الانتخابات البلدية في تونس: الآمال والتحديات

الانتخابات البلدية في تونس: الآمال والتحديات

اشترك في نشرتنا

في السادس من مايو/أيار، سيذهب التونسيون إلى الاقتراع للتصويت في أول انتخابات بلدية في البلاد. تعتبر هذه الانتخابات أحد المعالم الهامة في عملية التحول الديمقراطي وعملية اللامركزية في البلاد، والتي تهدف إلى جَسر الفجوة بين الحكومة المركزية في العاصمة والشعب التونسي.

منذ تمرير الدستور التونسي في عام 2014، تم تأجيل انتخابات البلدية أربع مرات، مما أثار مخاوف فيما يتعلق بالتقدم في تطبيق اللامركزية. ومن ثم فإن التصويت يوم الأحد القادم، هو لحظة هامة بالنسبة للشعب التونسي. بالرغم من التشكيك فيما يتعلق بأداء المجالس البلدية وفاعليتها، إلا أن الانتخابات تعتبر خطوة واعدة.

كانت عملية الانتقال للانتخابات البلدية بطيئة في خلال الأربع السنوات الماضية في تونس. دعا دستور 2014 إلى حكومة لامركزية تمنح المزيد من السلطة للمحليات. كما أنه قدم تصوراً للحكومة المركزية التي تمنح مسؤوليات وموارد معينة على مستوى المحليات. نص الدستور أيضا على أن “تعتمد الجماعات المحلية آليات الديمقراطية التشاركية ومبادئ الحوكمة المفتوحة” من أجل ضمان مشاركة أوسع من جانب التونسيين. لم يتم تبني قانون للانتخابات البلدية حتى عام 2017، مما اثار تساؤلات فيما يتعلق بالإرادة السياسية للنخبة السياسية التونسية للمضي قدماً في هذه العملية. بالرغم من التأخير، إلا أن القانون حظى بثناء كبير بسبب تأكيده على مشاركة النساء والشباب والمعاقين في قوائم الانتخابات.

منذ تمرير قانون 2017، كان العائق الأكبر يتمثل في تبني قانون حول السلطات المحلية، والذي تعثر في البرلمان. بينما يضع الدستور الخطوط العريضة لعملية اللامركزية، فإنه لم يقدم إطار عمل قانوني محدد للامركزية أو آليات للتنسيق بين الحكومة المركزية والبلديات. كما أن قانون 1975 والذي كان يحكم بلديات تونس الموجودة في السابق لم يمنحهم أي استقلال إداري أو مالي. بناء على ذلك، فإن القانون الجديد حول السلطات لمحلية كان ضروريا لتعريف الدور الذي تلعبه هيئات الحكم المحلي في النظام التونسي السياسي.

في الأسبوع الجاري، قبل أيام من التصويت وعقب شهور من النقاش، أخيرا تبنى البرلمان قانون السلطات المحلية، والذي يحدد مسؤوليات السلطات المحلية. ستكون البلديات مسؤولة عن خلق وإدارة الخدمات البلدية العامة، بما في ذلك المواصلات، والمدارس، والمستشفيات. على المدى الطويل، فإن الهدف هو تحقيق الاستقلال المالي للبلديات. عقب تبني القانون، وصفه رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد بأنه “خطوة أخرى في العملية الديمقراطية التونسية.”

إن ملامح الساحة السياسية في تونس قبل الانتخابات بالتأكيد تعكس المسار الديمقراطي في البلاد. أكثر من 50 ألف مرشح سجلوا أنفسهم للتنافس على 7200 مقعد في دوائر البلاد الانتخابية، والتي يصل عددها إلى 350 دائرة. الجدير بالذكر أن نسبة 52% من المرشحين ينتمون للفئة العمرية ما بين 18 إلى 35، كما تشكل المشاركة النسائية ما يزيد عن 47% من المرشحين. ما يقرب من 50% من قوائم الأحزاب هي قوائم مستقلة، ما يعكس عدم الرضا، خاصة بين الشباب، عن النخبة السياسية التونسية والأحزاب السياسية الموجودة.

بالرغم من التطورات الإيجابية الأخيرة، إلا أن هناك تحديات عدة قبل التصويت وأمام المجالس البلدية في التحرك قدماً.

إن القلق الأكبر قبل الانتخابات يوم الأحد هو قضية الإقبال. يأمل المسؤولون عن الانتخابات أن يروا إقبالاً يصل إلى نسبة 60% ، لكن الاستطلاعات تشير إلى نسبة مشاركة تقترب من 30%. بالنسبة لنسبة الإقبال بين رجال الجيش والشرطة، والذين صوتوا في 29 أبريل/نيسان، وهي المرة الأولى التي يتمكنوا فيها من التصويت منذ استقلال تونس، لم تتعد نسبة الـ 12%. يشير استطلاع رأي أجراه المعهد الجمهوري الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني إلى أن نسبة 33% من العينة التي تم استطلاع رأيها لن تشارك في التصويت، بالرغم من أن العدد قد قل عن نسبة الـ 41% التي كانت في أغسطس/آب. وأكد الاستطلاع أن “انعدام أمل” يشكل العقبة الأكبر أمام مشاركة الشباب في الاقتراع.

