كيف تُنَظم انتخابات في ليبيا؟

غسان سلامة، مبعوث الأمم المتحدة لليبيا.

كيف تُنَظم انتخابات في ليبيا؟

اشترك في نشرتنا 

منذ عام 2011، يظل مسار التحول الديمقراطي في ليبيا بطيئًا وصعبًا. فقد أخفقت الأمم المتحدة في جمع الفرقاء المتحاربين حول طاولة المفاوضات، مما أدى إلى استمرار غرق البلاد في الفوضى. وعلى الرغم من هذا الإخفاق، تدفع الأمم المتحدة بليبيا نحو تنظيم انتخابات في العام الجاري. ولكن في ظل الفوضى الحالية في البلاد، كيف يمكن للأمم المتحدة أن تتخطى هذه التحديات وتجري عملية انتخابات حرة ونزيهة؟

التحديات

تبدو فرص إحلال السلام والديمقراطية وكأنها خيار لا يناسب أبدًا أمراء الحرب في ليبيا. فحتى ديسمبر/كانون الأول الماضي، دأب الجنرال خلفية حفتر، الذي نصب نفسه قائدا للجيش الوطني الليبي، على نبذ الحوار الذي تقوده الأمم المتحدة. ولم يتغير موقف حفتر كثيرًا عن موقفه في عام 2015، حين أعلن أن المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة “لا تعنيه“. كما أنه في الشهر الماضي بدا مصممًا على أن “ليبيا غير مستعدة للديمقراطية“. ودفعت هذه التصريحات القوى الغربية إلى تحذير حفتر من مغبة إعاقة تنظيم الانتخابات. ويبدو أنه بسبب الضغط الدولي، صارت لهجة تصريحاته أكثر مرونةً. إلا أنه في المناطق التي تسيطر عليها القوات التابعة له، يتعرض هؤلاء اللذين يعلنون نيتهم الترشح في الانتخابات إلى التهديد، بل وأيضا الاغتيال.

بالإضافة إلى الحكم القمعي الذي يمارسه أمراء الحرب في ليبيا، فهناك مساحات واسعة من الأراضي الليبية ترزح تحت سيطرة القوات الأجنبية. وشكا رئيس مجلس حكماء سبها الشيخ حسن الرقيق الأسبوع الماضي من أن الوجود الحكومي في الجنوب منعدم. كما حذر من أن القوات الأجنبية والمرتزقة هم من يتحكمون في الأمور بشكل كامل. وهناك الكثير من المنشآت العسكرية الليبية ترفع أعلام دولة تشاد، بما في ذلك قاعدة جبل العسكرية، المنشأة العسكرية الرئيسية في سبها.

بالإضافة إلى ما سبق، يبقى مجلس النواب في طبرق عائقًا أمام تنظيم الانتخابات في ليبيا. فبدلًا من أن يقوم مجلس النواب بدور المدافع عن الديمقراطية، ويتيح منبرًا للتعبير الحر عن الرأي، يجد الكثير من أعضاء المجلس أنفسهم غير قادرين على ممارسة إرادتهم الحرة في النقاش، بسبب التهديدات الدائمة من قبل التشكيلات العصابية التي تدين بالولاء لحفتر. من ناحية أخرى، يبدو بعض أعضاء مجلس النواب، مثل السيد إبراهيم الدرسي، غير مؤمنين بالعملية الديمقراطية في المطلق. مثل هؤلاء الأعضاء يتبنون منهج العنف، ويدعون صراحةً إلى قتل واغتيال وتفجير المعارضة السياسية.

وتستمر المجموعات المتطرفة في استغلال الوضع غير المستقر في البلاد. فبالرغم من الهزيمة الميدانية لتنظيم داعش أواخر عام 2016، في عملية “فجر أوديسا”، تزداد المجموعات المتطرفة، مثل التيار السلفي المدخلي، انتشارًا وتسلحًا ونفوذًا.

في ظل غياب الأمن، وعدم إقرار قانون انتخابات عادل، وعدم وجود دستور مصدق عليه، تبدو مبادرة الأمم المتحدة بتنظيم انتخابات وطنية أقرب للفشل. فتنظيم انتخابات في ظل تلك الظروف سيسفر عن انتهاكات لمبادئ القانون الدولي، التي تنص على اتاحة فرصة المشاركة الكاملة والحرة للناخبين. وسينتج عن ذلك حكومة أخرى غير فاعلة، لا تقوى على بسط سيادتها خارج العاصمة طرابلس. بل والأسوأ؛ يمكن أن تؤدي تلك الانتخابات إلى تصعيد قوى معادية للديمقراطية في الحكم. تواجه ليبيا مأزقا، وتتجه الأوضاع نحو الأسوأ، بما في ذلك الانهيار الوشيك الذي سيعصف بالعملة الليبية وباقتصاد البلاد.

المضي قدمًا

يرى د. كريم ميزران، الباحث المقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط بالمجلس الأطلنطي، أن “اللجوء المباشر للشعب من أجل اختيار رئيس وبرلمان سيعني تجاوز كل عدم الاتساق القانوني والتناقضات المحيطة بمجلس النواب وببنود الاتفاق السياسي الليبي.” وتلك الحجة مقنعة. إلا أن مشكلة كيفية تنظيم انتخابات نزيهة وحرة في ليبيا، تظل معضلة بعيد المنال.

أحد الحلول الذي يبدو واقعيًا وخلاقًا هو البدء في إجراء انتخابات تزايدية Incremental Elections، وهي انتخابات تدريجية في المناطق التي تخضع للسيطرة المدنية، ويمكن اعتبارها آمنة وحرة بما يكفي لإجراء انتخابات، بدلًا من تنظيم انتخابات وطنية على مستوى كل ليبيا كما تقترح الأمم المتحدة. وحال إتمام إجراء انتخابات كهذه في بعض مناطق ليبيا، سيتشكل برلمان جديد ذو سيادة، وذو قوة تشريعية كاملة، بما في ذلك سلطة تشكيل حكومة جديدة، بصرف النظر عن عدد الأعضاء اللذين تم انتخابهم. وحين تتوافر شروط الأمن والحرية في دوائر انتخابية جديدة، تجرى انتخابات فيها. وبذلك تتواصل هذا العملية بحيث يتزايد عدد أعضاء البرلمان الجديد والفاعل، كلما تمت عملية الانتخابية جديدة في دائرة من الدوائر الانتخابية.  وإذا ما توافر الدعم والرقابة الدوليين، سيكون انتخاب برلمان جديد وتشكيل حكومة فرصة لليبيا لتبدأ مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والأمني الاقتصادي. كما سنفصل لاحقا، سيشكل المسار المقترح لإجراء انتخابات تزايدية حافزًا كبيرًا للأقاليم لضبط أمورها حتى تتمكن من إجراء الانتخابات، مما سيشجع كل المواطنين على المشاركة في استعادة مدنهم وقراهم وأحيائهم.

ويعد تنظيم انتخابات بشكل تدريجي وعلى مراحل ممارسة معروفة ولها سوابق شبيهة. ففي الهند على سبيل المثال، تم تنظيم انتخابات مجلس النواب على مدار أربعة أيام، موزعة على عدة أسابيع، حيث كانت هناك حاجة لنشر قوات أمن أثناء عملية التصويت في كل منطقة ستجرى بها الانتخابات. أيضا، في الولايات المتحدة، تجري الانتخابات التمهيدية الرئاسية على مراحل، متوجة بعقد كل حزب لمؤتمره الوطني. غير أن الانتخابات التزايدية تتميز بأنها تنتج جسم منتخب يمارس مهامه حال قيام أول موجة انتخابات وليس بعد الانتهاء من الانتخاب في كل أنحاء البلاد.

