصلحته هو وإيران وحزب الله أن يكون دائماً هناك معارك، لكن القرار بيد موسكو. أعتقد أن صاحب القرار هي روسيا، ومن يوقف الحرب على إدلب هي تركيا. وبالتالي، التوافق بينهما يتوقف على مدى قدرة تركيا على ضبط التصعيد، وقدرة موسكو على تحقيق التوازن بين مطالب إيران وتركيا والنظام السوري”.

وعن مصلحة روسيا في هذه المعركة، يجيب الصحفي منهل باريش، وهو أحد أبناء محافظة ادلب، في تصريحات لمدونة مصدر سوريا أن “لموسكو مصلحة بعملية عسكرية، كون عندها قناعة باستعادة كل المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، ولا تقبل الحكم اللامركزي أبداً في سوريا”. مضيفاً “يريد الروس استعادة السيطرة وسحق فصائل المعارضة… ودمج تلك الفصائل التي توافق على التسوية والمصالحات في مجلس عسكري مشترك، ثم ضمها للفيلق الخامس الذي تشرف عليه روسيا. أكيد يريدون قوة عسكرية تكون موجودة بسوريا وتعمل لحسابهم، وليس فقط إعادة تعويم النظام والجيش بشكل أو بآخر”.

ويؤكد باريش أن من وجهة نظر روسيا يجب إعادة كل الأراضي السورية للسلطة المركزية، معتقداً بوجود عمل عسكري محدود في مناطق تواجد التنظيمات السلفية الجهادية في إدلب، والعمل على تأمين مطار حميميم العسكري (الذي يعتبر قاعدة روسيا العسكرية في الساحل السوري) من الطائرات المسيرة بدون طيار.

أما الموقف التركي، فيبدو أنه ضد الحرب في إدلب، فليس لأنقرة مصلحة في ذلك أبداً، وهو ما يؤكده باريش “لا أعتقد أن الأتراك لهم مصلحة في عملية عسكرية واسعة في إدلب، لأن هذا سيعني تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين في اتجاه تركيا، ولن تتمكن من ضبط الحدود… مما يعكس حجم الضرر الكبير عليها. لذلك هي ليست مع عملية عسكرية كبيرة. يمكن أن تكون تركيا مع عملية عسكرية صغيرة بجسر الشغور وريفه الجنوبي والغربي أو الغاب، وقد تقدم تنازلاً للروس في هذا السياق”.

على جانب الأوضاع الميدانية في إدلب، فإن العقدة الأكبر هناك هي تواجد جبهة فتح الشام الإرهابية، التي تسيطر على نحو 60% منها. هذا التواجد يعتبر الذريعة الرئيسية لروسيا والنظام حتى يكسرا اتفاق التهدئة ويهجمان على المنطقة.

ويتواجد في إدلب بحسب الصحفي باريش، خمس فصائل كبرى: الجبهة الوطنية للتحرير، هيئة تحرير الشام، جيش العزة، كتيبة البخاري الأوزبكية، والحزب الإسلامي التركستاني. بالإضافة إلى جبهة التحرير المعارضة هي نتيجة اندماج حركة أحرار الشام وكتائب نور الدين زنكي وعدد من فصائل من الجيش الحر.

وتعد العقبة الأهم أمام المعارضة وجبهة تحرير سوريا التي تضم فصائل المعارضة والجيش الحر، هي جبهة تحرير الشام الإرهابية ومقاتلوها الأجانب. وتبدو الحلول ضئيلة أمام هيئة فتح الشام بحسب العميد رحال، الذي يؤكد أنه لا توجد مناطق لترحيل عناصرها خارج إدلب، فإما أن تحل نفسها بنفسها أو تواجه عسكرياً.

يقول العميد رحال أن “هناك من يتحدث عن إمكانية نقل هيئة فتح الشام إلى حدود منطقة درع الفرات ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أي المناطق التي فيها تواجد أمريكي بين جرابلس ومنبج، وأعتقد هذا الأمر ليس وارداً، لأن واشنطن لن توافق على ذلك. يمكن أن يوجد حل لإبعاد 3 إلى 4 آلاف غريب من عناصر الهيئة من السوريين، والباقي من سوريين يتم ضمهم لجبهة التحرير ويتم إعادة تأهيلهم، وأدعو كل الأهالي لسحب أولادهم من الجبهة، إذا صار عمل عسكري ليست الجبهة هي السبب، هناك عشرون سبب وروسيا تسوق للطيران المسيّر عن بعد أنه قادم من إدلب”.

ماذا لو تمت المواجهة بين تحرير الشام والمعارضة؟ تضم الجبهة من ستين لسبعين ألف مقاتل. يرى العميد رحال أن النتيجة في حال اندلاع المواجهة ستكون كارثية، موضحاً “لأن القتلى من أطراف المواجهة هم من الأخوة والأهل. 90% من جبهة النصرة من أبناء المنطقة، ستكون النتيجة كارثية.“ وفي إشارة إلى تعقيد العلاقات بين فصائل المعارضة، يضيف رحال ”سيدخل التركستان وأنصار الدين حلفاء للنصرة، وبالتالي ستكون كارثة على مستوى المدنيين، فالنصرة تسيطر على 60% من المناطق.”

مخاوف كبيرة من اندلاع معركة عسكرية في إدلب أياً كانت أطرافها، فالمنطقة المكتظة بالسكّان ستواجه كارثة إنسانية كبيرة، فهي كانت ملاذاً آمناً للمهجرين والنازحين من مناطق أخرى. يعيش في محافظة إدلب، حالياً، نحو 4 ملايين نسمة. إدلب أصبحت عاصمة المهجرين من مناطق سورية أخرى. نتيجة لذلك تعاني إدلب من ضغطٍ سكّاني كبير، مما يضاعف الأزمة التي سيواجهها السكان في حال شهدت المنطقة حرباً بين النظام وفصائل المعارضة وجبهة تحرير الشام. لا يوجد مكان ينزح إليه أهالي إدلب ومن فيها من نازحين.

سكان المنقطة يتسألون إذا اعتبرتم جبهة النصرة إرهاباً، لماذا نحن فقط تطبق القوانين علينا، حزب الله وفيلق القدس والحرس السوري لماذا لا تطبق القوانين عليهم نفس القوانين. يشير هذا الأمر إلى إدراك الأهالي إلى المعايير المزدوجة للقوى الدولية التي لا تطبق قوانين الإرهاب على الجميع، إذ تستثني إرهاب الميليشيات الموالية للنظام. كما أن السكان تعبوا من سياسة العقاب الجماعي الذي يتعرضون له بسبب الإرهابيين.

ساعة الصفر تبدو حتمية، فالنظام السوري يبدو مستعداً حالياً للهجوم، وخاصة بعد تسويات الجنوب، لكنّه ينتظر ما سيجري بين أنقرة وموسكو وما تتفق عليه العاصمتان ليتحرك لاحقاً. فالنظام لديه قوة أكبر، خاصة أنه مدعوم جوياً من موسكو. يوجد فائض قوة لدى النظام بعد سيطرته على ريف حمص الشمالي والغوطة وجنوب سوريا، واستعادته جزء كبير من قوته خصوصاً بعد التدخل الروسي، وعنده مقاتلون أجانب كثر. وبعد القضاء على جيوب المعارضة وتجفيف منابعها صار النظام يتحرك بسهولة ويعزز قوة كبيرة باتجاه إدلب، حيث تم نقل مقاتلي الفرقة الرابعة وفرقة النمر باتجاه حماة واللاذقية.

اشترك في نشرتنا

حسن عارفه

مسئول الإعلام في مؤسسة سامز، ومقرها في تركيا.

شاهد أيضاً

انقسامات في انتظار هيئة تحرير الشام بعد إتفاق سوتشي

في منتصف شهر سبتمبر/أيلول، وفي محاولة لتجنب احتمالات الهجوم عليها من جانب النظام السوري وحلفائه وقعت كلا من روسيا وتركيا اتفاق سوتشي بشأن الأوضاع الميدانية في إدلب.

الوضع الطبي في إدلب والمعركة المحتملة هناك

يعد القطاع الطبي أحد أهم مقومات الحياة في أي منطقة، وفي حال انهياره، يمكن أن تنهار المنطقة بكاملها. وهو ما جرى خلال السنوات الأخيرة في سوريا، حيث كان سقوط القطاع الطبي في منطقة معينة يعني سقوط المنطقة المُستهدفة بيد النظام السوري وقواته.

قضية في السياق: من الحرب الأهلية اللبنانية إلى المحكمة الخاصة بـ لبنان

في 21 سبتمبر/أيلول، استمعت المحكمة الخاصة بـ لبنان إلى الحجج الختامية: في القضية الذي اتهم فيها المدعون أربعة أعضاء أو منتسبين لحزب الله باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. بعد ثلاثة عشر عاماً من الاغتيال، فإن القضاة في طريقهم لإصدار حكمهم النهائي.