إن الإقبال القوي أمر هام بالنسبة للائتلاف الحاكم في تونس، حيث أنه يسعى إلى المضي قدما في عملية اللامركزية وتنمية الإحساس بالثقة في العملية الانتخابية التونسية قبل الانتخابات البرلمانية والرئاسية في عام 2019. إلا أن حزبي نداء تونس والنهضة، وهما الحزبان اللذان يحظيان بأغلبية المقاعد في البرلمان، يواجهن تدهور في شعبيتهما. ستكون لنتائج الانتخابات أهمية خاصة كمؤشر على الرأي العام بالنسبة للشاهد وحزبه العلماني، حزب نداء تونس. حيث اندلعت احتجاجات واسعة في يناير/كانون الثاني هذا العام بسبب الإحباط من الأوضاع الاقتصادية في البلاد واستمرار معدلات البطالة المرتفعة.

من المهم أيضا أن تستمر الحكومة المركزية في الانخراط مع المواطنين التونسيين حول التأثير العملي للانتخابات. يشير استطلاع المعهد الجمهوري الدولي إلى نسبة 40% من المشاركين والذين قالوا بأنهم يؤمنون بأن التصويت في الانتخابات المحلية سيمكنهم من أن يكون لهم الكلمة في إدارة الحكومة، و68% قالوا بأن المواطنين العاديين الذين يبذلون جهداٍ يمكنهم التأثير على الحكومة. إلا أن 10% من المشاركين قالوا بأنهم على دراية كاملة بعملية اللامركزية، و69% قالوا بأن ليس لديهم معلومات حول عملية اللامركزية. بمجرد أن تبدأ تونس في عملية اللامركزية، فإن الحكومة عليها مسئولية تعريف المواطنين بشأن تأثير هذه التغيرات على شكل الحكم.

أخيراً، فإن الطريقة التي ستقوم الهيئات البلدية المنتخبة بأداء مسؤولياتها والانخراط والعمل على تلبية احتياجات المواطنين التونسيين ستكون شديدة الأهمية. حيث أن قانون السلطات البلدية وحده لا يكفي لتأمين المضي قدما في تنفيذ عملية اللامركزية بشكل شفاف وعادل. بعد سنوات من التهميش، يتطلع المواطنون الذين يعيشون في المناطق النائية في البلاد لرؤية ما إذا كانت الانتخابات ستقود إلى تغيرات ملموسة وتمثيل أفضل. في ذات الوقت، فإن الفساد، وهو صفة قديمة للسياسة التونسية، يهدد عملية اللامركزية. دشن الشاهد حملة لمكافحة الفساد في العام المنصرم، والتي استهدفت مسؤولين حكوميين تونسيين على مستوى عال ورجال أعمال. تحتاج الحكومة المركزية للنظر في كيفية توسيع حملة مكافحة الفساد على المستوى المحلي للتأكد من أن السلطات البلدية تخضع للمساءلة أمام ناخبيها.

تشكل هذه الانتخابات لحظة هامة بالنسبة للمشاركة السياسية والتمثيل في تاريخ تونس ما بعد الثورة. بعد التصويت، فإن المجالس البلدية الجديدة ستواجه مسؤولية كبرى كونهم المسؤولين المحليين الذين يشاركون لأول مرة في خطة اللامركزية على أرض الواقع. على الحكومة المركزية التونسية أن تستمر في دعم هذه العملية، والتأكد من ان البلديات قادرة على تحقيق مهامها وفقاً لقانون السلطات البلدية. هذا الدعم يعد هام لتحقيق وعود الثورة والدستور التونسي.

اشترك في نشرتنا English

إليسا ميلر

باحث غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

العراق: إعادة إنتاج مقتدى الصدر

تشير النتائج المبكرة إلى نجاح مفاجئ للصدر، وهو بالتأكيد إثبات وجود له، لكنه تحد يواجه النخبة السياسية العراقية، والتي كانت مرتبكة في طريقة التعامل معه. وهو أيضا تحد للحكم في العراق للمضي قدماً عقب الانتخابات نحو المرحلة التالية، في تشكيل الحكومة.

سجن عفرين الأسود

سجن راجو هو سجن سيء السمعة بحسب شهادة من تم اعتقالهم فيه. في هذا السجن لا تشاهد إلا السواد، يقول رسلان "في سجن راجو لم أستطع رؤية يديي في السجن الانفرادي، ولهذا تمت تسمية السجن بلقب السجن الأسود

د. نصر الحريري: إرادة الشعب السوري لن تقبل بما يُرسم لها خارجيًا

يمر الصراع السوري بلحظة فارقة مع اقتراب الهزيمة العسكرية لتنظيم داعش، وتصاعد الحديث عن الحل الواقعي في سوريا. يتزامن كل هذا مع إجراءات تتخذها الإدارة الأمريكية للانسحاب من الصراع السوري. في هذا السياق عقدت مدونة مصدر سوريا مقابلة مع الدكتور نصر الحريري، رئيس هيئة التفاوض السورية، للوقوف على أخر تطورات ملف المفاوضات السياسية ومستقبل العملية التفاوضية.