ومن المنتظر أن تلقى تلك الفكرة أيضا معارضةً. فحكومة الوفاق الوطني ومجلس النواب، من ناحيتهما، قد يخرجان من السلطة، وبالتالي لن يدعمان هذه الفكرة. رغم أنه بالنظر إلى منطوق تصريحاتهما، فإن كل من الحكومة ومجلس النواب أعلنا قبولهما تنظيم انتخابات جديدة ضمن الخيارات المطروحة. إلا أن سجل مجلس النواب بالأخص يثير الكثير من القلق. فمجلس النواب لم يقم أبدا بالتصديق على الاتفاق السياسي الليبي، وهو الاتفاق الناتج عن الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة. أيضا، نفس ذلك الاتفاق ينص على أن يقوم مجلس النواب بالعمل مع المجلس الأعلى للدولة لصياغة قانون انتخابات وطرح دستور جديد للاستفتاء. طبقًا لما ذكره مركز كارتر في تقرير في يوليو 2012، يعاني قانون الانتخابات الليبي من “تطبيق غير متسق”، و”فجوات في الإطار القانوني”. كما ينص التقرير على أن النظام الانتخابي لا يحقق المساواة بين الناخبين، ولا يضع أوزان مساوية لأصواتهم”، وهو ما يعني أن القانون “فشل في أن يحقق التزامات ليبيا طبقًا للقانون الدولي العام.” من خلال توظيف مجموعة من التكتيكات التعطيلية، نجح مجلس النواب ورئيسه في تفادى اتخاذ إجراءات فيما يخص كل تلك التشريعات الحيوية. مما ألقى بليبيا في حالة ضبابية، وحرمها من الأساس الدستوري والقانوني اللازم لتنظيم انتخابات جديدة وتشكيل برلمان جديد.

وضع الخطة موضع التنفيذ

المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا، الموجودة حاليًا، هي الجهة المنوط بها الاشراف على عملية الانتخابات، وهي صاحبة القول الفصل في كل الجوانب الإجرائية. ويجب أن تكون هناك حزمة محددة من المعايير يتقرر بمقتضاها ما إذا كان الوضع في منطقة ما يسمح بتنظيم انتخابات أم لا. وينبغي أن يكون من ضمن تلك المعايير أن تكون المنطقة خاضعة لسيطرة سلطة محلية مدنية منتخبة، لا تحت سيطرة عسكريين أو ميليشيات مسلحة تقوم بمهام رئيس البلدية. وبينما تجري الانتخابات في المناطق المختلفة، يتم تشكيل البرلمان الجديد على مراحل. وانطلاقًا من حقيقة أنه يستمد سلطته من الشعب، سيمتلك البرلمان الجديد السيادة (حتى إذا ما كان نتاج تنظيم انتخابات في بضع دوائر فقط)، وسيكون مناط به تشكيل حكومة جديدة وإدارة كل الموارد المحلية، خاصة فيما يتعلق بالقوات العسكرية استخراج وتسويق النفط والغاز. وكميزة إضافية، سيتيح اجراء الانتخابات على مراحل للهيئة الوطنية العليا للانتخابات التركيز على مناطق محددة وآمنة، مما سيقلل فرص التزوير، ويزيد من شفافية العملية.

وفي مقابل إجراء انتخابات حرة ونزيهة، ستحصل المناطق التي ستجري فيها الانتخابات على حصتها الكاملة من الميزانية العامة وعلى المساعدات الدولية، الذي سيقوم البرلمان الجديد بتخصيصها، مما سيمكن تلك المناطق من تقديم الخدمات الحيوية لقانطيها. بينما في ظل الوضع القائم حاليًا، يستولي على الموارد هؤلاء اللذين يملكون القوة والنفوذ، ومن ثم يسخرونها لزعزعة استقرار البلاد. بينما وهكذا يكون النظام المقترح محفزًا للاستقرار والديمقراطية. وبالطبع، من أجل كبح القتال الداخلي بين الفصائل المتحاربة في ليبيا، سيكون تحديد تطبيق معايير “حرة ونزيهة” منوط بإشراف دولي صارم.

وستمثل احتمالية الحصول على ميزانيات كاملة حافزًا لتشجيع الأقاليم على الاندماج في مسار اجراء الانتخابات. سيقوم الناخبين بممارسة الضغوط على المسئولين المحليين، من أجل التأكد من إجراء انتخابات نزيهة، مما سيجعل من الصعب على أي جهة رسمية مقاومة الضغط الشعبي المطالب بتنظيم انتخابات. وحين تبدأ القرى والمدن في الحصول على ميزانياتها المحلية وأيضا المساعدات الدولية، ستهرع الدوائر المجاورة للحاق بالركب، وستضمن الامتثال لمعايير الانتخابات وإجراءها، لتصبح جزءًا من البرلمان الجديد.

التدرج في إجراء الانتخابات على هذا النحو يمكن أيضًا أن يفيد في التصديق على نسخة معدلة من دستور 1963، أو التصديق على مسودة الدستور المطروحة كمرجعية للمرحلة الانتقالية، بما يمنع حدوث فراغ قانوني في البلاد. كما ينبغي تحديث قانون الانتخابات المنتهية صلاحيته، بما يرقى للمعايير الدولية التي تقضي بضمان المساواة بين الناخبين في حق الاقتراع؛ “شخص واحد/ صوت واحد”. ويمكن أن تقوم بهذه المهمة لجنة من الخبراء الدوليين والليبيين تسميها الأمم المتحدة. وبينما يتم تنظيم الانتخابات في مزيد من الدوائر، ويلحق مزيد من الأعضاء بالبرلمان الجديد، ويمكن للأعضاء الجدد المطالبة بالتصويت على الثقة بالحكومة، بما يضمن لهم المشاركة في تحديد المسار المستقبلي للعملية السياسية.

ولكي تكون تلك العملية ناجحة، سيتطلب ذلك أن تقوم الأمم المتحدة بإقرار ومراقبة تطبيق عقوبات محددة على أي طرف يعوق إنفاذ القانون. وسيكون هناك حاجة لكبح جماح القوات المؤيدة للقذافي. كما أنه ينبغي إعلام القوى الإقليمية  بأن ترفع أيديها عن ليبيا وأن تكف عن دعم الجماعات المارقة. وعلى المجتمع الدولي أن يمتنع عن التعامل مع المؤسسات الموازية كما هو الحال عليه الآن. وعليه التعاون مع البرلمان المنتخب والحكومة فقط. وباتخاذ هذه الخطوات المذكورة، مع وباحترام مبادئ الثورة الليبية والحفاظ عليها، سيكون تنظيم انتخابات على هذا النحو أمر ناجح.

وفي النهاية، لكي نتأكد من أن الصوت المسموع هو صوت الشعب، وليس صوت المتطرفين، أو صوت بقايا نظام القذافي، أو صوت طبقة الأقلية الثرية المستمرة حتى اليوم، ستكون هناك حاجة لإقرار حد أقصى للموارد المالية التي يمكن للمرشحين استخدامها في محاولاتهم الفوز في الانتخابات، وأيضا يجب منع هؤلاء اللذين ارتكبوا جرائم مالية أو جرائم أخرى من الترشح. ويعد ذلك تحديدًا أمر هام في ظل نظام اجراء الانتخابات التزايدية، حيث أن المسافات الزمنية بين المراحل تسمح للمجموعات بتنظيم نفسها بشكل يمكنها من التلاعب في عملية التصويت. وينبغي أن يخضع للمحاسبة هؤلاء اللذين لا يلتزمون بالقواعد المذكورة، أو اللذين يحاولون بث عدم الاستقرار عن طريق التلاعب بموارد البلاد وأمنها. تلك المحاسبة يجب ألا تكون من السلطات الليبية فحسب، بل يجب أيضا أن تشمل تبعات وعقوبات دولية.

إن تنظيم الانتخابات بشكل تدريجي سيمنح الشعب الليبي فرصة لاتخاذ خطوة تجاه الديمقراطية الفاعلة واستعادة الأمن، والاستعداد لمزاولة الأعمال مع العالم الخارجي، من خلال عملية مرحلية خاضعة للسيطرة ترقى للمعايير وتكلل بالنجاح.

اشترك في نشرتنا English

عماد الدين المنتصر

ناشط في مجال حقوق الإنسان ومحلل سياسي وكاتب. يرأس المنتصر مؤسسة الديمقراطية وحقوق الانسان، كما أنه عضو مجلس إدارة المجلس الليبي الأمريكي للشئون العامة. ودرس المنتصر الهندسة، كما أتم دراسات عليا في الذكاء الصناعي، ويمتلك العديد من براءات الاختراع الأمريكية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة