جهاديو غزة وتقويض العلاقات المصرية الحمساوية

جهاديو غزة وتقويض العلاقات المصرية الحمساوية

لم يكن أكثر المتشائمين في القيادة السياسية لحركة حماس يتوقع تورط بعض عناصر السلفية الجهادية ذوي الأصول الغزاوية في عملية استهداف كمين البرث جنوب مدينة رفح في سيناء، التي وقعت في7 يوليو/تموز 2017؛ حيث تشهد العلاقات المصرية الحمساوية انفراجه غير مسبوقة، بسبب اتخاذ حماس اجراءات أكثر حزماً لضبط الحدود مع مصر، واعتقالها للعشرات من مؤيدي تنظيم داعش في قطاع غزة، واستجابة الحركة بصورة إيجابية للجهود المصرية الداعية لتحقيق المصالحة الوطنية مع حركة فتح، فقامت بحل اللجنة الإدارية التي شكلتها لإدارة القطاع، وأعلنت عن استعدادها لتشكيل حكومة وحدة وطنية، كما ستفتح الحركة مكتب دائم في القاهرة للتنسيق الأمني مع السلطات المصرية.

ظهور أسماء غزاوية بين قتلى تنظيم داعش في العملية أعطى فرصة ذهبية للمشككين في نوايا حماس، وجعل مصداقية الجهود التي تبذلها الحركة في تأمين الحدود المصرية على المحك، وسهل المهمة علي الجانب الاسرائيلي في تسويق سرديته التي تتحدث منذ فترة طويلة عن علاقات وطيدة بين حماس وتنظيم ولاية سيناء؛ مما دفع حماس لإقامة سرادق عزاء للجنود المصريين القتلى، وتعليق صورهم في ميادين رئيسية، و إدانة العملية بشكل قوي في محاولة للتأكيد على التزامها بوعودها التي قطعتها في سلسلة اجتماعاتها في القاهرة.

لم يمثل مشاركة عناصر جهادية فلسطينية في تنفيذ عملية كمين البرث أي مفاجأة، ولكن اللافت للانتباه هو أن هؤلاء المنفذين قد تسللوا من قطاع غزة، والتحقوا بتنظيم ولاية سيناء قبل تنفيذهم العملية بشهرين فقط، وتحديداً في 1 مايو/أيار 2017، وهو ما أكده مصدر خاص مطلع في جهاز الأمن الداخلي بحكومة غزة؛ مما يعزز فرضية أن التنظيم تعمد أن يرسل انغماسيين ذوي اصول فلسطينية، رغم حداثة انضمامهم، في هذا التوقيت رغبة منه في افشال مساعي التقارب المصري الحمساوي الذي يمثل تهديداً وجودياً له.

حاول تنظيم ولاية سيناء بشكل مبكر الضغط على حماس لإفشال أي تقارب مع النظام المصري، عن طريق خنق حماس اقتصاديا عبر اغلاق الانفاق التي تمثل شريان الحياة للقطاع المحاصر؛ فأصدر التنظيم تعليمات للمهربين في سيناء في ديسمبر/كانون الأول 2016 بإيقاف تهريب أي بضائع لقطاع غزة، وتوعد المخالفين بالعقاب. وقام التنظيم في خطوة غير مسبوقة بنشر صوراً عبر منصاته الاعلامية لعناصر من قطاع غزة وعناصر سابقة في كتائب القسام انضموا إلى التنظيم أو قتلوا في الحرب إلى جانبه، الأمر الذي سبب إحراج لحماس التي تحاول تحسين علاقتها بالقاهرة، واظهار التزامها بتأمين الحدود وملاحقة العناصر المؤيدة لداعش في القطاع ومنع تسللهم إلى سيناء.

وفي تصريحات لصحيفة “النبأ” التابعة لإعلام تنظيم داعش- شن قائد تنظيم ولاية سيناء، أبو هاجر الهاشمي، هجوماً لاذعاً على قيادة حركة حماس، واصفا إياها بالمرتدة، وداعياً عناصرها إلى شن الحرب عليها، ودعا شباب غزة إلى الهجرة إلى ولاية سيناء. وأضاف الهاشمي أن حركة حماس تلاحق عناصر الحركات السلفية–الجهادية لأنهم يطلقون الصواريخ على الدولة اليهودية، ويهددون سلطة حماس “الكافرة”.

هذه العلاقة المعقدة بين الأطراف الفاعلة في “معضلة سيناء” في ظل الاتهامات المتبادلة بين أطرافها جعلت من الضروري الاجابة على السؤالين الأهم في هذا التوقيت، أولاً: ماهي حدود العلاقة بين تنظيم داعش في سيناء وبين حركة حماس؟ وثانياً: ماهي الأسباب التي دفعت حماس ومصر إلى التقارب وتغيير مصر لموقفها من حركة حماس؟

العلاقة بين حماس وسلفيو غزة وتأثيرها على سيناء

في الفترة الأخيرة شهدت ساحة سيناء مقتل أعداد ملحوظة من العناصر السلفية الجهادية من غزة، وهم يقاتلون في صفوف تنظيم ولاية سيناء، بعضهم كانوا أعضاء سابقين في عناصر النخبة في كتائب القسام التابعة لحركة حماس؛ جدير بالذكر أن سيناء لم تكن المحطة النهائية الوحيدة للعديد من المقاتلين من قطاع غزة؛ فوفقاً لدراسة نشرها مركز إسرائيلي متخصص في شئون الأمن والاستخبارات عام 2014، فإن عدد المتطوعين من قطاع غزة في صفوف تنظيم داعش بالعراق وسوريا يقدر بنحو 30 متطوعاً، غالبيتهم العظمى من تنظيمات جهادية-سلفية في القطاع؛ علماً بأن بعض هؤلاء المتطوعين من عناصر حماس انسحبوا منها وليس لهم انتماء تنظيمي واضح.

وفي هذا الصدد، أكد لنا مصدر مطلع في جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة غزة انضمام 130 فلسطينياً على الأقل لتنظيم ولاية سيناء خلال الثلاث سنوات الماضية، بعضهم كانوا أعضاء بارزين في كتائب القسام؛ من أبرزهم “محمد حسن أبو شاويش” وهو من كبار قادة القسام الميدانيين في رفح الفلسطينية، والذي انضم لولاية سيناء في مطلع عام 2016؛ مما شكل صدمة لحماس خوفاً من انتشار هذا الفكر بين عناصرها.

السؤال الذي يطرح نفسه، ما السبب في تفضيل هؤلاء المقاتلين الانضمام إلى تنظيم ولاية سيناء على القتال في صفوف التنظيمات الفلسطينية في قطاع غزة؟

إن من أهم الأسباب التي دفعت هؤلاء المقاتلين للهجرة من غزة هي وجود حالة من التوتر بين حركة حماس والتنظيمات المحسوبة على التيار السلفي-الجهادي، وهي حالة ليست جديدة، بل لها جذور أيدولوجية ظهرت على السطح منذ سنوات. تنتمي حركة حماس فكرياً إلى مدرسة جماعة الاخوان المسلمين، وهي تمارس الحكم والسياسة بنوع من البرجماتية، بما يتناسب مع مقتضيات حكمها للقطاع المحاصر، وأملها في تحسن العلاقات مع الغرب، والضغوط التي تمارسها منظمات حقوق الانسان والسكان المحليين؛ وتحاول تقديم نفسها كحركة تحرر وطني في مواجهة دولة احتلال؛ بينما الجماعات التي تنتمي لتيار السلفية-الجهادية لديها تصورات أكثر راديكالية فيما يتعلق بطريقة إدارة عجلة الحياة في غزة، حيث ينادون بالتطبيق الفوري لقوانين الشريعة الاسلامية على مواطني القطاع؛ ويحاولون جذب المزيد من الأنصار من خلال خطاب يدعو للمواجهة المفتوحة مع اسرائيل، ورفض الهدنات التي تعقدها حماس، ويتهمون الأخيرة أنها انحرفت عن منهجها المقاوم لوجود اسرائيل، وأنها سمحت للمذهب الشيعي بالانتشار في غزة للتقرب من إيران؛ كما أنهم يرون أنفسهم جزء من حركة الجهاد العالمية، وليسوا جزء من المقاومة الفلسطينية، الأمر الذي أدى في الماضي إلى خلافات شديدة، ومواجهات عنيفة بين المعسكرين.

ومن أبرز المواجهات تلك التي وقعت في أغسطس/آب من عام 2009 في أحد المساجد في رفح، والذي كان يديره الشيخ عبد اللطيف موسى، والذي عُين كرئيس لتنظيم جند أنصار الله  (جماعة سلفية جهادية في غزة)، وأعلن عبد اللطيف بعدها عن إقامة الإمارة الإسلامية في غزة؛ الأمر الذي رأت فيه حكومة حماس تحدياً لها، فتعاملت معه بالقوة، فقتلته وحوالي 20 شخصًا من اتباعه، هذا التعامل الحاسم من جانب حماس ضد الجماعة أدى إلى أن بعضاً من أعضاء تنظيم القاعدة أدان حماس واتهامها “بأنها جماعة خارجة عن الدين، وتخدم الدولة اليهودية والمسيحيين الذين يقاتلون المسلمين.” بعدها حرص الطرفان على تعايش مشترك، ولكن متوتر، حيث مرت العلاقة بفترات صدام بسبب اعتبار حماس أن التنظيمات السلفية-الجهادية تعبث بالجبهة الداخلية لغزة، وتتحرك خارج اجماع الفصائل المسلحة. فقد قامت هذه التنظيمات بإطلاق العديد من الصواريخ تجاه المستوطنات الاسرائيلية، بسبب رفضها لأي هدنة، مما تسبب في حرج بالغ لحماس، التي تعتبر أهدافهم غير جهادية، وتتهمهم دوماً بالتفكير الظلامي.

ولكل ما سبق شنت حماس خلال السنوات الماضية عدة حملات اعتقال في صفوف التنظيمات السلفية-الجهادية في غزة، هذا الأمر تسبب في هجرة المقاتلين إلى سيناء هرباً من بطش حماس. ومع إعلان أبو بكر البغدادي عن قيام تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، لم تنجح هذه التنظيمات المؤيدة لتنظيم داعش في تكوين ولاية للتنظيم في غزة، لعدم اندماجها أو توحدها في تنظيم واحد، وعدم وجود وزن حقيقي لها على الأرض، وبالتالي لم تحظي بدعم من التنظيم المركزي، مما عزز من دوافع الشباب المؤيد للفكر الداعشي بالهجرة إلى سيناء، أقرب جزء من أراضي الخلافة المزعومة.

تأثير هجرة المقاتلين من غزة على التطور النوعي لتنظيم ولاية سيناء

تطورت قدرات تنظيم أنصار بيت القدس “سابقا” بشكل كبير بعد بيعته لتنظيم داعش وتغيير اسمه لـ “ولاية سيناء”، وأصبح التنظيم قادر على القيام بعمليات هجومية كبيرة ضد قوات الجيش المصري في سيناء، وإلحاق أضرار جسيمة في صفوفه؛ ويرجع جزء كبير من هذا التطور إلي الرعاية والتمويل والخبرات التي قدمها تنظيم داعش له، ولكن بعد إلقاء نظرة عن كثب على التنظيم من الداخل، نجد أن جزءً ليس قليلاً من هذا التطور يكمن في هجرة مسلحين خبراء من غزة إلى سيناء، والذين نقلوا معهم خبراتهم القتالية والعملياتية، والتي اكتسبوها من صراعهم ضد الجيش الإسرائيلي.

شكلت غزة حاضنة مثالية لتكوين مقاتلين شرسين ذوي خبرات واسعة؛ فلقد خاضت المقاومة الفلسطينية معارك شرسة شرق قطاع غزة وشماله، وواجهوا الجنود الاسرائيليين وجهاً لوجه في ثلاث مواجهات كبيرة في العقد الأخير فقط، بدأت بحرب 2008 ثم 2012 وأخيرا حرب 2014، وما صاحب ذلك من تقدم تقني طرأ على عمل الحركات المسلحة الفلسطينية.

استفاد من هذه التجارب عدد كبير من الأفراد الذين يعتنقون إيديولوجيات مختلفة؛ منهم السلفيين في غزة، والذي كان بعضهم ينضم للحركات المسلحة الفلسطينية بشتى أنواعها بغرض الحصول على التدريب العسكري؛ ليس إيمانا بإيديولوجية هذه الحركات، بل من أجل السفر لاحقاً إلي ساحات الجهاد مثل سوريا والعراق ومؤخراً سيناء، بعد أن يصبحوا خبراء في استخدام مختلف الأسلحة والمتفجرات وتكتيكات حروب العصابات غير التقليدية.

تعتبر وحدة القنص أحد الأذرع النشطة التي أدخلها تنظيم ولاية سيناء في الخدمة، واستطاع أن يُوقع العديد من القتلى في صفوف الجيش المصري، وأصدر بذلك عدة نشرات أبرزها الاصدار المرئي “صاعقات القلوب” في أبريل/نيسان 2017.

وكانت مجلة “اسرائيل ديفينس” قد ذكرت أن أسلحة إيرانية الصنع ظهرت بحوزة مقاتلي تنظيم ولاية سيناء؛ وذكر التقرير أن إيران تزود مقاتلي التنظيم الإرهابي بأسلحة متعددة خاصة سلاح القنص من طراز “AM-50”. وتحت عنوان “إيران تبيع أسلحة لولاية سيناء”، قالت المجلة إن “هذا السلاح الذي ظهر بحوزة مقاتلي التنظيم يحاكي بندقية القنص النمساوية (شتاير إتش إس 50) التي تعتبر من أقوى بنادق القنص في العالم”. وأشارت إلى أن نفس نوعية السلاح هذه قامت إيران بتزويد تنظيم حزب الله وجيش النظام السوري والتنظيمات الفلسطينية الحليفة لها في غزة به؛ جدير بالذكر ان هذه البندقية قد ظهرت في قطاع غزة في أحد العروض العسكرية لكتائب القسام عام 2013 قبل ظهورها في سيناء بثلاث سنوات تقريبا، الأمر الذي يرجح أنها قد وصلت الى سيناء قادمة من قطاع غزة عبر أحد العناصر المدربة على استخدامها، أو أن تنظيم داعش في سيناء استولى عليها ضمن شحنة سلاح قادمة من إيران كانت في طريقها إلى قطاع غزة.

تحدثت مدونة الشرق الأوسط مع أبو صهيب من قطاع غزة، وهو فلسطيني انشق مؤخراً عن تنظيم ولاية سيناء، وتمكن بصعوبة من العودة إلى غزة، حيث أكد انضمام أحد الأفراد المفصولين من حماس يدعى “م. ط” كان مسئولاً سابقاً في وحدة القنص في كتيبة تل السلطان، التابعة لكتائب القسام في مدينة رفح الفلسطينية، إلى ولاية سيناء.

يروي أبو صهيب تجربته الشخصية فيضيف أنه دخل إلى سيناء عبر الأنفاق، مثلما فعل العشرات من مؤيدي تنظيم داعش في قطاع غزة، لكنها ليست الطريق الوحيد، فقد عبر العديد من العناصر من فوق الجدار الاسمنتي الفاصل بين سيناء وغزة، آخرهم ستة أفراد عبروا الجدار تحديداً من منطقة “تل زعرب” الساعة الخامسة فجراً يوم 1 مايو/أيار الماضي، للانضمام لصفوف “ولاية سيناء”. وأضاف “وبعد دخولهم للأراضي المصرية عبر الجدار اشتبك أحدهم كان بحوزته قطعة سلاح وعدة قنابل مع البرج العسكري للجيش المصري، قبل أن تنقلهم سيارة دفع رباعي تابعة للولاية إلى مكان آمن”، وهي المعلومة التي أكدها مصدر خاص بجهاز الأمن الداخلي في قطاع غزة؛ ليشارك بعض هؤلاء لاحقا في الهجوم الارهابي على كمين البرث في يونيو/حزيران 2017.

وأضاف أبو صهيب أن تنظيم ولاية سيناء قد استعان في مطلع عام 2016 بعدة اشخاص متخصصين في حفر الأنفاق القتالية من قطاع غزة، وتعد الأنفاق أحد أهم الوسائل التي ساعدت تنظيم ولاية سيناء على البقاء في شمال سيناء، فطبوغرافية الأرض تقف عائقاً ضد القدرة علي المناورة والتخفي، نظراً لقلة الجبال، وانتشار المساحات الرملية الشاسعة؛ وقد نقل هؤلاء الأشخاص عصارة خبرة المقاومة في غزة فيما يخص إنشاء نظام من الملاجئ تحت الأرض، يستخدم كمخابئ للأفراد، ومخازن للوسائل القتالية، وغرف عمليات وقيادة؛ آخر هؤلاء الأفراد كان معاذ القاضي الذي قتل في مواجهات مع الجيش المصري بتاريخ 7 يوليو/تموز 2017.

 المصدر المطلع في جهاز الأمن الداخلي بغزة أكد أيضا أن بعض ممن التحقوا بتنظيم ولاية سيناء كانوا أعضاء في كتائب القسام، قبل اقتناعاهم بأيديولوجية تنظيم داعش، وانضمامهم لصفوفه مثل صبحي العطار وعبد الإله قشطة وغيرهم.

هل هناك علاقة وظيفية بين كتائب القسام وولاية سيناء؟

وبحسب تقرير لـ”بينيديتا برتي”- الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي- اتخذت حماس موقفاً عنيفاً من جماعات الجهاد المسلحة، أملاً منها بخنق هذه النزعة في مهدها، وشنت حملات اعتقالات واسعة في صفوفهم خلال النصف الأول من عام 2015، كما قامت سلطات حماس في غزة بمراقبة الأشخاص الذين يعلنون تعاطفهم مع تنظيم داعش. وتصاعدت حدّة المواجهات في مطلع شهر مايو/أيار في عام 2015، بعد مهلة الـ 72 ساعة التي منحتها جماعة أنصار الدولة الإسلامية في بيت المقدس لحركة حماس من أجل تحرير جميع السلفيين الموقوفين. وقامت حماس بتدمير مسجد المتحابين الصغير في خضم حملة التوقيفات المستمرة، فردت عناصر أنصار الدولة الإسلامية بشنّ هجمات ضد حماس، منها هجوم بقذائف الهاون على قاعدة تابعة لكتائب القسام جنوب غزة. استمر خطاب حركة حماس الاعلامي في التقليل من تأثير هذه الهجمات، ونفت مراراً وتكراراً وجود تنظيمات تابعة لتنظيم داعش في غزة، مدّعيةً أنها موجودة فقط على الإنترنت

أما فيما يخص استراتيجية تنظيم ولاية سيناء، فقد قامت على استغلال الحصار المفروض على غزة منذ عام 2007 في ابتزاز حكومة حماس، والضغط عليها لمنعها من البطش بأنصار التنظيم في غزة؛ فقام بإغلاق الأنفاق، التي تعتبر شريان الحياة للقطاع المحاصر، وتهديد أصحاب الأنفاق بعدم إدخال أي شيء. وتعد “أنفاق تهريب السجائر” شريان الحياة لحكومة غزة، حيث أنهم يحصلون على ضرائب خيالية تقدر بـ 7 شيكل/ لكل علبة. ومن هنا أدي إغلاق الأنفاق إلى نقص حاد في إيرادات حكومة غزة؛ حماس تعاملت ببرجماتية مع هذه الضغوط في ظل الحصار المصري لها، فقامت بتخفيف حملات الاعتقال بحق اعضاء السلفية الجهادية، وافرجت عن عدد كبير من المعتقلين غير المتورطين في أحداث عنف؛ وهو ما كان يسعى له تنظيم ولاية سيناء، فأعاد فتح الأنفاق مرة أخرى.

على الرغم من أن برجماتية حماس أجبرتها على عمل مساومات من أجل إعادة فتح الأنفاق، لكنها بدأت تتوجس من أن تؤثر هذه الأيديولوجية المتطرفة على أعضاءها، وبالتالي التأثير سلبيا على التماسك الداخلي لجناحها العسكري (كتائب القسام). فمنذ تحولها إلى العمل السياسي، أجبرت حماس على اتخاذ مواقف أكثر اعتدالاً بطريقة اغضبت العديد من أعضائها، خاصة هؤلاء الذين يعتنقون آراءً متطرفة، بسبب التزامها بهدنات طويلة مع إسرائيل، وعدم تطبيق الشريعة في غزة، واقامتها علاقات قوية مع إيران الشيعية. وقد لعب الجهاديون في غزة على هذا التململ من جانب بعض أعضاء حماس من أجل تجنيد مزيد من الأتباع.

من المستبعد أن تكون هناك علاقة وظيفية مباشرة بين حماس وتنظيم ولاية سيناء، ليس فقط بسبب الاختلافات الأيديولوجية العميقة بينهما، ولكن أيضا بسبب أن حماس ترى هذه الأيديولوجية تهديداً لقدرتها على السيطرة على جناحها المسلح داخل غزة. هذا الإدراك المتزايد من جانب حماس لتنظيم داعش كخطر سهل من تطور العلاقات مع مصر.     

تنسيق أمني بين مصر وحماس

إن ما يزعج النظام المصري كثيرا هو ليس العلاقة النفعية غير المباشرة بين الطرفين، والتي لعب تجار الأنفاق دور الوسيط فيها، بل إن أشد ما يقلقه هو انضمام عناصر السلفية الجهادية المدربين، وبعض عناصر نخبة حماس لولاية سيناء بعد انشقاقهم عن الحركة. وقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن تقارب كبير بين القاهرة وحماس، فما الأسباب التي دفعت مصر إلى تغيير موقفها من الحركة التي تتهمها بالتعاون مع ولاية سيناء؟

قامت الدعاية الاعلامية الرسمية وشبه الرسمية في مصر على تبرير حملتها العدائية ضد قطاع غزة، وتسويغ إقامة المنطقة العازلة في رفح المصرية عام 2014 على أن هناك تعاوناً وثيقاً بين حركة حماس وتنظيم ولاية سيناء. ويبدو أن مسألة عدم ثقة حماس في جدية الجانب المصري في الالتزام بتخفيف حصار غزة كان سببا في تباطؤ الحركة في اتخاذ خطوات ايجابية سريعة فيما يتعلق بعمليات ضبط الحدود مع مصر. وقد دفعت هذه التوتُّرات السلطات المصرية إلى إغلاق معبر رفح لأغلب الوقت منذ عام 2013 حتى وقت قريب، حيث لم يكن يتم فتحه إلا لأيام معدودة؛ وكان شبه انفراج في العلاقة بين القاهرة وحماس قد حدث في عام 2016، حيث فتحت السلطات المصرية معبر رفح لخمسة أيام متتالية، وسمحت لأكثر من 4500 فلسطيني بمغادرة القطاع أو الدخول إليه، ثم تم إغلاق المعبر علي نحو مفاجئ، ولكن فتح المعبر في أغسطس/آب الماضي.

وقد اتخذت حكومة حماس مؤخراً العديد من الإجراءات لضبط الحدود بإقامة منطقة عازلة على الحدود مع مصر، وقامت بتركيب كاميرات على طول الشريط الحدودي، وببناء أبراج مراقبة، وعمل دوريات وكمائن على طول الشريط الحدودي، وقامت بضبط العديد من الأنفاق الممتدة داخل الأحياء السكنية.

وعلقت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، على تقرير أجرته منظمة “غيشا” الإسرائيلية بشأن مستقبل العلاقة بين مصر وحماس، معتبرة أنها توحي بتفاهم بين الطرفين، خلافا للأوضاع السابقة، ما أرجعته الصحيفة إلى المنفعة المتبادلة بين مصر والحركة، موضحة أن مصر تريد منها أن تستغل علاقاتها مع مسلحي داعش في سيناء، بما يحقق الأمن المصري، وفي المقابل تأمل حماس في مساعدة مصر للاعتراف بأنها الحاكم الفعلي لغزة. وقالت صحيفة “دافار ريشون” الاسرائيلية إن مصر نجحت في التفريق بين حركة حماس وتنظيم داعش المتطرف في سيناء، عبر استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة للأولى، ووعود الرئيس المصري بمساعدتها.

ودعمت تصريحات حركة حماس في الفترة السابقة، التوقعات بالاتفاق بين الطرفين؛ فقد شدد الناطق باسم حماس، حازم قاسم، على اهتمام حركته بتطوير العلاقات مع مصر، لافتا إلى أن كل معطيات التاريخ والجغرافيا، تدفع لأن تكون العلاقة بين مصر وغزة “طبيعية”، كما أكد رئيس المكتب السياسي السابق لحماس، خالد مشعل، على مبادرات الحركة لتحسين العلاقات مع مصر، مشدداً على حرص حماس على الأمن القومي المصري، وعدم التدخل في شئونها الداخلية. وهو ما بدأت حماس في تطبيقه بالفعل عبر عدة فعاليات، أبرزها تنظيم الحركة لاحتفالية في القطاع تضامناً مع الشعب المصري وجيشه وقيادته السياسية في مواجهة الارهاب بتاريخ 5 أغسطس/آب 2017.

إن استراتيجية الحكومة المصرية الجديدة تهدف للتعاون مع حماس لتشديد الحصار على تنظيم ولاية سيناء وتضييق الخناق عليه، وقطع أي خطوط امداد بشري له، وهذا تزامن مع وقف الدعاية المضادة على الجانبين؛ في غزة، تريد مصر وقف الدعاية التي تنتقد الرئيس المصري، وحماس تريد وقف الدعاية المضادة لها وللمقاومة في الاعلام المصري. وقف الدعاية على الجانبين سيساعد الطرفين سياسياً، وسوف يؤثر على داعش سلبياً، والتي تستفيد من هذا المناخ العدائي من أجل اجتذاب مزيد من الأنصار في صفوفها.

وقد أكد مصدر مطلع في جهاز الأمن الداخلي على أن جسور الثقة بين مصر وحماس في مجال التعاون الأمني قد أخذت شكلا أكثر جدية؛ حيث سلمت المخابرات المصرية لأجهزة الأمن في غزة في منتصف شهر يوليو/تموز أدلة مادية حول قيام عناصر منشقة عن الجناح المسلح التابع لألوية الناصر صلاح الدين، أحد الفصائل المسلحة في قطاع غزة، بالتخطيط للقيام بعمليات ضد اسرائيل عبر سيناء. وبناءً على هذه المعلومات، قامت أجهزة الأمن الداخلي التابعة لحكومة حماس بتاريخ 23 يوليو/تموز الماضي باعتقال يوسف أبو زور، قائد وحدة الانتحاريين في ألوية الناصر صلاح الدين، وآخرين معه، وتم احتجازهم في سجون الأمن الداخلي للتحقيق معهم.  

إن نتائج هذا التقارب بين الجانبين لم تتم رؤيته بعد، ولكن لا شك أن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها حماس على حدودها مع سيناء، والمقاربة المصرية الجديدة المنفتحة على قطاع غزة إن استمرت فإنها ستنعكس بشكل فعال على الناحية الأمنية في سيناء على المدى البعيد. ولكن يعتمد استقرار وتطور هذه المقاربة على عدة عوامل أبرزها مدى قناعة مصر وحماس بضرورة تغييراستراتيجيتهم السابقة القائمة على الخصومة وعدم التعاون الأمني والتجاري مما أدى الى تدهور الاوضاع الانسانية في غزة، وعزز من اعتماد القطاع على الأنفاق كممر تجاري، وساهم في انتشار البطالة والفقر، وتعميق الإحباط خصوصا في أوساط الشباب؛ مما يساهم في تغذية سردية المتطرفين بأن حماس حركة كافرة وخائنة للقضية الفلسطينية مما يقوض من الأوضاع الأمنية على الجانبين، من خلال تسهيل عملية تجنيد العناصر الإرهابية.

اشترك في نشرتنا English

أحمد سالم

أكاديمي مصري وباحث متخصص في شئون سيناء وحركات العنف.

شاهد أيضاً

انقسامات في انتظار هيئة تحرير الشام بعد إتفاق سوتشي

في منتصف شهر سبتمبر/أيلول، وفي محاولة لتجنب احتمالات الهجوم عليها من جانب النظام السوري وحلفائه وقعت كلا من روسيا وتركيا اتفاق سوتشي بشأن الأوضاع الميدانية في إدلب.

الوضع الطبي في إدلب والمعركة المحتملة هناك

يعد القطاع الطبي أحد أهم مقومات الحياة في أي منطقة، وفي حال انهياره، يمكن أن تنهار المنطقة بكاملها. وهو ما جرى خلال السنوات الأخيرة في سوريا، حيث كان سقوط القطاع الطبي في منطقة معينة يعني سقوط المنطقة المُستهدفة بيد النظام السوري وقواته.

قضية في السياق: من الحرب الأهلية اللبنانية إلى المحكمة الخاصة بـ لبنان

في 21 سبتمبر/أيلول، استمعت المحكمة الخاصة بـ لبنان إلى الحجج الختامية: في القضية الذي اتهم فيها المدعون أربعة أعضاء أو منتسبين لحزب الله باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. بعد ثلاثة عشر عاماً من الاغتيال، فإن القضاة في طريقهم لإصدار حكمهم النهائي.