حالة حرب بين حركة أحرار الشام وجند الأقصى

تسود حالة توتر وحرب حقيقة في كل من إدلب وريف حماه وسهل الغاب بين حركة أحرار الشام وجند الأقصى، حيث قامت الكتيبة الأمنية في حركة أحرار الشام باعتقال خلية تتبع داعش مباشرة في مدينة سراقب التابعة لإدلب، والتي كانت تتلقى الأوامر – طبقا لحركة أحرار الشام – مباشرة من الرقة، وحدث اشتباك مباشر بين هذه الخلية وعناصر الحركة، أدى الى مقتل خمسة من مقاتلي أحرار الشام في سراقب، وخطف مقاتل من الحركة، يدعى علي عيسى، عبر سيارة مجهولة دخلت مدينة سرمين القريبة من سراقب، ولجأت السيارة إلى محكمة سرمين التابعة لجند الأقصى، حسب ما غرّد به أبو إلياس الأنصاري، أحد قيادات حركة أحرار الشام السابقين.

من بين القتلى قيادي يدعى أبو طالب، الأمر الذي أدى إلى استنفار كامل لجميع العناصر المسلحة في إدلب، وتم تسجيل عمليتي خطف يوم السبت، أحداها طالت شاباً من حركة أحرار الشام، يدعى أبو ماريا، والحالة الأخرى اُختطف فيها مراسل قناة أورينت نيوز، ويدعى محمد الأشقر، خلال تواجده في مدينة سراقب، وأكد مصدر خاص رفض الكشف عن اسمه أن الاعلامي تم خطفه على أيدي جند الأقصى، برفقة آخرين لم يعرف مصيرهم بعد.

غرد أمير حركة أحرار الشام، أبو يحيى الحموي، على تويتر 18 تغريدة، مؤكداً تعرض قيادات من الحركة للاغتيال على أيدي خلايا تتبع جند الأقصى، وتتلقى أوامر من الرقة، حيث قال “ضمن الخطف والاغتيال الممنهج التي طالت كوادرنا فيما سبق والتي لم يسلم منها فصيل.”

تتابع جماعة جند الأقصى أعمالها التي طالت كل من جموع النافرين إلى الجبهات مع النظام، ما أعاد للأذهان مشهد داعش بالضبط، وقال أبو يحي الحموي، “لقد تريثنا كثيراً وصبرنا أكثر في الرد على تجاوزاتهم والضرب على أيديهم وإعادتهم إلى جادة الحق، ليس عجزاً إنما رحمةً بالشام وأهله (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ).” 

أحمد قره علي، الناطق الرسمي لحركة أحرار الشام، نشر بيانًا للحركة يمهل جند الأقصى 24 ساعة لإطلاق سراح المخطوفين، كما ينص البيان أيضا على “إن وجود الخلايا الأمنية المرتبطة بالدواعش تحت حماية جند الاقصى ليس بالأمر الجديد، بل هو الأصل في كل الخلايا المقبوض عليها حديثاً، وكذلك الاعتداء على أحرار الشام، وبقية الفصائل المجاهدة وتكفيرها من قبل عناصر الجند أصبح أمراً متكرراً، وأن الحركة غضت الطرف عن الاعتداءات الأخيرة، من منطلق مسؤوليتها وحرصها على الثورة… لكن اليوم إننا نجد أنفسنا أمام واجب شرعي يحتم علينا وضع حد للغلو، ونمهل تنظيم جند الأقصى 24 ساعة من صدور هذا البيان، لفك سراح أخينا وبقية المخطوفين، وإلا سنضطر لاتخاذ ما يلزم.”

إلا أن الدكتور في الشريعة الاسلامية عبد الرزاق المهدي أكد أنهم لازالوا مخطوفين والمفاوضات متعثرة؛ وخلال نهاية الأسبوع قامت أحرار الشام بمحاصرة مدينة سرمين، بالتزامن مع تحليق مكثف لطيران التحالف في سماء المدينة التي تعتبر معقل جند الأقصى، وكانت هذه المدينة معقلاً للواء داوود، الذي انتقل إلى الرقة في بداية عام 2015 معلناً انضمامه لداعش.

معظم فصائل المعارضة السورية وقفت مع حركة أحرار الشام، وأكدت وفق بيان صادر عنها أنها تقف مع الحركة أمنياً وعسكرياً، وأبدت استعداداً للمساندة في أي عملية عسكرية، واصفة تنظيم جند الأقصى بـ “رأس الأفعى.”

وبث ناشطون مؤيدون لحركة أحرار الشام تسجيلاً مصوراً، يظهر اعترافات خلية تابعة لجند الأقصى، كانت مهمتها اغتيال كوادر من الحركة.

في حين أعلنت معظم الحركات الجهادية وقوفها على الحياد، وأنها لن تقاتل سوى النظام السوري من باب ما يسمى “دفع العدو الصائل،” أي دفع العدو الذي يصول ظلماً في البلاد، مثل الكتائب الشيشانية والقوقازية التي كانت تعمل مع جند الأقصى، وعلقت العمل معها، وأعلنت وقوفها على الحياد، وأنها لن تقاتل أحرار الشام، على خلفية كشف خلايا تابعة لتنظيم داعش.

فيما اتهمت قيادات من جند الأقصى بأن أحرار الشام هدفها هو ايقاف معركة حماه، بعد سيطرة الأخيرة على قرى في ريف حماه الشمالي، أبرزها قرية معان، والمستغرب حتى الآن هو عدم صدور أي بيان أو كلمة من قاضي جيش الفتح الشيخ المحيسني، الذي عادة ما يظهر في مثل هذه الخلافات ويساعد على حلها.

يحاول تنظيم جند الاقصى من ناحية أخرى الحصول على قاعدة شعبية عبر معركته الأخيرة في حماه، ويحاول من ناحية أخرى قطع طريق خناصر، الذي يعتبر الطريق الوحيد الذي يصل إلى حلب الواقعة تحت سيطرة النظام، ويصل تعداد المقاتلين في التنظيم قرابة 800، غالبيتهم يرى أن مقاتلي الجيش الحر مرتدون يأتمرون بأوامر غربية، ويطلقون عليهم “كتائب الدولار،” ويطلقون هذا اللقب على كل من يقاتل تنظيم داعش، سواءً كان يتلقى الدعم من الغرب أم لا، سيما مؤخراً بعد انطلاق العملية العسكرية التركية المسماة “درع الفرات.”

كما نشر تنظيم جند الأقصى حواجز تفتيش على الطرقات، وتضع عناصره اللثام على وجوهها، وتقوم بتفتيش المدنيين، وبطلب هوياتهم الشخصية، سيما على الطرق المؤدية للحدود التركية، وتعتقل على هذه الحواجز كل مطلوب لها، كما يتخذوها نقاطاً لمراقبة من يطلب إليهم اغتياله.

ليس لدى جند الأقصى أي خلاف مع تنظيم داعش، كما لم يقاتل ضد التنظيم من قبل، وأعلن انسحابه من جيش الفتح منتصف العام الحالي، على خلفية نشر الأخير بيانًا لقتال التنظيم شمال شرقي سوريا، كما لم يشارك في معارك حلب الأخيرة، وفضل الاتجاه إلى حماه لكسب المزيد من المؤيدين إلى صفوفه، حيث بلغ عدد مقاتليه أكثر من 1500 مقاتل، بعد العمليات العسكرية في حماه؛ ويحاول تنظيم الأقصى أن يكون نداً لأحرار الشام، الذي يعتبر الأكبر في سوريا من ناحية فصائل المعارضة. 

وفي أخر تطورات المعارك بين جند الاقصى وأحرار الشام، تم اغتيال القيادي محمد منير الدبوس من قرية الحويجة التابعة لريف حماه، عبر كمين على مداخل قرية كفر سجنه في جبل الزاوية، وعلى أثرها شنت كتائب أحرار الشام عمليات عسكرية ضخمة، سيطرت بموجبها على أكثر من 30 مقرا تابعة لجند الأقصى في إدلب وريفها.

ومع اشتداد الاشتباكات بين جند الأقصى وحركة أحرار الشام، أعلن قائد جند الأقصى، أبو دياب السرميني، انضمامه لجيش الفتح آملاً لحمايته من أحرار الشام، وتأمين دعمها؛ وربما تؤدي هذه الخطوة إلى تدهور العلاقات بين حركة أحرار الشام وجيش الفتح، كما أنها قد تضع جيش الفتح في مأزق، حيث يحاول توحيد الفصائل الإسلامية تحت رايته، ولكن جند الأقصى ليس محبوباً لدى الفصائل الإسلامية الأٌقل تطرفًا، كما أن علاقة جيش الفتح بتنظيم داعش باردة. وعلاوة على ذلك، دعى عدد من قادة أحرار الشام إلى الاستئصال التام لجند الأقصى، وعلى رأس هؤلاء القادة أبو صالح طحان وأبو جابر والأمير العام مهند المصري أبو يحيى الحموي.

في ظل القاعدة الشعبية الكبيرة التي ساندت هذه العمليات للتخلص من المتطرفين الذين لديهم صلة بتنظيم داعش، أجبر أمير التنظيم أبو دياب السرميني على حل جند الاقصى ومبايعة فتح الشام، للمحاولة من تخفيف شدة الاحتقان مع حركة أحرار الشام، والتي ظهرت جليا في تغريدات على تويتر، يدعو فيها قادة حركة أحرار الشام إلى استئصال الغلو، وإصدار بيان يؤكد نية أحرار الشام المضي في اعتقال قيادات وعناصر الأقصى؛ وقد صدر بيان بين فتح الشام وجند الاقصى يحمل توقيع السرميني وختم وتوقيع أبو محمد الجولاني، يؤكد عملية المبايعة لفتح الشام، إلا ان أحرار الشام وضعت شروطاً، حيث طالبت بإنشاء محكمة مستقلة، تضم قاضيين اثنين من كل طرف، وقاضي خامس يرجح الاحكام التي تفصل بين الأطراف المتنازعة، وصدر بيان بذلك يحمل ختتم وتوقيع أكبر فصيلين جهاديين في سوريا أحرار الشام وفتح الشام.

Read in English

سليم العمر

صحفي سوري مستقل يكتب للجزيرة والقدس العربي والعربية وعربي 21.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط