انقسامات في انتظار هيئة تحرير الشام بعد إتفاق سوتشي

انقسامات في انتظار هيئة تحرير الشام بعد إتفاق سوتشي

اشترك في نشرتنا

في منتصف شهر سبتمبر/أيلول، وفي محاولة لتجنب احتمالات الهجوم عليها من جانب النظام السوري وحلفائه وقعت كلا من روسيا وتركيا اتفاق سوتشي بشأن الأوضاع الميدانية في إدلب. ينص الاتفاق على إقامة منطقة منزوعة السلاح في إدلب بين النظام السوري وقوات المعارضة بعرض 15-20 كم. في مقابل تعهد تركيا بإيجاد حل للمجموعات المتطرفة في المحافظة، وسحب السلاح الثقيل من هذه المنطقة، وإخلائها بحلول منتصف أكتوبر/تشرين الأول الحالي من أي وجود لمقاتلي هيئة تحرير الشام أو عناصر المعارضة السورية المعتدلة، مقابل تعهد روسيا بعدم شن أي عملية عسكرية في الشمال السوري.

يتذرع النظام السوري وروسيا بوجود هيئة تحرير الشام في إدلب لبدء عملية عسكرية هناك. حيث أن الهيئة موضوعة على قوائم الإرهاب ومستثناة من اتفاق خفض التوتر الموقع بين الدول الضامنة (تركيا وإيران وروسيا).

حتى الآن، أعلنت الجبهة الوطنية للتحرير فقط، التي تضم فصائل المعارضة المعتدلة في إدلب، ترحيبها بالجهود التركية، فيما رفضت فصائل أخرى جهادية مثل حراس الدين والحزب الاسلامي التركستاني المنتميان لتنظيم القاعدة رفضهما لتطبيقه. إلا أن بعض التقارير الصحفية أكدت أن هذه التنظيمات، خاصة حراس الدين وهيئة تحرير الشام، قد قامت بسحب سلاحها الثقيل من المنطقة منزوعة السلاح المحددة في الاتفاق. 

يضع الاتفاق الهيئة أمام خيارات محدودة ومعقدة. حيث أكدّ المتحدث الرسمي باسم هيئة تحرير الشام، عماد الدين مجاهد، في تصريح صحفي، أنّ “مجلس شورى الهيئة يجري مشاورات لتحديد موقفها النهائي من الاتفاق الروسي التركي في سوتشي”، مشيراً إلى أن “الهيئة ستصدر بياناً رسمياً عما قريب بخصوص الاتفاق”. وفي الرابع عشر من أكتوبر اصدرت بيانا لا تقبل ولا ترفض بشكل واضح اتفاق سوتشي. بنفس الوقت، رفضت الهيئة تسليم اسلحتها بحجة عدم ثقتها في روسيا والنظام والحاجة لحماية أهالي المنطقة.

رغم أنّ اتفاق سوتشي الأخير يعتبر نجاحاً لتركيا في تجنيب محافظة إدلب هجوماً من جانب النظام وحلفائه على المنطقة، إلا أن صعوبات كبيرة تواجه تركيا في تنفيذ التزاماتها التي لخصها وزير الخارجية “مولود جاويش أوغلو “بطرد المجموعات الارهابية من المنطقة منزوعة السلاح، وإخلائها من الأسلحة الثقيلة”.

ووفق تصريح خاص لقائد عسكري بارز – رفض الإفصاح عن هويته – في فصائل المعارضة السورية لمدونة مصدر سوريا فإن “اجتماعات مكثفة عقدت بين الجانب التركي وممثلين عن الهيئة في اسطنبول بتركيا، وانتهى بتخييرها بين حل نفسها وانضمام من يريد من عناصرها بسلاحه لفصائل المعارضة مع منحه إمكانية الاختيار بين الفصائل، أو تركها عرضة لمواجهة عسكرية قد يشنها النظام وروسيا وإيران على المحافظة، وهو ما قد يخلف عواقب كبيرة على المدنيين في المنطقة”.

تعتبر إدلب حاليا تجمعا يضم آلاف النازحين الذين رفضوا البقاء تحت سلطة نظام الأسد. وفي حال أي هجوم على المحافظة فإنّ مصير هؤلاء المدنيين سيكون كارثياً في ظل خشيتهم من انتقام جماعي قد يطالهم من جانب النظام. كما أن كثافة النازحين في مخيمات إدلب قد يتسبب في وقوع مجازر كبيرة. وفي ظل هذا الوضع المعقد قد تضطر هيئة تحرير الشام للموافقة على الاقتراح التركي، وعدم التسبب في منح النظام وحلفائه ذريعة لأي هجوم مقبل وربما الذهاب إلى أبعد من ذلك والقبول بحل نفسها.

ورغم أنّ خيار الاندماج مع فصائل معتدلة قد يجنب هيئة تحرير الشام الدخول في مواجهة مفتوحة مع تركيا إلا أنه صعباً للغاية، بسبب الصراعات والمعارك السابقة التي شنتها الهيئة ضد هذه الفصائل، وابتعادها فعلياً في حال الموافقة على هذا الاقتراح عن مبادئها والنهج الذي تسير عليه منذ تأسيسها.

اعتادت هيئة تحرير الشام مهاجمة فصائل المعارضة المعتدلة لأنها تقبل بالاتفاقات السياسية وحل الأزمة عبر المفاوضات. منهج الهيئة يقوم على رفض التفاوض مع النظام وحلفائه، ورفض أي وقف للقتال أو هدن أو حتى وقف التصعيد، وهذا ما تعلنه دائما عبر قنواتها الرسمية. تضم الهيئة مقاتلين من جنسيات أجنبية يرفضون أي تسليم للسلاح أو عقد اتفاقات سياسية مع نظام الأسد. 

صراع داخلي

تعتبر محافظة إدلب شمال البلاد المركز الرئيسي لتواجد هيئة تحرير الشام في سوريا. والهيئة هى القوة الأكبر المسيطرة على إدلب، سواء عسكرياً عبر حواجزها العسكرية المنتشرة في كافة أرجاء المحافظة وإدارتها لكافة المعابر الموجودة في المحافظة، أو مدنياً من خلال حكومة الانقاذ التابعة لها، والتي تتولى إدارة زمام الأمور في إدلب.
تحاول الهيئة أن تسلك مسلكا ضيقا، أن حيث البيان الذي صدر منها لا يتبنى موقفا واضحا، لان أي قرار بالقبول أو من عدمه سيزيد من الانقسامات الداخلية فيها. هناك تياران متصارعان داخل الهيئة بخصوص اتفاق سوتشي. الأول يرفض أي حوار أو تنسيق مع تركيا، ويطالب بفتح معارك جديدة مع النظام، وهو الطرف الذي يقوده المقاتلين الأجانب مثل أبو يقظان المصري. أما التيار الأخر فيقوده المقاتلون المحليون، ويرون ضرورة مراعاة الوضع الراهن وضرورة التنسيق مع تركيا لحماية المدنيين.

خلال الفترة الأخيرة ظهر هذا الانقسام جلياُ بين الطرفين بعد إعلان 6 فصائل منضمة للهيئة انشقاقها عنها، وانضمامها لفصيل حراس الدين المنتمي لتنظيم القاعدة. وجاء في بيان نشره تنظيم حراس الدين حمل عنوان اتفاق سوتشي الأخير (دايتون 2) “نحن في تنظيم حراس الدين نرفض البيان والمؤتمرات حول إدلب، ونحذر من هذه المؤامرة الكبرى”.

وأمام هذا الواقع فإن قبول الهيئة بالاتفاق قد يمهّد بحسب البعض لحدوث انشقاق كبير داخلها، ومغادرة مزيد من المقاتلين الأجانب إلى تنظيم حراس الدين. ولكن هذا الأمر سيساعدها أيضاُ في إظهار نفسها بموقف المتعاون مع الإرادة الدولية ويمهد الطريق لمشاركتها في عملية سياسية خاصة بإدلب من حيث السماح بوجود إدارة محلية ذاتية مدنية ويمهد ربما لحلها. وهو ما قد تميل إليه قيادة الهيئة المتمثل في قائدها أبو محمد الجولاني ومستشاريه، خاصة في ظل التحولات السياسية والفكرية التي شهدتها الهيئة في الشهور الأخيرة. 

لكن في حال طغى الجانب المتشدد على القرار فإن سيناريو الدخول في مواجهة مفتوحة مع تركيا، بمشاركة فصائل عسكرية مدعومة منها، قد يكون أمرا وارداً، وبالتالي فإنّ حكم هيئة تحرير الشام لمناطق الشمال السوري سيبدأ بالانحسار تدريجياً مع تسليم كافة المؤسسات لفصائل ستختارها تركيا.

وفي كل الأحوال، فإنّ أي قرار سيصدر عن هيئة تحرير الشام بشأن الاتفاق سيعمل على اضعافها داخلياً، وزيادة الانقسام بين المعسكرين، وهو الأمر الذي تسعى إليه تركيا كما نقل موقع ميدل إيست البريطاني قبل أيام عن مصدر أمني تركي قوله إنَّ “بعض أعضاء هيئة تحرير الشام، يدعمون جهود تركيا والبعض الآخر يعارضها. وستعمل المخابرات التركية على تأليب الطرفين ضد بعضهما البعض”.

لا تثق تركيا في الهيئة، والعكس بالعكس. لا يبدو أن تركيا تريد التدخل العسكري ضد الهيئة، وإنما تريد أن تنقسم حتى ينضم الأعضاء الأكثر اعتدالاً لفصائل أخرى وينعزل الأكثر تطرفاً. وتفضل تركيا هذه النتيجة. ولكن إن لم يحدث هذا الأمر، فقد تُضطر أن تشن هجوما على الهيئة عن طريق الفصائل التي تدعمها مثل جبهة الوطنية للتحرير، لمنع النظام وحلفائه من شن حملتهم.

الضغط الشعبي

وبالتزامن مع أنباء قرب هجوم النظام وحلفائه على ما تبقى من الشمال السوري بحجة وجود عناصر هيئة تحرير الشام هناك، خرجت خلال الفترة الأخيرة مظاهرات شعبية واسعة في المنطقة تطالب بوقف الهجوم، ورفع المتظاهرون أعلام الثورة السورية. شهدت بعض الاحتجاجات مضايقات من عناصر الهيئة، وتم اعتقال البعض من المتظاهرين.

يرى الناشط الصحفي عبد الله الخالد المقيم في إسطنبول، في تصريح لمدونة مصدر سوريا، أنّ “هناك ضغوط كبيرة من الشارع على الهيئة لمنع إعطاء الروس والنظام أي مسوغات للهجوم على المحافظة، التي تعتبر الملاذ الأخير لمئات الآلاف من النازحين”. ومن شأن هذه الضغوط وفق الخالد أن “تدفع الهيئة لاتخاذ قرارات صعبة قد تنتهي بحل نفسها أو الانضمام للجهود التركية لاسيما أنّ أي قرار معاكس قد يولد ضغطا كبيراُ عليها في حال حصوله”.

وكان المتحدث باسم هيئة تحرير الشام عماد الدين مجاهد قد أكدّ في حديث صحفي سابق لموقع الجزيرة أن “تحرير الشام تسعى للوصول إلى حل ناجع في الشمال السوري، يحفظ المدنيين من هجوم محتمل للنظام وحلفائه”، مضيفا أنّ “موضوع حل الهيئة – إن صح – فهو أمر داخلي يناقش داخل مجلس شورى الهيئة بما يحقق أهداف الثورة”.

وختاماً، يمكن القول بأن مصير هيئة تحرير الشام سيتحدد بشكل واضح خلال الأيام المقبلة مع مصير إدلب، فإما أن تسير وفق منهجها وتواجه الاتفاق التركي-الروسي، أو تمضي إلى خلع عباءتها وتندمج في الاتفاقات السياسية وتكون جزءاً من الحل القادم. حيث تتعرض الهيئة للكثير من الضغوط الشعبية مؤخراً وتراجع شعبيتها. بالإضافة إلى أن الانشقاقات الكثيرة التي حدثت في صفوفها أدت إلى تراجع قوتها العسكرية. كل هذا يرجح صعوبة قدرتها على مواجهة أي هجوم مرتقب للنظام وحلفاءه على إدلب.

اشترك في نشرتنا

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

الوضع الطبي في إدلب والمعركة المحتملة هناك

يعد القطاع الطبي أحد أهم مقومات الحياة في أي منطقة، وفي حال انهياره، يمكن أن تنهار المنطقة بكاملها. وهو ما جرى خلال السنوات الأخيرة في سوريا، حيث كان سقوط القطاع الطبي في منطقة معينة يعني سقوط المنطقة المُستهدفة بيد النظام السوري وقواته.

قضية في السياق: من الحرب الأهلية اللبنانية إلى المحكمة الخاصة بـ لبنان

في 21 سبتمبر/أيلول، استمعت المحكمة الخاصة بـ لبنان إلى الحجج الختامية: في القضية الذي اتهم فيها المدعون أربعة أعضاء أو منتسبين لحزب الله باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. بعد ثلاثة عشر عاماً من الاغتيال، فإن القضاة في طريقهم لإصدار حكمهم النهائي.

التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

النص النهائي للقانون لم يتم تمريره بعد، لكنه بالفعل خلق حالة من التخبط والنقاش فيما يتعلق بمستقبل السكان المغاربة، الذين يتساءلون عن كيف ستؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية إلى مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة