سد النهضة الإثيوبي: السياسة وفن الممكن

في ظل واقع سد النهضة الإثيوبي، قابل المسئولون المصريون الأخطار المحتملة بآراء متضاربة حول كيفية الرد؛ يعتقد البعض أن مصر يتحتم عليها أن تكون صارمة بشأن السد – والذي يشكل خطراً على الأمن المائي للبلاد، بناءً على تقرير الخبراء. على صعيد آخر، يعتقد البعض أن مصر قد تستطيع التعامل مع الوضع عن طريق الاتجاه إلى الأنشطة الاقتصادية المشتركة، في محاولة لتقليل الاخطار المحتملة.

جدير بالذكر أن الاتهامات التي يكيلها المسئولون الاثيوبيون – والتي تدعى أن مصر هي السبب وراء الاحتجاجات المناهضة للحكومة – قد عقدت المسألة بشكلٍ أكبر. وقد صرح رئيس الوزراء الأثيوبي، هيلي ماريام ديسالين، أمام البرلمان في أوائل شهر أكتوبر – وهو يشير بأصابع الاتهام إلى “بعض المؤسسات المصرية” – قائلاً: “إن تلك الدول المستاءة بسبب اصرارنا على تشييد سد النهضة العظيم…قد تآمرت، لفترة طويلة، مع شتات المتطرفين لزعزعة أمن واستقرار بلدنا”. وقد اتهم وزير الاتصالات – جيتاشو ريدا – أيضاً “عناصر تابعة للمؤسسة السياسية المصرية” بتدريب وتمويل جبهة تحرير الأورومو الثورية. وتعد هذه الجبهة مجموعة إرهابية، من وجهة نظر الحكومة الاثيوبية، حيث تتهم الأخيرة الجبهة المذكورة بالتحريض على الشغب والفتنة. وقد نفى أحمد أبو زيد – المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية – تلك الادعاءات في تصريح أكد فيه على “احترام مصر المطلق للسيادة الاثيوبية، وعدم التدخل في شئونها الداخلية” وهو موقف أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي.

حتى مع وضع الخلافات الجارية جانباً، فقد صرح مسئول بوزارة الري المصرية (وهو أيضاً خبير تقني مُلِم بالمباحثات الجارية بخصوص السد) قائلاً: “إن مصر تتبنى موقف عدم الموافقة على الأبعاد الحالية للسد.” وقد رفض المسئول الكشف عن اسمه بسبب حساسية الأمر.  وأضاف: “قد نتمكن من الموافقة على بناء هذا السد إذا تم تغيير الأبعاد الحالية.” ومن ناحيته، فقد ذكر سيميجنو بيكيلى – مدير مشروع سد النهضة العظيم – أن السد يهدف إلى توليد الكهرباء فقط لا غير وليس لتخزين المياه، كما أكد أن سريان الماء لمصر لن يتوقف مطلقاً. وعلى الرغم من تلك التأكيدات، فإن الخبراء المصريين يخشون معاناة مصر من نقص في المياه عندما يمتلئ خزان السد، حيث أن هذا الأخير سيتسع لـ 74 مليار متر مكعب من الماء. وتخشى مصر أن السد سيؤثر على حصتها السنوية من المياه، والتي تتمثل في 55.5 مليار متر مكعب، عندما يبدأ الخزان المُشيد به في الامتلاء بالماء. جدير بالذكر أن نهر النيل يوفر لمصر كمية تقل قليلاً عن نصف احتياجها السنوي، ألا وهو 120 مليار متر مكعب من المياه في العام. إضافة إلى ما سبق، فإن مصر تعاني أصلاً من نقص في المياه أكدته تصريحات مسئولين بالحكومة. 

ومع ذلك، تستمر اثيوبيا بتشييد سد النهضة، والذي يهدف إلى توليد 6000 ميجاوات من الكهرباء. وقد صرح بيكيلى قائلاً إن هذا سيمكن البلاد من تحقيق مآربها المتعلقة بالتنمية المستدامة ومحاربة الفقر والذي يصفه بكونه العدو الأول لدولة اثيوبيا.

في القاهرة، قال دبلوماسي مصري مُلِم بالأمر أن الجهود المبذولة من قِبَل مصر للوصول إلى حل وسط قد قوبلت بالرفض. “وقد صرح المسئول للموقع قائلا “لقد قدمنا اقتراحاتنا البديلة لأربعة سدود مختلفة بنفس التكلفة. هذه السدود البديلة تعد أكثر أمناً وذات تأثير أقل على مصر. ولكن رفضت اثيوبيا كل اقتراحاتنا وأصرت على بناء السد.” في شهر يناير/كانون الثاني، أعلنت وسائل الإعلام الاثيوبية أن الدولة قد رفضت اقتراحا مصرياً لإعادة تصميم السد، وذلك عن طريق زيادة عدد البوابات من بوابتين إلى أربع بوابات – والذي أعلنت مصر إنه سيسمح بسريان كمية أكبر من الماء لدول المصب.

قال بوزنه تولشا، وهو مسئول بوزارة المياه والري الاثيوبية “إن القرار الذي تم اتخاذه بخصوص تشييد فتحتين، قد نبع عن دراسة مكثفة، ولا تحتاج اثيوبيا إلى إعادة تصميم مشروع السد.”

وقد انتقد المسئول المصري أيضاً القرار الذي اتخذته اثيوبيا بالشروع في البناء، قبل الانتهاء من الدراسات المعنية بإجراءات الأمن والسلامة والمياه الخاصة بالسد. وقد قامت شركتان استشاريتان فرنسيتان بتوقيع عقود مع مصر واثيوبيا والسودان، في شهر سبتمبر/أيلول وذلك لإجراء الدراسات المذكورة سلفاً، والتي اقترحت التقارير المبدئية أن الانتهاء منها سيستغرق 11 شهراً.

أما محمد نصر علام – والذي كان وزيرا للموارد المائية والري منذ عام 2009 وحتى عام 2011 – فقد انتقد صراحةً الاتفاقية التي تم عقدها مع اثيوبيا، معرباً عن قلقه مما وصفه بالآثار السلبية المستقبلية للسد؛ فقد صرح أن مصر تخشى من أن امتلاء الخزان الخاص بالسد بالماء سيؤدى إلى تقلص منسوب المياه في بحيرة ناصر (وهي البحيرة التي تقع خلف السد العالي المصري بمدينة أسوان)، بالإضافة إلى تقليص احتياطي مصر من الماء. ويقول علام أن هذا سيقلل من كمية الكهرباء المولدة من سد أسوان، بالإضافة إلى التسبب في تبوير ملايين الفدادين من الأراضي الزراعية، وتجفيف محطات مياه الشرب وانخفاض مستوى المياه الجوفية بمصر بصورة هائلة. وقد صرح الخبراء الايطاليون والأتراك العاملون على موقع السد للموقع أن 80% على الأقل من عملية بناء السد قد اكتملت.  

وعلى الرغم من هذه المخاوف، يعتبر دبلوماسي مصري رفيع المستوى بأثيوبيا أن الوضع الحالي يشكل “فرصة ممكنة” للتعاون بين البلدين، حيث قال “تُعتبر السياسة فن الممكن” في حديث أدلى به لصحفيين مصريين دون الإفصاح عن اسمه. ثم أضاف: “إن مهمتنا تتمحور حول تحويل كل مناسبة إلى فرصة محتملة، ما يهم الآن هو إننا نفتش عن فرص للتعاون، مصالح مشتركة محتملة ومتينة” أثناء التعامل مع موضوع السد.

في القاهرة – وبالقرب من النيل – تحدث مسئول ثالث على مقربة من المباحثات معي قائلاً “سينبع نهر النيل دوماً من اثيوبيا، حتى نهاية الكون. ولذلك ينبغي علينا العمل على بناء علاقة طيبة مع الاثيوبيين على مدار الوقت.” وأضاف:” يجب أخذ فقر المياه بعين الاعتبار” على الأخص “لأن حصة المياه التي تنحصر في 55 مليار متر مكعب تم تحديديها عندما كان التعداد السكاني بمصر يقل عن 20 مليون نسمة. كم يجب أن تبلغ حصتنا عندما يصل تعدادنا إلى 90 مليون نسمة؟”  حالياً، يقل متوسط نصيب الفرد من المياه بمصر عن 650 متر مكعب بالعام. وتشير الدراسات إلى أن المتوسط سينخفض إلى 350 متر مكعب بحلول عام 2050. إن خط الفقر المائي العالمي يبلغ 1000 متر مكعب لمتوسط الاستخدام الفردي بالعام.

بغض النظر عن نهر النيل، فإن مصر واثيوبيا تربطهما علاقات دينية قوية بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الاثيوبية الأرثوذكسية. وترجع العلاقات التاريخية التي تربط الكنيسة الاثيوبية الأرثوذكسية بنظيرتها المصرية إلى القرن الرابع عشر – قبل انفصالهما رسمياً أواخر الخمسينات من القرن الماضي. وقد تم بذل العديد من الجهود في سبيل استخدام هذه العلاقة لتحسين الروابط الثنائية.

كما تعد التجارة – بأسسها القائمة أصلاً – رابطا حيوياً يمكن استغلاله، ففي العام 2015، وصل حجم التجارة الثنائية بين مصر وأثيوبيا إلى 300 مليون دولار.

وقد نقلت جريدة اليوم السابع عن محمد دردير – السفير الأثيوبي بمصر – قوله بأن دولته تهدف إلى زيادة هذا الرقم ليصل إلى 500 مليون دولار بنهاية عام 2016. أما سولومون افيورك – رئيس الغرفة التجارية الأثيوبية والجمعيات القطاعية – فقد أعلن أن المستثمرين المصريين قاموا بتأسيس 58 مشروع استثماري بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار بين عامي 1992 و2014. ووفقاً لمجلس الأعمال الأثيوبي-المصري، تقدر الاستثمارات المصرية بأثيوبيا حاليا بحوالي 2 مليار دولار.

وقد أخبر الدبلوماسي المصري – ذو النظرة المستقبلية الإيجابية للموقع أن السوق الأثيوبي يعد حالياً فرصة جيدة للغاية للاستثمار للشركات المصرية، حيث من الممكن أن تخلق هذه الاستثمارات “مصالح مشتركة” بين البلدين، مما سيمهد الطريق أمام التغلب على الجدال القائم بخصوص السد. كما يعتقد الدبلوماسي المذكور أن هذه قد تعتبر طريقة لمصر للمشاركة في نهضة اثيوبيا، مما سيعود بالنفع على البلدين ويقلل من التأثيرات المضرة المحتملة للسد.

على أرض الواقع – وبعيداً عن كافة القنوات الدبلوماسية والتجارية – تبعث الأنشطة الإنسانية (مثل تلك الخاصة بالجراح البريطاني-المصري د. مجدي يعقوب) برسالة إيجابية لأثيوبيا، ففي أواخر شهر يوليو، قام فريق عمل مكون من 25 طبيباً بقيادة يعقوب بإجراء 67 عملية جراحية خيرية بأثيوبيا.

إن مشاركة مصر في أنشطة اقتصادية ومساهمتها الهائلة في التعاون التجاري مع اثيوبيا قد يخلق فرص مشتركة حقيقية.  إن بناء علاقات ثنائية أكثر متانة والانخراط في القوة الناعمة قد يشجع أديس أبابا على أخذ موقف مصر في الاعتبار، أثناء المباحثات المتعلقة بالإدارة التقنية وتشغيل السد.

Read in English

محمد محمود

صحفي مصري مستقل مقيم في القاهرة.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط