كيف اختطفت جبهة النصرة الثورة السورية

كيف اختطفت جبهة النصرة الثورة السورية

منذ أواخر عام 2013 بدأت تشهد المناطق الخارجة عن سيطرة النظام اقتتالاً داخلياً بين فصائل المعارضة في مختلف المناطق والمحافظات؛ تفاوتت هذه المعارك الداخلية تارة بين مناوشات بسيطة، يتم حلها بسرعة ضمن أعراف المجتمع السوري، وبتدخل من وجهاء وعلماء دين؛ وتارة أخرى تحدث معارك استئصال، هدفها القضاء على فصيل مسلح، والسيطرة على مناطقه ومقراته ومخازن السلاح والذخيرة.

يمكن تفسير ظاهرة الاقتتال بين فصائل المعارضة السورية من منظور صراع المصالح، وتناقضها محلياً ودولياً، فكل فصيل لديه مصالح معينة، تدور معظمها حول السيطرة والهيمنة من جانب مجموعة معينة على بقية المجموعات الناشطة في المنطقة، وتحول هذه المصالح لأدوات تتحكم بها القوى الإقليمية والدولية بشكل مباشر لتنفيذ أجندتها على الأرض.

مع بداية تحوُّل الثورة السورية إلى العمل المسلح، كانت كافة الأعمال العسكرية التي تقوم بها المجموعات العسكرية تحت راية ومسمى “الجيش السوري الحر”، إلى أن بدأت تتعدد وتتنوع هذه المجموعات؛ بالإضافة إلى ظهور التنظيمات الإسلامية، لتبدأ مرحلة جديدة من التحزب قائمة على التنافس السياسي والإعلامي، والسعي نحو السيطرة الميدانية، وإدارة ما تم تحريره من أراضي من أجل إثبات اسم الفصيل ووجوده.

بعد خمسة سنوات دارت فيها الكثير من حوادث الاقتتال، كانت أكثرها مصيرية بالنسبة للثورة السورية تلك التي حدثت في الشمال السوري.، وكان من نتيجتها سيطرة جبهة النصرة (والتي أصبحت تعرف فيما بعد بـ جبهة النصرة بعد انفصالها عن تنظيم القاعدة) على حلب وإدلب، كيف حدث هذا الأمر؟

بدأت جبهة النصرة بمختلف تسمياتها اللاحقة بمهاجمة فصائل الجيش السوري الحر، حيث بدأت أول هجوم لها على جبهة ثوار سوريا في أواخر عام 2014، لتتمكن من القضاء على أكثر من عشرة فصائل أخرى بعدها، ومن ثم القضاء على حركة أحرار الشام الإسلامية في يوليو/تموز من هذا العام.

اعتمدت جبهة النصرة في هجومها على فصائل المعارضة على عدة تكتيكات من أهمها:

أولاً نجاح استخدام النصرة للعمليات الاستراتيجية العسكرية ضد قوات النظام وفر لها دعم شعبي على الرغم من تكتيكاتها الوحشية: عرفت جبهة النصرة مدى تعطش الشعب السوري للانتصارات على قوات النظام، أملاً في إنهاء النظام عسكرياً، أو على أقل تقدير تحرير قراهم ومدنهم، وتمكنهم من العودة إليها؛ ولم يلتفت الشعب السوري لسلبيات وجود جبهة النصرة في سوريا. اعتمدت الجبهة في هجومها على قوات النظام على العربات المفخخة التي أثبتت فاعليتها في حسم العديد من المعارك، في وقت أصبحت فيه خطوط دفاع قوات النظام محصنة، ولم تعد تجدي نفعاً أسلحة المعارضة الخفيفة والمتوسطة؛ بالإضافة إلى الاعتماد على الخبرات العسكرية، التي يمتلكها المقاتلين الأجانب في صفوفها، والذين خاضوا مئات المعارك في دول أخرى، مما أكسب النصرة ميزة قيادة المعارك. وجاء فيما بعد تشكيل جيش الفتح، الذي حقق انتصارات كان لها صدى مدوي لدى الشعب السوري، وكان الجولاني حريصاً أن تكون قيادة هذا الجيش بيد جبهة النصرة، مما يترك انطباعاً لدى الشعب أن جبهة النصرة هي التي حققت كل شيء في وقت كانت فيه العديد من الفصائل الأخرى تشارك بمقاتليها وبالعتاد الثقيل والذخيرة الثقيلة التي كانت جبهة النصرة تفتقر لها، حيث كان لهذا السلاح الثقيل والنوعي أثراً يوازي المفخخات في حسم المعارك. وكانت النصرة في كل هجوم لها على فصائل المعارضة تتبعه بعمل عسكري على قوات النظام للتغطية على ما فعلته.

ثانياً الفعالية و المركزية: كان الجولاني أكثر حرصاً على استمرارية مشروعه، وأكثر وعياً من الفصائل الأخرى، وأكثر فاعلية وقدرة على استثمار الظروف لصالحه، وأكثر قدرة وسرعة على اتخاذ القرارات الصعبة؛ وكان يعلم جيداً أنه لا يمكن لمشروع من الاستمرار، والعمل بسرعة و فعالية إلا من خلال مركزية العمل، على الرغم من عدم تماسك النصرة ووجود عدة تيارات داخلها؛ بالإضافة إلى الصراعات الداخلية، إلا أنه استطاع توحيد الخطاب الرسمي، وتمكن من السيطرة على زمام الأمور، وقام بتشكيل ما يسمى جيش النصرة كقوة مركزية ضاربة منتقاة بعناية من المقاتلين الأشداء المدربين، والذين أثبتوا ولائهم للجولاني.

ثالثاً نجاح الخطاب الجهادي في اجتذاب أفضل المقاتلين: منذ بداية تشكيلها، سعت النصرة جاهدة لضم أفضل المقاتلين من صفوف الفصائل الأخرى، وحققت نجاحاً كبيراً، وقد حققت الجبهة نجاحات عسكرية رئيسية بفضل هؤلاء المقاتلين؛ بالإضافة إلى الخطاب السلفي الجهادي الذي لم تتوقف النصرة يوماً عن إقامة معسكرات شرعية لتغذية عناصرها به؛ بالإضافة إلى نشر هذا الخطاب في المجتمع السوري. كان هذا الخطاب بمثابة غسيل للأدمغة باحترافية عالية، لدرجة أن فتوى الأمير الشرعي في النصرة، حتى وإن كانت في قتال فصائل أخرى، لا تحتمل الشك لدى الأنصار والمؤيدين.

رابعاً عدم تنظيم الفصائل الأخرى والتنافس بينها: استغل الجولاني التنظيم الضعيف نسبياً في صفوف المعارضة، وحالة التنافس بين هذه الفصائل، خاصة تلك التي تتشارك السيطرة على منطقة جغرافية ما، حيث كان الجولاني يعقد اتفاقاً مع فصيل لضرب الفصيل الآخر، أو على الأقل تحييد هذا الفصيل في حال قيام الجولاني بالهجوم على الفصيل الآخر، وبعد ذلك يقوم بالهجوم على الفصيل الذي تم تحييده أو الاستعانة به، وينفرد بالسيطرة على المنطقة. كما استغل الجولاني أيضاً وجود ما أسماهم “المفسدين” في صفوف هذه الفصائل، حيث كانت بعض الفصائل تضم في صفوفها عدداً من سيئي السمعة، ولم تكن قادرة على محاسبتهم بسبب عدم تنظيمها، مما أثار نقمة المجتمع المحيط لوجود مثل هؤلاء الفاسدين، وكان الجولاني يبرر العديد من هجماته على فصائل المعارضة بأنها بغرض إلقاء القبض على المفسدين.

خامساً التخطيط الاستراتيجي والدقيق لهجماتها: لم تكن هجمات النصرة على الفصائل الأخرى عبارة عن رد فعل تجاه حدث ما، إنما كانت قائمة على تخطيط عسكري وأمني دقيق لشهور طويلة، تدرس فيها قيادة النصرة ضحيتها عن طريق الجهاز الأمني الخاص بها، بناءً على معلومات دقيقة عن أماكن المقرات ومستودعات السلاح وخطوط الامداد وانتشار الفصيل ومدى القاعدة الشعبية التي يمتلكها، ومحاولة إيجاد ثغرات لدى هذا الفصيل تساعدها في تنفيذ هذه الاستراتيجية. وذلك في الوقت الذي كانت فيه فصائل المعارضة غير قادرة على إدارة معركة دفاع ضد هجوم جبهة النصرة الموجودة والمنتشرة في أغلب المناطق.

سادساً البراجماتية واستخدام الخطاب الثوري: عندما أدرك الشعب السوري خطورة جبهة النصرة، وأنها قد تكون سبباً في إنهاء الثورة، قام الجولاني بفك الارتباط عن تنظيم القاعدة، وأعلن في عدة بيانات له أن لا مشكلة لديه في الاندماج مع فصائل الثورة في كيان عسكري وسياسي واحد، مستخدماً المصطلحات الثورية والوطنية التي كانت غائبة، أو حتى كان محرم استخدامها، وكانت تهمة للردة.

سابعاً الاعلام المميز والاستخدام المحترف لوسائل التواصل الاجتماعي، وتكوين جيش الكتروني من أجل توصيل رسائلها وانتصاراتها العسكرية: أدركت جبهة النصرة جيداً تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الثورة السورية للوصول إلى الجماهير، بهدف ضخ الخطاب الجهادي وايصاله للشعب السوري، وإلى المهتمين بالثورة السورية من خارج سوريا، حيث أصبحت هذه الوسائل متاحة بيد الجميع ومصدراً للأخبار المحلية، في وقت لا يعلم فيه الناس ما يحدث في المناطق المجاورة إلا من خلال ما يتم نشره على وسائل التواصل الاجتماعي. تمتلك جبهة النصرة جيشاً الكترونياً من المغردين على تويتر وفيسبوك لديه القدرة على إيصال المعلومة التي تريد الجبهة ايصالها، بالإضافة إلى نشر الشائعات والتعتيم على حقائق حدثت فعلاً، ونشر إنجازات النصرة التي يتم تصويرها، وانتاجها بأحدث التقنيات.

أما فيما يتعلق بتعاطي جبهة النصرة مع حركة أحرار الشام، فقد اتبع الجولاني تكتيكات جديدة للقضاء على الحركة من خلال العمل الدؤوب على استجرار قيادات الحركة من الصف الأول والثاني مستغلاً التقارب الفكري الموجود بينهما؛ بالإضافة إلى استخدامه لسياسة تحييد مناطق معينة عن القتال، حيث كان الجولاني يرسل وجهاءً للضغط باتجاه توقيع اتفاقية تحييد القتال في المنطقة، وكان ينتقي هذه المناطق التي تكون الغلبة فيها بالسيطرة والعدد لحركة أحرار الشام، وبعد أن ينتهي من قتال الأحرار في المناطق المهمة يعود ليخرق هذه الاتفاقات، ويسيطر على المناطق التي تم فيها توقيع مثل هذه الاتفاقات.

لقد كان الجولاني على درجة عالية من الدهاء والخبث لتحقيق طموحاته في السيطرة على ثورة الشعب السوري، وتحويلها إلى مشروع للقاعدة، وفرض سياسة الأمر الواقع على الدول مستغلاً كل فرصة متاحة محلياً ودولياً.

اشترك في نشرتنا English

عبد الله الموسى

باحث في الشأن السوري ومحلل عسكري، لديه أربع سنوات من الخبرة عمل فيها مسؤولا ميدانياً لدى منظمات دولية. يعمل حاليا مدير قسم مؤشر الرأي في منظمة هوز (Hooz).

شاهد أيضاً

تركيا: إدارة التوترات وخيارات للتعاطي

يستكشف هذا التقرير أيضا الأسباب الجذرية للتوترات الأمريكية التركية، ويقدم عدداً من خيارات السياسة للمساعدة في إدارة العلاقات بين الطرفين.

دير الزور: خط التماس القاتل

مع احتدام السباق نحو مدينة دير الزور شرق سوريا، تحاول قوات النظام السوري والقوات الرديفة لها والمدعومة من روسياً، السيطرة على المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، وذلك عبر التقدم في المنطقة شمال نهر الفرات

مصير إدلب يحدده الصراع بين هيئة تحرير الشام وروسيا

في أواخر شهر سبتمبر/أيلول، قصفت الطائرات الروسية مدينة حارم لأول مرة منذ بداية الثورة عام 2011، لم تسلم قرية أو مدينة في غرب إدلب من قصف الطيران الروسي هذه المرة، فقد شملت الغارات الجوية مدن حارم وإدلب وجسر الشغور وخان شيخون وبلدات جبل الزاوية.