توازنات حزب الله بين سوريا ولبنان

أُسس حزب الله اللبناني على عقيدة مقاومة إسرائيل، إلا أنه بدءاً من 2012 على الأقل، حارب في سوريا بالوكالة عن إيران، لتأمين استمرار نظام الأسد، ومن ثم الاحتفاظ بممره البري لطهران. بالرغم من نجاحه، مع إيران وروسيا، في تثبيت نظام الأسد، إلا أنه تكبد الكثير من الخسائر. تظهر دراسة حول هذه الخسائر رؤية معمقة لاستراتيجية طهران واعتباراتها التكتيكية لقيادة حزب الله، والذي قدر له أن يكون له تأثير هام في ديناميكية الأمن الإقليمي.

وفقا لاستطلاع رأي منشور باللغة العربية عن تغطية الجنائز في لبنان، فإن قتلى حزب الله في معارك سوريا بلغ 1048 منذ 30 سبتمبر/أيلول 2012 وحتى 10 إبريل/نيسان 2017، أو بالتقريب نصف وفيات الشيعة في المعارك.  إلا أن هذا العدد يجب التعامل معه بوصفه الحد الأدنى، حيث أن قيادة حزب الله لديها أكثر من سبب للتقليل من حجم الخسائر، فإعطاء معلومات كاملة عن أعداد القتلى سوف يزيد من المقاومة المحلية (اللبنانية) ضد انخراط حزب الله في الصراع السوري، وسيظهر المزيد من المعلومات عن قواته لخصومه.

شكل (1) يوضح عدد القتلى من الشيعة الأفغان والإيرانيين واللبنانيين والباكستانيين والعراقيين في سوريا (يناير/كانون الثاني 2012-أبريل/نيسان 2017).

من بين مقاتلي حزب الله هؤلاء، تم تحديد حوالي 60 ينتمون إلى “القائد الشهيد” أو “القائد الميداني” وهو ما يميزهم عن باقي الرتب والأفراد داخل الحزب.

يتحرى حزب الله السرية البالغة حول الأماكن الذي قتل فيها مقاتليه: من بين الـ 1048 قتيل في المعارك، تمت معرفة أماكن وفاة 143 شخص فقط – وغالباً تم ذلك من خلال المواقع الإلكترونية الإيرانية ومصادر المعارضة السورية. (الشكل 2)

شكل (2) يوضح وفيات مقاتلي حزب الله وأماكن الوفاة في سوريا (يناير/كانون الثاني 2012-أبريل/نيسان 2017).

بالرغم من ذلك، فإن تفاوت معدلات الوفيات في المعارك من عناصر حزب الله والميليشيات الشيعية الموالية له في سوريا ترتبط بالعمليات الكبرى هناك.

شكل (3) يوضح القتلى من الشيعة الأفغان والإيرانيين واللبنانيين والباكستانيين والعراقيين في سوريا حسب الشهر (يناير/كانون الثاني 2012-أبريل/نيسان 2017).

في حين أن ذروة وفيات حزب الله في ديسمبر/كانون الأول 2013 المبينة في الشكل (3) مضللة، لأن المصادر العامة أعلنت ما يقرب من مائة حالة وفاة في آن واحد (على الرغم من الشهر الفعلي للوفاة/الدفن لكثير منهم كان قبل ذلك الوقت المحدد في الشكل)، فإن ذروات أخرى لأعداد الوفيات تتزامن مع قتال في عمليات عسكرية كبيرة ذكرت في الصحافة:

  • في مايو/أيار 2013، شن حزب الله والجيش السوري عدواناً مشتركا على مدينة القصير، وهي مدينة استراتيجية تقع بين دمشق وشاطئ البحر المتوسط وقريبة من الحدود اللبنانية.
  • بالرغم من أنه لا يوجد تسجيل لعمليات حزب الله في يوليو/تموز 2014، إلا أن عدد القتلى قد زاد في ذلك الشهر (36 مقاتل) بالتزامن مع سيطرة تنظيم داعش على حقل الشاعر النفطي في محافظة حمص بتاريخ 17 يوليو/تموز، واحتلاله لقاعدة الفرقة 17 للجيش قرب الرقة في 25 يوليو/تموز، مما يشي بأن قوات حزب الله لعبت دوراً هاماً. بالمقارنة، هناك 270 قتلوا من قوات الحكومة السورية، على الأقل 200 منهم تم إعدامهم بعد أسرهم.
  • في فبراير/شباط 2015 تعكس الوفيات العدوان المشترك من قبل قوات الجيش السوري الحر وجبهة النصرة الموالية للقاعدة على معاقل حزب الله غرب القلمون بالقرب من الحدود اللبنانية.
  • في النصف الأخير من عام 2015 ارتفعت معدلات الوفيات (217 قتيلا من يوليو/تموز وحتى ديسمبر/كانون الأول) وتتضمن وفيات معركة الزبداني في يوليو/تموز، ولكنه يشير أيضا إلى بدء الحملة الجوية الروسية الأولى في سوريا وما بعدها، والتي جرت في 30 سبتمبر/ايلول من ذلك العام، وسبقتها فترة من الهجمات المتزايدة من قبل قوات النظام وحلفائها.
  •  تنعكس حدة المعارك في يونيو/حزيران وأغسطس/آب وأكتوبر/تشرين الأول عام 2016 في ضواحي حلب المحاصرة في معدلات الوفيات بين عناصر حزب الله.

يمدنا التباين في الشكل (3) برؤية ذات قيمة كبيرة لاستراتيجية طهران في التفكير، منذ بداية الاحتجاجات في سوريا، لم تتنازل طهران أبدا عن دعم حليفها السوري في دمشق؛ بالرغم من ذلك، فإن طهران تخلت في البداية عن الانتشار الواسع للقوات الإيرانية في سوريا، وفضلت بوضوح أن تنشر قوات حزب الله اللبناني هناك. لفترة، ظل حزب الله اللبناني ينكر أي وجود لقواته في سوريا، ولم يعترف بانخراطه، إلا بعد أن وصل الأمر لنقطة لا يستطيع معها الإنكار، بسبب عدد الوفيات التي لا يستطيع أن يخفيها عن الرأي العام.

وكان ارتفاع معدلات القتلى بين عناصر حزب الله في حرب طويلة الأمد هو ما دفع إيران لنشر قوات الحرس الثوري والميليشيات الشيعية الموالية في سوريا. على حزب الله أن يوازن بين نشر قواته في سوريا والاحتفاظ بوجوده المحلي. فالميليشيا الشيعية تواجه معارضة في لبنان: لم تُترجم نهاية الحرب الأهلية في لبنان إلى نزع سلاح يتضمن الأحزاب والميليشيات، وإذا ما حدث أي ضعف باد في قوات حزب الله، فإن ذلك قد يغري الميليشيات الأخرى المسلحة في لبنان لتحدي هيمنة الميليشيا الشيعية في البلاد.

يواجه حزب الله تحديات جمة على الحدود الجنوبية: قامت قوات الطيران الإسرائيلي بقصف ناقلات سلاح من سوريا إلى لبنان عدة مرات، ولا يمكن أن تتغاضى قيادة حزب الله عن احتمالية استغلال جيش الدفاع الإسرائيلي لتورط الميليشيا الشيعية في حرب سوريا الأهلية لقصف مواقع حزب الله في لبنان، هذه المخاطرة تزداد احتمالية حدوثها مع بناء حزب الله لترسانة أسلحة وشعور إسرائيل بالتهديد.

بينما يظهر تثبيت حكم الأسد قوة حزب الله كوكيل مفيد لإيران، فإن توازن القوى الهش في داخل لبنان، ونقاط ضعف حزب الله في مواجهة إسرائيل، والحاجة لانتشار على نطاق واسع لقوات الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية الموالية في سوريا، كل ذلك يظهر حدود قدرات حزب الله.

Read in English

علی آلفونه

كبير باحثين غير مقيم في المجلس الأطلنطي.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط