شهادات مرّوعة عن التعذيب من مسلخ سوريا البشري سجن صيدنايا

على بعد 30 كم شمال العاصمة السورية دمشق، وعلى تل مرتفع بعيد نسبياً عن المراكز العمرانية يقع سجن صيدنايا، الذي وصفه مسجون سابق اسمه عمر الشغرة، بأنه المكان الذي تُنقل إليه حتى تموت، حيث يفقد هناك شهرياً (بحسب منظمة العفو الدولية) مالا يقل عن 300 سجين من معارضي نظام الأسد حياتهم بسبب التعذيب.

وعلى الرغم من التعتيم الإعلامي الكبير وعدم السماح للمنظمات الحقوقية بالوصول إلى السجون السورية، إلا أنه بين الحين والآخر تتسرب قصص يرويها معتقلون ناجون، يتحدثون فيها عن مشاهداتهم، وعن حال بقية المعتقلين الذين ما يزالون مغيبين.

في هذا التقرير نعرض شهادة لشاب يدعى عمران الخطيب من ريف دمشق اعتقل في عام 2012 بتهمة التظاهر ضد نظام الأسد، وانتقل بين عدة أفرع للمخابرات السورية، لينتهي به المطاف أخيراً في سجن صيدنايا مدة ثمانية أشهر، قبل أن يخرج بعد دفع عائلته مبلغاً مالياً كبيراً ويصل إلى تركيا.

يصف عمران سجن صيدنايا بأنه “مكانُ تغيبُ فيه كل حقوق البشر أو حتى المخلوقات الأدنى مرتبة منه”، مكانُ يتمنى فيه المسجون بكل لحظة انقضاء أجله ليتخلص من الإذلال والتعذيب، حيث يكون الموت هناك عادة يومية، ويكون البشر مجرد أرقام يعدها السجانون فقط، وينقصونها متى أرادو دون أي حساب.

وصل عمران وفق شهادته إلى صيدنايا في الرابع من شهر أكتوبر/تشرين الأول 2012 مع مجموعة أخرى من المعتقلين، حيث استقبلهم السجانون بحفلة من التعذيب عبر ضربهم بالهراوات والقضبان المطاطية نحو ساعة كاملة، يترافق ذلك مع كم هائل من الشتائم والإهانات.

يحاول عمران أن يوصل صورة التعذيب هناك فيقول:” كان معي عجائز وأطفال لم يتجاوزوا الثامنة عشر، حشرنا جميعنا في زاوية واحدة، اجتمع علينا أكثر من عشرة سجانين يتناوبون على ضربنا بالعصي والأسلاك المعدنية، كنا نحاول أن نحمي أنفسنا بوضع رؤوسنا في مؤخرة من هو أمامنا وكانت رائحة الدماء تملأ المكان.”

خضع عمران وفق قوله للمحاكمة في سجن صيدنايا بعد شهر من وصوله استغرقت محاكمتي دقيقة ونصف، تضمنت سؤالي عن اسمي والجرم الذي اعترفت بارتكابه تحت التعذيب، ليطلب مني الكاتب بعدها التوقيع على إفادتي. دقيقة ونصف كانت كافية ليصدر الحكم عليّ بالسجن المؤبد. هو حكم مخفف، فالقاضي لا يعرف إلا حكمان هنا، إما المؤبد أو الإعدام.”

أما عن تفاصيل يومه والنظام المتبع داخل السجن فيقول عمران: “داخل كل مهجع 20-25 سجين، لم يكن مسموحاً لهم أن يتكلموا إلا همساً، وكان عليهم أن يتخذوا وضعيات محددة لدى دخول الحراس إلى زنزاناتهم، لم يكن لنا مسموحا أن ننظر في وجه السجّان، ومن أخطأ وفعل ذلك نال جزاءه بالإعدام فورا بمكانه. أما الحمام فكان مشتركاً لجميع المهاجع الأخرى، يقود السجّانون المعتقلين على شكل خط واحد، ويزحفون الى الحمام في آخر الجناح مع الضرب والركل. كل 3 شهور حمام واحد بماء بارد والمدة فقط عشر ثواني لإنهاء الحمام”.

ويضيف: “كانت الأمراض منتشرة ولكن لا أحد يجرؤ على طلب العلاج، فالمعتقل الذي يذهب للمشفى العسكري لا يعود أبداً. كنا نحصل على وجبة طعام واحدة تتكرر كل يوم نفسها وهي البرغل واللبن، أما طريقة توزيعها فيتعلّق الأمر بمزاج السجان، كان يضعها على الأرض أحيانا ثم يعطي أمر “باشر طعام”، وأحيانا كان يرميها في وجهنا لنقوم نحن بالتقاطها من زوايا الغرفة”.

يروي عمران تفاصيل أكثر مأساوية تحدث في هذا السجن المظلم تتعلق بأنواع مختلفة من انتهاك حقوق الانسان مثل الاغتصاب، والقتل العشوائي، والتعذيب الممنهج. ووفق قوله كانت عمليات الإعدام “تجري بوتيرة مستمرة يومي الإثنين والخميس لكل من صدر الحكم بحقه من قبل المحكمة العسكرية”.

ويضيف عمران في شهادته بعض القصص التي كان حاضراً على حدوثها أثناء تواجده “كان يدخل علينا بين الحين والآخر بعض السجّانين يستمتعون بتعذيبنا أو السخرية منا، طلب أحدهم مرةً من سجين قوي البنية اغتصاب شاب نحيل أمامنا ثم أمرهم بعدها بالاستلقاء على الأرض، وقام بضربهم حتى الموت وهو في حال السكر الشديد”.

وبحسب عمران كانت المهاجع يوميا تمتلئ بسجناء جدد، وعندما تزايد الأعداد ترتفع وتيرة التعذيب للتخلص من بعضهم حيث “كان السجان يأتي يوميا ويسأل هل عندكم فطيسة (يقصد ميت)، كان البعض يموت بسبب المرض أو كثرة التعذيب، أو حتى قلة الطعام والشراب، ولا يتسنى لأحد من أهله أن يعرف ما حل به، هل هو على قيد الحياة أم في عداد الموتى.”

خرج عمران البالغ من العمر 28 عاما بعد عشرة أشهر قضاها في سجن صيدنايا إثر تواصل أهله مع أحد ضباط نظام الأسد، ودفعهم رشوة مالية بلغت عشرة آلاف دولار. كان يزن حين خروجه 32 كغ فقط، ولم يتعرف إليه أحد من أهله، خضع بعدها لعلاج صحي ونفسي مطول بعد لجوئه إلى تركيا.

يؤكد عمران في ختام حديثه أنّ ما يحدث في سجن صيدنايا يؤكد أنه “لا نظام يحكم في سوريا بل هي مجموعة من العصابات الخارجة عن كل القوانين البشرية”، وتساءل في الوقت ذاته “إذا كان الجميع يتحدث عن هذا السوء، فلماذا يستمر العالم بالسكوت عن جرائم هذا النظام أليس هذا مشاركة في الجريمة؟”

وفي شهادة أخرى نقلها موقع “عرب 48″عن السجين السابق دياب سرية أثناء الإدلاء بشهادته عن فترة احتجازه في سجن صيدنايا، تحدث الشاب عن قطع إدارة السجن في أحد المرات للماء عن سجناء المنفردة لمدة استمرت أربع أيام، ووصف السجين بكلمات تقشعر لها الأبدان حالة الهلوسة وتخيّل الماء التي أصابت المعتقلين، حيث كان السجّانون يتلاعبون بأعصابهم بضخ كمية قليلة من الماء في البواري كي تحدث صوت قرقعة تجعل السجناء يتهافتون على الماء مثل الكلاب، بحسب وصف السجّان. الشاب ذكر في شهادته أنه فكر مع سجناء منفردته بشكل جدي أن يشربوا ماء جورة الحمام المليئة بالفضلات لشدة عطشهم ولموت أحد السجناء من العطش.

يشار إلى أن منظمة العفو الدولية أصدرت في 7 فبراير/شباط 2017 تقريراً اتهمت فيه النظام السوري بتنفيذ إعدامات جماعية سرية شنقاً بحق 13 ألف معتقل، غالبيتهم من المدنيين المعارضين، في سجن صيدنايا قرب دمشق خلال 5 سنوات من النزاع في سوريا.

وقالت المنظمة الحقوقية في تقريرها، وعنوانه “مسلخ بشري: شنق جماعي وإبادة في سجن صيدنايا”، إنه “بين 2011 و2015، كل أسبوع، وغالباً مرتين أسبوعياً، كان يتم اقتياد مجموعات تصل أحياناً إلى خمسين شخصاً إلى خارج زنزاناتهم في السجن وشنقهم حتى الموت”، مشيرة إلى أنه خلال هذه السنوات الخمس “شُنق في صيدنايا سراً 13 ألف شخص، غالبيتهم من المدنيين الذين يعتقد أنهم معارضون للحكومة”.

ختاماً تجدر الإشارة إلى أن أساليب التعذيب في سوريا لا تقتصر على هذا السجن، إنما هي سياسة ممنهجة بدأت منذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970 واستمرت بعد أن جاء ابنه بشار للحكم.

اشترك في نشرتنا Read in English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

العلاقة المتصدعة بين الطائفة العلوية ونظام الأسد

العزلة التي فرضها العلويين على أنفسهم ودعمهم القوي للنظام ضمن لهم أمنهم، إلا أنه وضع الطائفة تحت تهديد. أتى ولائهم للأسد بثمن كبير، حيث أصبحوا هدفاً لانتهاكات حقوق الانسان نظراً لصلاتهم بالنظام.

خريطة المليشيات المسلحة في طرابلس

ظهرت المجموعات المسلحة في كل ركن في البلاد، ولكن يمكن ملاحظة هذا الانتشار والتعقيد لهذه المجموعات المسلحة في العاصمة طرابلس والمناطق المحيطة بها.

ما وراء الأمن: تحديات تواجهها الدولة العراقية

نشر المجلس الاطلنطي تقريره عن أهم التحديات التي تواجهها الدولة العراقية. في هذا التقرير يتناول د. حارث حسن، كاتب التقرير، التحديات الاجتماعية-الاقتصادية وقضايا إدارة الدولة في عراق اليوم.