نصر باهت للمظاهرات في الأردن

نصر باهت للمظاهرات في الأردن

اشترك في نشرتنا

بعد ثمانية أيام فقط من اندلاع المظاهرات في المملكة الأردنية الهاشمية ضد قانون الضرائب غير المرغوب فيه، أطلق الأردنيون الألعاب النارية احتفالاً بقرار الحكومة في السابع من يونيو/حزيران بسحب مشروع القانون. وقام رئيس الوزراء هاني الملقي، وهو أحد أشد الداعمين لخطة التقشف، بتقديم استقالته في الرابع من يونيو/حزيران عقب مطالبة المتظاهرين برحيله. “وانتصرت الإرادة الشعبية” أعلنتها لافتة في أحد مسيرات الاحتفال بالنصر عقب قرار رئيس الوزراء الجديد عمر الرزاز بوقف الإجراءات محل الجدل. ولكن مع استمرار معاناة الأردن من مشاكل اقتصادية عميقة وقليل من الاشارات لتحرير الاقتصاد، هناك العديد في عمان يتساءلون ما إذا كانت هذه المظاهرات قد حققت نصراً كبيراً؟

في حين طالب المتظاهرون بإزاحة الملقي، هذه الخطوة في حد ذاتها تدعو للثقة. الرزاز هو رئيس الوزراء الأردني السابع منذ عام 2011، “رؤساء الوزراء دائما ما يكونوا كبش الفداء” كما تقول رنا صباغ، رئيسة التحرير السابقة لجريدة Jordan Times. “لعبة الكراسي الموسيقية لم تعد جدي.” من الكافي القول بأن الملك عبد الله، والذي يمتلك سلطات كبيرة في الأردن، يحتفظ بسلطاته إلى ما لا نهاية دون أن يكون مسئولاً عن أياً من المشاكل المالية في البلاد.

عندما آتى الملقي إلى السلطة في عام 2016، كان الدين قد قفز إلى حوالي 90% من الناتج المحلي الإجمالي الأردني، مما يعني مضاعفة ديون عمان في أقل من خمس سنوات. أوضح دبلوماسي أوروبي بارز في عمان، في مقابلة، أنه تسلم تحذيرات من وزراء أردنيين بأن “الأمور قد تخرج عن السيطرة” بسبب الإجراءات التقشفية التي يدعمها صندوق النقد الدولي. وعلى الرغم من ذلك، قام الملقي برفع الدعم وزيادة الضرائب حتى يمنع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من الزيادة بنسبة 5% سنوياً. يقول كيرك سويل Kirk Sowell، محلل مخاطر سياسية مقيم في عمان، إن إجراءات المالكي كانت ضرورية من أجل منع الأردن من الإفلاس.

 إن إزاحة الملقي السريعة، عقب المظاهرات الشعبية، سوف تجعل من الصعب على خليفته القيام بالإصلاحات الاقتصادية البنيوية من أجل تقليل الدين الأردني الذي وصل إلى ما يقرب من 40 مليار دولار، كما يقول سويل Sowell. من أجل تقليل الدين المتزايد، من المحتمل أن يُجبَر الرزاز على زيادة العوائد من خلال توسيع القاعدة الضريبية ورفع الدعم وتقليل التعيينات في الحكومة، الأمر الذي سيؤثر على حياة الأردنيين ويقود إلى عدم رضاء كبير.

على الرغم من أن المتظاهرين في الشارع فرحوا بسحب مشروع قانون الضرائب، إلا أن هذا القانون لم يكن ليكون له تأثير كبير على حياة الأردنيين العاديين. مع وجود حوالي 4% فقط من الأردنيين يدفعون ضرائب دخل. فإن الميزانية القائمة غير قابلة للاستمرار. مشروع قانون الضرائب كان يمكن أن يُخفض قيمة الدخل الذي يتم فرض ضريبة عليه، وذلك بالنسبة للعائلات الذين يصل دخلهم إلى 22520 دولار سنوياً في حين كانت ستظل قيمة الدخول التي من المتوقع أن يتم فرض ضرائب عليها ثلاثة أضعاف متوسط الدخل في الأردن. قانون الملقي، والذي كان هاماً للغاية في رفع العوائد، أعفي الطبقة العاملة.

يشعر العديد في عمان بالدهشة من التقدم الضئيل الذي حدث في مواجهة المشاكل المالية. تتساءل رنا صباغ “نريد حقاً أن نعرف كيف لدولة مثل الأردن أن ينتهى به الحال بدين ضخم – حوالي 96% من الناتج المحلي الإجمالي – على مدار تلك السنوات عندما بدأنا إصلاحات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في عام 1989.”

يمكن أن يحاول الرزاز خفض واحد من أكبر النفقات الحكومية: التوظيف الحكومي. أكثر من ثلث الأردنيين يعملون في البيروقراطية الحكومية المتضخمة. ولكن في مواجهة معدل البطالة الذي وصل لـ 18% – وهو المعدل الأعلى خلال 25 عاماً – فإن هذه السياسة يمكن أن تتسبب في مزيد من المظاهرات الشعبية. إن أيد الرزاز مغلولة في ظل عدم وجود هامش حركة متاح لحل الكابوس الاقتصادي.

يواجه الأردنيون، بصورة كبيرة، نفس المشاكل الاقتصادية مع رئيس الوزراء الجديد. أسعار الخبز ما تزال مضاعفة مع احتمالية عدم استمرار الدعم. تظل عمان من أكثر المدن غلاءً طبقاً لجريدة الإيكونيميست Economist. لم يقم الرزاز بإلغاء الضرائب على المبيعات التي تم فرضها في فبراير على حوالي 164 سلعة.  

أحبطت حكومة الرزاز أيضا الأردنيين الذين طالبوا بالإصلاح السياسي. في حين كان يأمل العديد في رؤى جديدة، فإن حكومته ضمت 23 عضو من الذين خدموا كوزراء في السابق، من ضمنهم 15 عضواً خدموا في حكومة الملقي. عبّر الناشط الأردني محمد شمه عن خيبة الأمل في عودة وزير الداخلية سمير المبيضين، والذي استخدم سلطته في قمع المجتمع المدني.  

لم يتم انتخاب الرزاز لشغل هذه الوظيفة. المسئول البارز السابق في البنك الدولي لم يتم تكليفه شعبياً من أجل أن يشغل منصب رئيس الوزراء على الرغم من أن المنصب له تأثير كبير على اقتصاد الدولة. يقول شون يوم Sean Yom أستاذ العلوم السياسية في جامعة تمبل Temple University “إن الهواجس الأساسية لكل حركات المظاهرات المختلفة كانت عدم الرضاء بالطبيعة السلطوية لعملية صنع السياسة ونقص المشاركة الشعبية في العملية السياسية. مضيفاً “أن أياً من هذه الهواجس لم يتم معالجتها بصورة جذرية.”

باعتبار أن الرزاز خدم في حكومة الملقي، نفذ صبر الأردنيون مع النظام السياسي. يقول عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية في عمان “على مدار العشرين عاماً الماضية، نقوم بتدوير نفس النخبة واتباع نفس المسار وتوقع أننا سوف نحصل على نتائج مختلفة”. من أجل منع مزيد من سوء الإدارة المالية، طالب الرنتاوي بوجود برلمان أقوى والذي يمكن أن يعمل كمراقب ويحاسب الحكومة من أجل منع الأخطاء المستقبلية.

إلا أن إصلاحاً جذرياً هو ضروري من أجل تحقيق الشفافية في مواجهة هذه المعضلات. يتطلب خلق برلمان أكثر شمولاً تغيير قانون الانتخابات، هذا القانون المصمم بصورة مؤسسية من أجل تفضيل الأفراد من قبائل الضفة الغربية على حساب الأردنيين من أصول فلسطينية. هناك حديث مستمر حول إصلاح قانون الانتخابات من أجل جعله تشريعاً أكثر ديمقراطية، ولكن سويلSowell  يقول “أنه قانون مراوغ، ودائما هي نفس النتائج”، حيث يعضد من وضعية البرلمان الضعيفة والذي لا يقدم تمثيل متناسب. إن الانقلاب على هذا النظام من الممكن أن يثير غضب القاعدة العشبية للملك عبد الله، ويضيف مزيد من الغموض خلال فترة هي بالفعل تمثل تحدياً.

في أثناء قمة مكة في الحادي عشر من شهر يونية/حزيران، تعهدت دول الخليج بتقديم مبلغ 2.5 كمساعدات، هذا الأمر أُعتبر نصر للمتظاهرين. على الرغم من ذلك، إن حزمة المساعدات الحالية تمثل نصف ما قدمته دول الخليج للملك عبد الله في عام 2011 على الرغم من أن ديون عمان قد تضاعفت. كما أن هذه الحزمة تمثل جزء صغير مقارنة بالمساعدات السعودية لمصر البالغة 25 مليار دولار، والتي قد ساهمت في دفع الاقتصاد المصري بعد انتفاضات 2011. تتضمن حزمة المساعدات قروض من البنك الدولي وإيداع في البنك المركزي الأردني. يقول جواد العناني، رئيس الديوان الملكي السابق، إن دعم الميزانية المباشر سوف يكون فقط حوالي 200 مليون دولار سنوياً، وهو مبلغ صغير بالنظر إلى الدين الأردني المتزايد والذي يقترب من 40 مليار دولار.

المتظاهرون الأردنيون ألهموا الدولة، حيث قاموا بتنظيف الشوارع بعد المظاهرات وقاموا بالتدخين الجماعي مع قوات الأمن. ولكن بعد رحيل الملقي، ما تزال عمان تواجه كابوس ارتفاع الدين وارتفاع معدل البطالة وعدم القدرة على تحمل تكاليف المعيشة والمؤسسات السياسية الضعيفة. تضمن حكومة الرزاز مرحلة شهر عسل، إلا أن استمرار المشاكل الاقتصادية بدون أي افق سياسي يجعل من غير المحتمل أن تنتهي الموجة القادمة من المظاهرات نفس النهاية السلمية والمنظمة.

اشترك في نشرتنا English

آرون ماجد

صحفي سابق كان مقيم في الأردن، نشر مقالاته في مجلة الشئون الخارجية Foreign Affairs والمنيتور Al-Monitor ومعهد الشرق الأوسط Middle East Institute.

شاهد أيضاً

نحو الحل الواقعي: الولايات المتحدة تتخلى عن أصدقائها في سوريا

خلال شهر يوليو/تموز الماضي سيطرت قوات النظام السوري وحليفتها الروسية على كامل محافظة درعا جنوب سوريا (مهد الثورة السورية). يأتي ذلك رغم تحذير الولايات المتحدة الأمريكية للنظام وحلفائه من انتهاك اتفاق خفض التصعيد الذي تم الاتفاق عليه بين الرئيسين دونالد ترامب و"فلاديمير بوتين في فيتنام.

كارثة إنسانية في الأفق: النظام يستعد لمعركة إدلب

يتواتر الحديث في الآونة الأخيرة عن معركة إدلب، التي ينتظر النظام السوري ويتطلع لبدئها، بهدف بسط سيطرته على هذه المحافظة، التي أصبحت الملاذ الأخير لكل معارضي الأسد من مختلف التوجهات.

مقابر جماعية في الرقة

منذ أن تم اكتشافها في أبريل/نيسان 2018، ظهرت المزيد من التقارير عن المقابر الجماعية في الرقة، هذه التقارير تلقي الضوء على التحديات المرتبطة بتجميع الجثث والتعرف على هوية الأفراد المفقودين. هذا تحليل مع شهود عيان من الذين عادوا للرقة مرة أخرى.