رغم الظروف الصعبة، استقبال أهالي الغوطة المهجّرين بالترحاب

رغم الظروف الصعبة، استقبال أهالي الغوطة المهجّرين بالترحاب

اشترك في نشرتنا 

في الثاني والعشرين من مارس/آذار الماضي، بدأ فصل جديد في غوطة دمشق الشرقية. حيث تم أخيراً كُسر الحصار المفروض عليها منذ عام 2012 من جانب النظام عقب تحولها لمعقل للمعارضة. استعادت قوات النظام السيطرة عليها عبر إجراء مصالحات واتفاقيات بين النظام السوري وحليفه الروسي من جانب، وفصائل المعارضة بالغوطة كفيلق الرحمن ولاحقاً جيش الإسلام. وبدأ النظام عملية تهجيّر الأهالي من بيوتهم وأرضهم التي تربوا عليها.

قبل قيام النظام بتهجير أهالي الغوطة، كان يسكنها نحو 400 ألف نسمة، عاشوا دون أدنى مقومات الحياة، خاصة الدواء. حيث كانت تعاني معظم المشافي بالمنطقة من شح الأدوية وضعف الإمكانيات الطبية نتيجة اشتداد الحصار عليها بالكامل، واستمر هذا الوضع طوال السنوات الماضية،  وازداد سوءً حتى بعد اتفاق المصالحة الذي أبرمه النظام السوري مع المعارضين في برزة في شهر مايو/أيار 2017.

بدأ التهجير من جنوب الغوطة الشرقية، تحديداً في مدينة حرستا، ووصل إلى عربين وحمورية بالقطاع الأوسط، وجوبر ودوما وغيرها، واستمرت الحافلات التي تقلّ المهجرين بالتوافد إلى بلدة قلعة المضيق في ريف حماة، حيث تقع هناك النقطة الصفر، وهي الموقع الذي يحط المهجرون رحالهم فيه ثم ينطلقون منه إلى مناطق أخرى لبدء حياة جديدة. ففتحت إدلب أبوابها كاملة، كانت هي وجهة المهجرين من كل مناطق الغوطة، ما عدا دوما، كانت وجهة أهل دوما إلى ريف حلب الشمالي. فدوما يسيطر عليها جيش الإسلام، وتم الاتفاق بينه وبين النظام على الرحيل لريف حلب الشمالي، والمرجح وراء ذلك، عدم توافق جيش الإسلام والفصائل المسيطرة في ادلب وريفها كهيئة تحرير الشام وجبهة تحرير سوريا.

جرت عادة النظام على إبرام اتفاقات تسوية في المناطق الخارجة عن سيطرته، بعد تدمير بنيتها التحتية ومرافقها الصحية، للضغط على السكان والفصائل للقبول بشروطه، وهو ما جرى من الوعر بحمص إلى حلب والزبداني وبرزة ومناطق أخرى.

كانت إدلب الوجهة الأولى لسكان الغوطة الشرقية المهجرين. بحسب فريق مؤسسة “منسقو الاستجابة” (وهى مجموعة ناشطين سوريين يعملون على توثيق الأحداث في إدلب وحلب ومناطق أخرى بشمال سوريا، بالإضافة إلى الاستجابة للأزمات) وصل مدينة إدلب 51553 نسمة من ريف دمشق، منذ الشهر الماضي، قادمون من حي القدم جنوب دمشق وحرستا وعربين وأجزاء من دوما من الغوطة الشرقية. كل المهجرين تم توزيعهم في إدلب وريفها ما عدا أهالي دوما، فكان اتجاههم نحو الشمال السوري، تحديداً مناطق سيطرة فصائل درع الفرات المدعومة من تركيا.

بحسب الناشط الاعلامي عبيدة العمر، منذ وصول أول دفعة من مهجري الغوطة، بدأ أهالي إدلب بالبحث عن البيوت التي لا يسكنها أحد، أو البيوت التي يسمح أصحابها باستيعاب عائلة مهجرة من ريف دمشق، مضيفاً “بعد نقل العائلات من قلعة المضيق إلى إدلب، توزعوا على معظم مناطق ريف ومدينة إدلب، وخاصة مدن وبلدات معرة النعمان وكفرنبل وبنش وكفروما وحفسرجة وسلقين وأريحا”.

يؤكد عبيدة “بالنسبة للاستقبال الذي جهزه أهالي إدلب فكان يسوده الحزن والفرح معاً، الحزن على ثوار الغوطة الذين كان الأمل معقوداً عليهم بشكل كبير لإسقاط النظام، والفرح لخروجهم أحياء بعد محاصرتهم من عدة دول داخل الغوطة الشرقية. عمليات جمع المساعدات وإرسالها لعوائل المهجرين لم تتوقف لحد اللحظة، المجالس المحلية والأهالي والمنظمات كانوا فريقاً واحداً وتمكنوا من تحمل معظم هذا العبء”.

يقول الطبيب محمد فضل، أحد أطباء الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز)، حول استقبال أهالي إدلب للمهجرين “بشكل عام كان هناك تعاطف كبير وترحيب كبير من أهالي إدلب، متعاطفون مع أهالي الغوطة. خمس سنين لهم في حصار…. من يملك محل وجبات سريعة كان يقدمها لأهل الغوطة مجاناً، من يملك محل ألبسة يقدم اللباس لهم مجاناً أيضاً”.

تم اعلان حالة استنفار كبيرة في النقطة صفر ببلدة قلعة المضيق من جانب المنظمات الطبية والانسانية، مثل جمعية سامز والدفاع المدني السوري والهلال الأحمر وغيرها. يقول الطبيب فضل “في المشفى الوطني بإدلب كنا نستقبل المصابين من الأهالي، تم وضع كل المرافق الطبية في إدلب وريفها في حالة استنفار، لاستقبال المرضى والمصابين من أهالي الغوطة الشرقية، رغم الضغط الشديد هناك، وبطبيعة الحال، الخدمة مجانية في المشافي لأهالي الغوطة المهجرين.”

وفق مصادر في مشافي إدلب، هناك حالات سوء تغذية كبيرة بين المهجرين من الغوطة، خاصة الأطفال. لم يكن غذاء سكان الغوطة على مدار الأعوام الماضية تحت الحصار صحياً على الاطلاق، كما لم يكن هناك أدوية للأطفال، وهو ما يزيد التحدي أمام جميع المرافق الطبية في إدلب لعلاج المهجرين وأطفالهم، ويزيد من الحاجة لعمليات إغاثة انسانية عبر الحدود مع تركيا، لتزويد المنظمات السورية والمرافق الصحية التي تدعمها بكل ما يمكن لتلبية الحاجات من مستلزمات طبية وأدوية وأدوات.

تؤكد مؤسسة سامز أنها منذ 24 مارس/آذار حتى الثاني من أبريل/نيسان، قامت بـ 60 عملية إسعاف للمهجرين من الغوطة في إدلب، وأجرت مشافيها بالمدينة وريفها 132 عملية جراحية كبيرة، و512 عملية جراحية بسيطة، وما زالت فرقها تقوم بأعمالها.

هكذا كان الوضع في إدلب، بينما تم نقل أهالي دوما المهجرين إلى مناطق ريف حلب. يصف الناشط الإعلامي جلال التلاوي مشاهد وصول المهجرين من دوما إلى مدينة الباب في شرق حلب “أول دفعة وصلت للباب من معبر أبو الزندين غرب المدينة كانت 1100 شخص والثانية 1200 شخص والثالثة 630 شخصاً.” مضيفاً “وحال وصولهم للمعبر، تم استقبالهم وإيصالهم إلى مخيم في قرية شبيران ، وهو مركز إيواء مؤقت ومجهز بكل الخدمات. تم توزيع الطعام والشراب مباشرة، وكانت فرق الدفاع المدني ومنظومة الإسعاف بالباب وكل المنظمات المسموح لها العمل على الأرض حاضرة”.

تلاوي نفسه كان تم تهجيره في شهر مايو/أيار 2017 من منزله في حمص القديمة نحو حي الوعر، وعاش الحصار هناك. عاش تلاوي تهجيراً ثانياً مع تهجيره مع آخر دفعة من مهجري حي الوعر الحمصي باتجاه ريف حلب الشرقي، حيث استقر في مدينة الباب بعد تحريرها من تنظيم داعش.  

حينما وصل تلاوي إلى مدينة الباب عقب تحريرها كانت مدينة شبه مدمرة، وتفتقر للكثير من الخدمات، وأهلها نزحوا منها. ولكن الأوضاع حالياً أصبحت أفضل نوعاً ما، بسبب عودة الأهالي وإعادة تهيئة المدينة وعودة الحياة لها. وقد تم استقبال المهجرين من الغوطة بصدر رحب. يقول تلاوي “استقبلناهم حتى لا يواجهوا ما واجهناه بداية تهجيرنا.” مضيفاً “هناك شيء مفرح، كان لأهالي الغوطة محبة كبيرة لدى أهالي الباب، والمهجرين إليها القادمين من حمص ودير الزور والرقة والبوكمال وحلب.

الحال في ريف حلب الشمالي عند وصول المهجرين من الغوطة مشابها للحال في إدلب. بحسب التلاوي “تم جمع تبرعات لمساعدة أهالي الغوطة واستقبال المرضى مجاناً، وأعلنت محال تخفيض الأسعار. حتى أسعار خطوط الانترنت انخفضت بنسبة حوالي 25% لأهالي الغوطة، وتم تقديم اشتراكات مجانية لهم.”

حظى المهجرين من الغوطة الشرقية باستقبال أهلي كبير في إدلب وغيرها من المناطق التي ذهبوا إليها، رغم الإحباط من عملية التهجير نفسها، التي شملت كل الغوطة وآخر الخارجين منها كان أهالي دوما، حيث خرج آخرهم يوم الرابع عشر من الشهر الحالي متوجهين إلى ريف حلب، دون أن يقرر المدنيون مصيرهم الذي حدده النظام السوري وجيش الإسلام عندما أبرما الاتفاق دون الرجوع إلى الأهالي. الأهالي في الغوطة محاصرين بين جيش الإسلام الذي يفاوض باسمهم دون مشورتهم، ونظام الأسد الذي سيستخدم كل الأسلحة لقتلهم وتهجيرهم.

اشترك في نشرتنا English

حسن عارفه

مسئول الإعلام في مؤسسة سامز، ومقرها في تركيا.

شاهد أيضاً

التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

النص النهائي للقانون لم يتم تمريره بعد، لكنه بالفعل خلق حالة من التخبط والنقاش فيما يتعلق بمستقبل السكان المغاربة، الذين يتساءلون عن كيف ستؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية إلى مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة

خيارات مصر في تنمية السد الأثيوبي

في عام 2013، اعتراف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن نهر النيل أصبح بصورة سريعة أكبر تهديد لأمن مصر. على الرغم من جهودها الدبلوماسية في مختلف الدول في الإقليم

بعد ثلاث سنوات: تطور التدخل العسكري الروسي في سوريا

اليوم منذ ثلاث سنوات بدأ التدخل الروسي في سوريا، هذا التدخل الآن يشير إلى استمرار زيادة النفوذ الروسي في سوريا، خاصة في سياق مناطق خفض التصعيد وعملية الاستانة للسلام، ومؤخرا المناطق منزوعة السلاح في محافظة إدلب.