كارثة صحية في الغوطة الشرقية

كارثة صحية في الغوطة الشرقية

يتداعى الوضع الطبي في غوطة دمشق الشرقية، حصار النظام السوري على المنطقة مستمر منذ أربعة أعوام، ما ينذر بكارثة صحية قريباً، ضحيتها المدنيون الذين يحتاجون لعلاج يبعد عنهم عدة كيلومترات فقط في العاصمة دمشق، لكن لا يستطيعون الذهاب إليه. يحدث الحصار الآن تحت عيون المجتمع الدولي، وخصوصاً الأمم المتحدة، ما يثير أسئلة حول جديتها وقدرتها على الاشتراك في إعادة بناء سوريا بصورة تحمي المدنيين وتعيد استقرار المنطقة.

بعدما خرجت الغوطة عن سيطرة النظام السوري عام 2012، واندلاع معارك عديدة، فرض النظام حصاراً على خاصرة دمشق الشرقية ومناطقها كدوما وحرستا وزملكا وعربين وكفر بطنا وسقبا وحموريا وجسرين وبلدات أخرى. وبعد عام 2013، كانت هناك أنفاق تصل الغوطة بحي برزة الدمشقي، هذه الأنفاق تعد شرايين حياة للغوطة الشرقية، لكن بعد اتفاق تهجير أهالي برزة أغلقت الأنفاق في العام الحالي، وكذلك معبر مخيم الوافدين، فأصبحت دوما وعربين وغيرها من المناطق تحت حصار خانق.

وبسبب هذه المتغيرات، أصبح النظام يتحكم بشكل كامل في إدخال المساعدات إلى مناطق الغوطة الشرقية، يقول الدكتور حمزة المقيم هناك “إدخال المواد يكون سياسياً أكثر ما هو عملي، إذا التفت النظام لحسابات دولية وتم إرغامه على إدخال المساعدات فإنه يقوم بذلك، يبدو أن الروس والنظام حالياً لا يريدون إدخال المساعدات.”

انطلقت الثورة السورية ضد نظام الحكم عام 2011، وقتها كان الدكتور حمزة مقيماً بالغوطة، وبقي حتى اللحظة، شارك في تأسيس العديد من مشافي المنطقة والمراكز الطبية، يعمل في مشفى عربين حالياً، ومُطّلع بشكل كبير على تفاصيل الأوضاع الطبية بمحيط العاصمة.

بسبب الحصار الخانق، وجدت الهيئات الطبية والهلال الأحمر صيغة للتعامل مع النظام، وهي تأمين موافقات لحالات إخلاء طبي خطيرة، لكن طابور الانتظار طويل والحالات التي خرجت قليلة جداً قياساً بالعدد الذي هو في حاجة للرعاية.

بحسب الدكتور حمزة، يوجد على قائمة الإخلاء 369 حالة مرضية، وتتم دراسة 18 حالةً أخرى لإضافتها، هناك 124 من مجموع هذه الحالات في حاجة لإخلاء فوري للعلاج خارج الغوطة، وهناك 188 حالة أخرى على درجة خطورة أقل ويمكن لهم تحمّل المرض بعض الوقت.

وكانت الجمعية الطبية السورية الأميركية “سامز” أعدت تقريراً موجزاً بعنوان “تحت الحصار: محرقة الغوطة الشرقية“، عرضت فيه تأثير أكثر من أربعة أعوام حصار على الغوطة الشرقية، حيث أكد أطباء المنظمة أن العديد من المرضى على قائمة الإخلاء الطبي ينتظرون موتهم في بيوتهم. وأظهر التقرير أن هناك 107 طبيب فقط بينهم طبيب أورام واحد وجراح أعصاب واحد، يعالجون ما يقارب الـ 400 ألف شخص من سكان الغوطة الشرقية، ولا يملكون القدرة على تقديم الخدمات الطبية بأكثر من التشخيص بسبب النقص الحاد في الأدوية والإمدادات والمعدات الجراحية، وأشار التقرير إلى انتشار الأمراض المعدية كالسالمونيلا والحصبة والسل.

ويعرض التقرير تفاصيل الصعوبات المستمرة في تأمين الموافقة على عمليات الإجلاء الطبي للحالات الحرجة. وفي آب/أغسطس 2017، توفي أربعة أطفال في الغوطة الشرقية وهم ينتظرون إذن النظام بإجلائهم. في 23 سبتمبر/أيلول الماضي أيضاً، توفي الطفل أسامة ابن الخمس سنوات، بسبب التهاب الدماغ الحاد ولم يُتح إخراجه من الغوطة نحو العاصمة دمشق التي تبعد 10 كيلومترات، وفيها دواء “أسيكلوفير” المضاد للفيروسات اللازمة لإنقاذ حياته، مع أن اسمه وأسم 330 غيره وقتها كانت موجودة عند الجهات التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالصحة في دمشق.

هناك خطوات بسيطة التطبيق تستطيع الأمم المتحدة القيام بها في القريب العاجل، أولها إسراع عملية إخلاء الحالات العاجلة، لا سيما حالات الأطفال والعجائز الذين لا يشكلون تهديداً بأي معنى من المعاني، كالتوأم السيامي الملتصقين باسل ومعاذ البالغين من العمر شهراً واحداً وقضيا في العاصمة دمشق بعد إخلائهما في آب 2016، بحسب الدكتور محمد كتوب مدير المناصرة في سامز فإن النظام منعهما من الخروج من سوريا رغم وجود عشرات العروض لعلاجهما خارج البلاد وأخّر خروجهما حتى توفيا، وبتقدير بعض الأطباء كان يمكن لهذا التوأم أن يعيش لمدة 15 يوماً، كما أن طبيبة الأطفال الأميركية “آنّي سبارو” التي تعمل في معهد أرنولد للصحة العالمية بنيويورك، أكدت في مقال تحليلي لها بمجلة “الفورين افير”أن حكومة بشار الأسد رفضت المساعدة وأوقفت جميع الزيارات من أم التوأم المرضعة، وبعد خمسة أيام، أعلن عن مصرعهما في عمر يزيد قليلاً عن شهر واحد مع العلم أن فرصهما بالحياة كانت كبيرة.” وبعد عام وفي نفس الشهر، توقت الطفلة سارة في ذات المكان بسبب تأخر علاجها واستحالة إخلائها من الغوطة، فاستفحلت إصابتها بورم في الخلايا العصبية لشبكية العين اليسرى.

وخطوة أخرى لتخفيف شدة الحالات هي توفير الأدوية للأطباء في الغوطة. رغم الحصار، يعمل أطباء الغوطة في ظروف صعبة جداً، لكن ضعف الإمكانيات يعرقل نجاحهم، كما حدث مع الطبيب حسام عدنان، الذي كتب على صفحته في موقع الفيسبوك “أحضروا لي البارحة مولود في يومه الأول وقد شخص له تناذر مرضي خلقي نادر يسمى (مري أعور) حيث يكون المري مغلقاً بمنتصفه وقسمه السفلي متصل بالطرق التنفسية، طبعاً المواجهة الحقيقية في هذه الظروف أن نجري جراحة نادرة بظروف الحصار وشح الأدوية وبصراحة قلة الخبرة الجراحية بهذا النوع من الجراحات التي تحتاج إلى اختصاصي بجراحة الاطفال وأيضاً إلى مشفى تخصصي للمتابعة بعد الجراحة.”

ويؤكد الطبيب أنه ومجموعة خبراء قرروا إجراء العملية الجراحية، وقاموا بذلك وكان معهم أحد الأطباء المتخصصين من خارج سورية عبر الانترنت ليتابع العمل، وتمت العملية بنجاح، لكن بعد أيام، توفي الطفل بسبب عدم توافر الأدوية اللازمة لمتابعة العلاج بعد العمل الجراحي.

إذاً، كارثة الغوطة تؤكد تكتيك التجويع والاستسلام المُمنهج الذي يتبعه النظام في مناطق سورية عديدة خارجة عن سيطرته، وانتهى بها المآل إلى تهجير سكانها، يقول الطبيب حمزة “الطريق مغلق تماماً، ومحاصيل الغوطة بدأت تنتهي، عملياً عدنا إلى نقطة الـ 2014 قبل مضايا، كان في الغوطة حالات موت بسبب سوء التغذية وقتها.” شهدت قرية مضايا شمال غربي دمشق، حصاراً من قبل قوات النظام منذ يوليو/تموز2015، وشهدت الكثير من حالات الموت جوعاً بسبب سوء التغذية ونقص الدواء، ثم انتهى بها المآل لتهجير أهلها في اتفاق المدن الأربع الشهير في سوريا، الذي نص على خروج 3800 شخص من مقاتلي المعارضة في مضايا والزبداني نحو إدلب، مقابل إخلاء أهالي كفريا والفوعا بريف إدلب ورحيلهم إلى مناطق النظام، في أبريل/نيسان الماضي.

ولم يقف الطبيب عند هذا الحد من التحذير، فهو يؤكد أن “الحصار اشتد غذائياً، والأمور في انحدار، غالباً في شهر تشرين الثاني سوف نرى حالات سوء تغذية ستكون منها حالات شديدة، قد نستعيد ذكريات مضايا أو الحصار.”

إذا أمعن السوريون في الغوطة النظر فيما يحدث، يلاحظوا عدم تصرف الأمم المتحدة وحتى تكاسلها فيه، فيروا لا حياة لمن تنادي، ولا نفع من مقاومة النظام والمجتمع الدولي على حد سواء، ولا فرج لهم وحتى ولو استسلموا لنظام الأسد فسيقوم، حينئذ، بتهجير السكان.

وتثير هذه الظروف أسئلة للمجتمع الدولي، لا سيما وهو يتوجه إلى الحديث عن إعادة بناء سوريا، نظراً لما يحدث في الغوطة، كيف من الممكن الثقة في بشار الأسد ونظامه؟ وهل من الممكن القيام بإعادة البناء طالما يمسك النظام زمام القوة؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف ستجري إعادة البناء؟

اشترك في نشرتنا English

حسن عارفه

صحفي سوري مقيم في تركيا.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة