الإدارة المدنية سبيل هيئة تحرير الشام الوحيد للبقاء

الإدارة المدنية سبيل هيئة تحرير الشام الوحيد للبقاء

يقترب مصير إدلب، تلك المدينة التي تعتبر أخر المعاقل القوية للمعارضة السورية، من الحسم. عسكرياً، تسيطر هيئة تحرير الشام على إدلب باعتبارها الفصيل العسكري الأقوى هناك، ولكن هذه السيطرة العسكرية مهددة بشدة، وقد تفقدها في أي لحظة، ولذلك تسعى لإيجاد أي طريق للاستمرار في التحكم في إدارة شئون المدينة، ومن هنا كانت مشاركة الهيئة في فاعليات المؤتمر السوري العام الذي عقد في منتصف سبتمبر/أيلول الحالي في إدلب، وقد دعى المؤتمر إلى إنشاء إدارة مدينة تتولي إدارة شئون إدلب، ويبدو أن الهيئة قد حاولت السيطرة على مخرجات هذا المؤتمر، لتكون هذه الإدارة المدنية تحت سيطرتها. لماذا تنخرط هيئة تحرير الشام في مثل هذه الدعوات لإدارة إدلب مدنياً، خاصة أنها تسيطر على المدينة عسكرياً.

تبدأ الإجابة على هذا السؤال برصد المتغيرات التي طرأت على الوضع الإقليمي، وكان أخرها مؤتمر أستانة، الذي أعطى الضوء الأخضر لدخول قوات تركية إلى إدلب. تتسارع وتيرة التغيرات على الساحة الإقليمية وعلى طبيعة التحالفات المرتبطة بالصراع السوري، وسط هذه الخلافات يبقى الصراع حول إدلب بين مختلف الأطراف قائماً، ففي الوقت الذي ستدعم الولايات المتحدة أي جهود لاقتلاع الإسلاميين من المنطقة، تحاول تركيا منع الأكراد من الدخول الى المدينة، لأن تواجد الأكراد على حدودها الجنوبية يشكل تهديدا لأمنها القومي، ولذلك تحاول منع أي سيطرة جديدة للأكراد في الداخل السوري، لتحقيق هذا الهدف تجد تركيا نفسها مضطرة للاصطدام بجدار الإسلاميين والجهاديين في إدلب لتأمين وجودها في سوريا ومواجهة تهديد الاكراد في عفرين. حيث ترى غالبية الجهاديين أن تركيا بلداً غير مسلم ولا يحكم بالشريعة الإسلامية، وهو حليف للولايات المتحدة الأمريكية في حلف الناتو، ويجب قتالها تحت مسمى “الجهاد في سبيل الله وتحكيم الشريعة”.

أمام هذا الجدار الإسلامي المتطرف تحاول تركيا تأمين حلفائها من الجيش السوري الحر ليكون عوناً لها في حربها المقبلة في إدلب، لذلك تتقاطر عشرات الآليات المدرعة التركية والعتاد العسكري على الحدود السورية بالقرب من حارم وباب الهوى، وينتظر غالبية سكان إدلب دخول تركيا بفارغ الصبر، فلا شريعة القاعدة وائمتهم ولا قوانين نظام الأسد (سابقا) ناسبتهم، ولا خيار لديهم بين هذا أو ذاك سوى دخول تركيا، التي يصفها الكثير من النشطاء بانها “مسلمة علمانية”.

أمام هذه المتغيرات تجد هيئة تحرير الشام نفسها أمام خيارين: إما وضع السلاح جانباً وتسليم المدينة لأهلها، أو البحث عن طريقة أخرى للاستمرار في السيطرة على إدلب والحفاظ على نفوذها هناك. من هنا تأتي محاولات هيئة تحرير الشام تمرير أجنداتها تحت مسمى الإدارة المدنية لإدلب، وقد تجلت هذه المحاولات في حضورها “المؤتمر السوري العام”، ويقول ناشطون أن الهيئة هددت أكثر من طرف بضرورة حضور المؤتمر واعتقلت بعض من رفض الحضور. وقد أعلن المؤتمر عدد من القرارات أهمها استحداث هيئة تأسيسية تقوم بمهام مجلس الشورى، وتقوم الهيئة بتشكيل حكومة لإدارة شئون المناطق المحررة، واعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة في الداخل والخارج، وتشكيل لجنة لصياغة الدستور. كما أعلن المؤتمر عدة توصيات متعلقة بسير الحياة اليومية في المناطقة المحررة، مثل توحيد كافة أجهزة الشرطة، وتنفيذ خطة زراعية في هذا المناطق، وتوحيد ملف التعليم، وأخيراً دعوة الإدارة الخدمية والمجالس المحلية للانضواء تحت الحكومة المشكلة.    

في ظل حقيقة سيطرتها العسكرية على إدلب، توضح هذه القرارات والتوصيات سعي هيئة تحرير الشام لضرب ونسف كل ما هو خارج عن سلطتها، من خلال انشاء إدارة مدنية تكون ستاراً قانونيا لوجودها وسيطرتها على إدلب على الرغم من وجود إدارة محلية مقرها ريف إدلب تابعة للحكومة السورية المؤقتة، وهو ما تحاول الهيئة القيام به في الفترة الأخيرة، فقبل انعقاد المؤتمر السوري العام بأيام أصدرت الهيئة بياناً تدعو فيه صراحة إلى تشكيل إدارة مدنية لإدارة المناطق المحررة، كما نظمت عدد من الفاعليات المدنية لحشد الدعم لهذه المبادرة، ويبدو أن المؤتمر السوري العام كان أحد هذه الجهود. وحاولت الحصول على دعم الحكومة السورية المؤقتة وعدد من الشخصيات المعارضة لها، ولكنها فشلت في اقناعهم بهذا المشروع.

فقد أعلن رئيس الحكومة السورية المؤقتة الدكتور جواد أبو حطب، رفضه حضور المؤتمر لعلمه بسيطرة الجهاديين عليه، وأكد أن هيئة تحرير الشام أرغمت الناس على تأييد المؤتمر بالقوة، وأشار إلى قيامها بتهديد مبنى وزارة الداخلية للحكومة المؤقتة في قرية كللي بريف إدلب ، وتهديد جامعة حلب والمجلس المحلي في سراقب واعتقال رئيسه، أضاف أبو حطب “يريدون السيطرة على المؤسسات الموجودة، وما يفعلونه هو إدارة ذاتية كالتي فعلها البي واي جي في عفرين.”

تمضي هيئة تحرير الشام في خططها بالسيطرة المدنية على إدلب برغم المعارضة الشديدة لها، في هذا السياق أنشئت “الإدارة المدنية للخدمات” من أجل اخضاع المنظمات العاملة في إدلب لكيان موحد تديره كوادر تتبع الهيئة، ومن خلاله تقوم بتوزع الدعم حسبما تريد وأينما تريد، وتسيطر في الوقت الراهن على كافة مكاتب الصرافة في المدينة. تهدف الهيئة إلى السيطرة على الأموال التي تدخل إلى إدلب، وتقوم بالتدقيق في كل الأموال الكبيرة التي تدخل إلى المدينة عبر المنظمات المحلية. تركز الهيئة جهودها على أي مصدر للتمويل بغية تأمين استمرارها، فيُشاع أنها تمتلك عشرات ملايين الدولارات ولكنها تنفق هذه الأموال في الوقت الراهن على تخزين السلاح والمؤن والعتاد في أعماق الجبال، حيث ينتهج الجولاني سياسة تعتمد على التأقلم والاستعداد لكافة الأوضاع التي ستطرأ على المحافظة، ومن بينها سيطرة القوى المعارضة له على إدلب.

تسعى هيئة تحرير الشام من خلال مساعيها لتأسيس هذه الإدارة المدنية أيضا إلى السيطرة على قاعدة البيانات التي تمتلكها الإدارة المحلية القائمة التابعة للحكومة السورية المؤقتة، والتي تضم احصائيات طبية اغاثية ومشاريع لمجالس محلية تم تكوينها على مدار أربع سنوات، ونقلها للحكومة المزمع انشائها تحت رعايتها، وبذلك يمكنها التعرف على المشاريع المزمع تنفيذها عبر المجالس المحلية.

توحي تعقيدات الأمور في إدلب بصعوبة تأقلم هيئة تحرير الشام مع هذه المتغيرات الإقليمية والمحلية، فلا تركية العلمانية تناسبهم ولا قبل لهم بمواجهة روسيا او الولايات المتحدة، بعد أن فشلوا في التصدي لروسيا وانهزموا في حلب والساحل، لذلك تعتبر الإدارة المدنية في الوقت الراهن هي أملهم الوحيد في البقاء في سوريا، وإلا فالموت أو السجون سيكونان خيارهم المتبقي.

اشترك في نشرتنا English

سليم العمر

صحفي سوري مستقل يكتب للجزيرة والقدس العربي والعربية وعربي 21.

شاهد أيضاً

المجتمع الدولي يعيد إنتاج النظام السوري

هناك دولاً تريد أن يرحل الأسد في نهاية المرحلة الانتقالية، بينما بعض الدول تريد رحيل الأسد في بداية المرحلة الانتقالية، وأنه لا توجد أي دولة تريد الإبقاء على نظام الأسد، حتى روسيا لا تريد بقاءه، الخلاف هو على توقيت رحيله.

المضي قدماً لإقامة سلطة محلية في ليبيا

هناك اتفاق واسع داخل ليبيا وبين الدول المعنية على أن الاتفاق السياسي الليبي يجب أن يتم تعديله، ففي العامين الماضيين، تعمق الانقسام الليبي مع تصاعد التدخل من أطراف إقليمية ودولية، لديها مصالح متباينة، في هذا الصراع.

الأزمة الكردية: بغداد وأربيل والإصلاح المؤسسي في العراق

إن الصراع الدائر بين حكومة كردستان والحكومة الفيدرالية في العراق يخلق هواجس جديدة – خصوصا بعد الاستفتاء على استقلال الإقليم – فيما يتعلق باستقرار العراق على المدى الطويل.