ما الذي يمكن أن يتمخض عن التصعيد مع قطر؟

في الصباح الباكر ليوم الاثنين، قام مجلس التعاون الخليجي ودول أخرى بالتنسيق لفرض عزلة على قطر. بالرغم من أن قطع العلاقات بدأ بالبحرين، إلا أن القوة المحركة كانت السعودية بشكل واضح، بدعم قوي من الإمارات. أخذ العزل شكلا كاملا: الرياض والمنامة وأبو ظبي يطلبون من كل المواطنين القطريين مغادرة أراضيهم، كما قاموا بغلق الطرق البرية الموصلة بين قطر والسعودية، وإنهاء رحلات الطيران إلى جانب غلق المجال الجوي. انضمت دول أخرى مثل مصر في قطع العلاقات وغلق المجال الجوي والموانئ البحرية أمام كل السفن القطرية، إلا أنه ليس من الواضح ما إذا كانت ستطرد المواطنين القطريين من أراضيها أم لا. وضع كهذا هو غير مسبوق – لكن النتائج تبدو محتومة.

كيفية وصول الأمر إلى هذا الحد شيء واضح، فمجلس التعاون الخليجي كان تحت الهيمنة السعودية منذ تأسيسه، وهي تعرف نفسها بالبؤرة الوسطية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لمجلس التعاون الخليجي. وهذا لا يعني أن الوسطية جيدة أو سيئة، لكنها تشير إلى كيفية تعريف السعودية لهيمنتها. هناك اختلافات في وجهات النظر مع الرياض أحيانا بشأن السياسة الإقليمية – على سبيل المثال، فإن أبو ظبي تدعم مجموعات مختلفة بشكل ضئيل في سوريا عن المجموعات التي تدعمها الرياض، كما أن مسقط تعتبر حيادية بشكل أكبر بشأن قضايا كثيرة داخل المنطقة.

لكن الدوحة مختلفة، فقطر دولة صغيرة، لكنها استطاعت أن تتجاوز ثقلها من خلال استفادتها من ثروتها الكبيرة، واستخدامها في الاستثمارات المالية، والمشاريع الإعلامية – خاصة، شبكة الجزيرة الإعلامية، ولكنها أيضا خلقت كيانات جديدة مثل العربي الجديد، وسخرت كل هذا الثقل لخدمة سياسة خارجية تتنافى دائما مع المملكة العربية السعودية بشكل خاص، ولكنها أيضا كانت في سبيلها للتصادم مع الإمارات العربية المتحدة. وهو مسار كان قد أدى إلى تصعيد مضاد في العام 2015، حيث تم سحب السفراء، وتم شن حربا كلامية عبر وسائل الإعلام – إلا أنه تم تجاوز هذا التصعيد، وافترضت الرياض وأبو ظبي أن الدوحة ستكون أكثر حرصاً في بذل المزيد من الجهد لتهدئة السعودية والإمارات. ما حدث اليوم يظهر أنهما لم تعودا راضيتين.

هذا هو بيت القصيد، منذ العام 2012، والرياض وأبو ظبي، هما القوتان الأكبر في مجلس التعاون الخليجي، تشعران بأن الدوحة تمثل خنجرا في الظهر، خاصة فيما يتصل بجماعة الاخوان المسلمين في مختلف الدول، بما في ذلك استضافة رموز غير قطرية من الجماعة على أراضيها، إضافة إلى تعامل أكثر ودا مع إيران مقارنة بالسعودية والإمارات. لدى الإمارات والسعودية خلافات هامة في قضايا عدة، بما في ذلك قضية الاخوان المسلمين. لكن لديهما تقارب أكبر بكثير في قضية الاخوان المسلمين مقارنة بالدوحة، كما أن كليهما، أبو ظبي والرياض، تريان إيران كتهديد كبير في المنطقة. بينما الدوحة تختلف عنهما في هاتين القضيتين – إلا أن معادلة القوة ليست في صالح قطر.

حتى وقت قريب، كان منتقدو الدوحة يرون أن “انحرافات” الدوحة في هاتين القضيتين سيتم تصحيحها مع الوقت، خاصة عقب التصعيد الأخير في العام 2015، لكن هذا الشعور قد تلاشى الآن، وما رأيناه على مدى الأيام القليلة الماضية يعود إلى الكتلة الحرجة في الرياض وأبو ظبي اللتين قد وصلتا إلى قناعة أن الدوحة لن تعود إلى المسار الصحيح إلا من خلال اتخاذ تدابير عنيفة.

هذا يجري بينما يحدث تطور آخر هام: ترامب في البيت الأبيض؛ لا أحد يتوقع أن واشنطن سوف تدعم هذه التحركات بشكل واضح – في الحقيقة، لم يتضح إن كانت واشنطن لديها تفاصيل ما حدث قبل وقوعه، خاصة فيما يتعلق بالتوقيت. إلا انه وبعد زيارة ترامب للرياض وانفتاحه الأكبر على السعودية كواحدة من القوى الهامة في المنطقة، فإن هناك توقع بأن واشنطن سوف تبتعد وتظل على مسافة من هذه القضية على الأقل، ربما لأنها تتوقع أن الأمر سوف يتم حله في وقت قريب لصالح السعودية. في هذا الصدد، فإن الدوحة، وبالرغم من وجود قاعدة أمريكية هامة في المنطقة على أراضيها، إلا أنها وحدها تماما.

يأتي السؤال: ما هي النتيجة المرجوة؟ وتأتي الإجابة هنا بأنها نتيجة حتمية على الأغلب، فالقرن الواحد والعشرين يمكّن الدول الصغيرة أن تتجاوز ثقلها الحقيقي من خلال الوسائل التكنولوجية، إلا أن هناك بعض الأشياء التي لا يمكن أن يوفرها. تعتمد قطر على أراض مشتركة مع السعودية وهي التي تمكنها من تصدير أي شيء على الأرض – وهي حرفيا ليس لديها أي حدود أخرى. تعتمد الدوحة بشكل كبير على الصادرات، ولا يمكنها الاستمرار بدونها. كما تحتاج قطر إلى مجال جوي غير مقيد لتصل إلى المستوى الذي تريده للخطوط الجوية القطرية، وليس لديها هذا المجال فيما يتعلق بالإمارات والسعودية والبحرين، ولا يمكن لأي شخص أن يسافر من الإمارات أو السعودية أو البحرين مباشرة إلى قطر حتى انتهاء الأزمة.

ليس للدوحة حلفاء يمكنها الاعتماد عليهم لملء الفراغ بهذا الصدد، لا يمكن لإيران أن تعوضها، إن كان هذا خيار مطروح بالإساس. أما تركيا، والتي لديها تقارب مع الدوحة بشأن بعض السياسات الخارجية (خاصة في مسألة الاخوان المسلمين)، قد اتخذت موقفا مشابها للولايات المتحدة، يبرز أنها ترغب في لعب دور الوسيط أكثر من رغبتها في الوقوف أمام السعودية.

على هذا النحو، فإن مسألة إذعان الدوحة أمر مفروغ منه، فالأمر يتعلق بكيفية إذعانها ومدى سرعته، ببساطة لأن موازين القوى ليست في صالح الدوحة في الوقت الحالي، ومساحة المناورة تبدو ضئيلة تماما.

أي اتفاق للمصالحة غالبا ما سيتضمن الآتي: رحيل مؤيدي جماعة الاخوان غير القطريين من قطر بالكامل (ربما باستثناءات لشخصيات عامة يضعف رحيلها من موقف قطر بشكل كبير مثل يوسف القرضاوي) إعادة هيكلة الإعلام القطري (مما يعني إنهاء وجود العربي الجديد بالكامل، إلا أن الجزيرة قد تستمر بشروط محددة)، توقف قطر عن تحركات في المنطقة تخالف مواقف السعودية، مع تركيز أكبر على تعزيز الضوابط المالية على الأموال الخاصة التي تخرج من الدوحة لتدعم مجموعات تعتبرها السعودية غير مقبولة. باختصار، فإن مساحة “انحرافات” الدوحة وفقا لرؤية السعودية ستتقلص بشكل كبير.

من المحتمل أن تحدث المصالحة بسرعة، لأن القضايا الخلافية معروفة بشكل جلي، إلا إن علينا توضيح أن هذا هو إعادة تشكيل لمنطقة مجلس التعاون الخليجي، وتعزيز لقوة السعودية، بما في ذلك من تأثير يتسع لمدى أكبر من دول مجلس التعاون الخليجي. ما هي الآثار المترتبة على هذه الجدلية والعواقب غير المقصودة، هذا ما لم يتم تحديده بعد.

اشترك في نشرتنا Read in English

هـ. أ. هيالر

كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على عمليات الانتقال في الدول العربية وحقوق الانسان.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة