مستقبل فصائل المعارضة المعتدلة في إدلب

انتقلت ساحة الصراع بعد سيطرة نظام الأسد على مدينة حلب شمال سوريا لتظهر بشكل جلّي في محافظة إدلب بين القوى العسكرية المناهضة لحكم الأسد، والتي حاول كل منها فرض كلمته وبسط نفوذه على المحافظة. وكانت أولى نتائج هذا الصراع إنهاء “جبهة فتح الشام” المصنفة أمريكياً على لائحة الإرهاب لوجود عدة فصائل من المعارضة السورية المعتدلة التي تدعمها واشنطن ودول أصدقاء سوريا.

ويعود سبب الخلاف واندلاع هذه الاشتباكات إلى موقف هذه القوى المتباين من محادثات أستانة ومفاوضات جنيف، واتهام جبهة “فتح الشام” لخصومها بالتنازل أمام ضغوط خارجية. بينما رآها البعض محاولة من جبهة فتح الشام وحلفائها لفرض سيطرتها على المنطقة وإضعاف الفصائل المعتدلة خشيةً على ما يبدو من أي تحالف دولي قد يُشكَّل ضدها تقوده هذه الفصائل على الأرض.

وأمام هذا الواقع انقسمت خارطة القوى العسكرية في إدلب إلى ثلاثة أقواها هيئة تحرير الشام التي شُكلت بعد انضمام عدة قوى عسكرية إلى جبهة فتح الشام، وباتت تضم داخلها عدة فصائل بعضها كان يحسب على الجيش السوري الحر مثل حركة نور الدين الزنكي، والثانية هي حركة أحرار الشام الإسلامية التي تتبنى منهجاً إسلامياً معتدلا وتشارك في محادثات أستانة، وقد زادت أعداد مقاتليها بشكل كبير مؤخرا بعد انضمام عدد من الفصائل المعتدلة إليها.

أما أقل هذه القوى العسكرية عدداً داخل إدلب اليوم فهي ما تبقى من فصائل المعارضة المعتدلة التي حاولت تجميع نفسها واستعادة قواها بعد هذه الأحداث فشكلت جيش إدلب الحر والذي ضم ما تبقى من مقاتلي الفرقة 13 والفرقة الشمالية ولواء صقور الجبل.

تحالف جديد

خلال الأشهر الأخيرة أوقفت غرفة العمليات العسكرية جنوب تركيا المعروفة باسم موم (من الاختصار التركي) والتي تشرف عليها دول أصدقاء الشعب السوري دعمها للفصائل العسكرية المعتدلة، واشترطت إعادة ترتيب صفوفها بعد الأحداث الأخيرة، والاندماج في فصيل قوي موحد قادر على مواجهة أي هجوم من الأطراف الأخرى لاسيما في إدلب.

هذا الأمر دفع قيادين في المعارضة السورية للقبول بتشكيل غرفة عمليات مشتركة لهذه الفصائل بقِيادَة العقيد فضل الله حاجي، القائد في فيلق الشام، مقابل استئناف دفع الرواتب الشهرية لعناصر الفصائل وتقديم التسليح، بما فيه احتمال تسليم صواريخ تاو أميركية مضادة للدروع. ويشمل القرار بين 30 و35 ألف عنصر في فصائل تنتشر في أرياف حلب وحماة واللاذقية ومحافظة إدلب، بينها جيش النصر وجيش العزة وجيش إدلب الحر والفرقة الوسطى وجيش المجاهدين وتجمع فاستقم والفرقتان الساحليتان.

وبالفعل نجحت هذه القوى مبدئياً من تثبيت وجودها في ريفي حماه الشمالي وريف اللاذقية، كما تركزت جهود بعض فصائل حلب المنتمية للجيش السوري الحر في نقل مقاتليها إلى ريف حلب الشمالي لقتال تنظيم داعش، وبات معظمها حالياً يتركز في المنطقة.

أما عن محافظة إدلب فيوضح القائد العسكري المنشق عن قوات النظام المقدم خالد الأسعد أنّ “وجود الفصائل المعتدلة لازال ضعيفا هناك ولا تمتلك حتى الآن مناطق سيطرة واضحة”، مضيفاً أنه بالرغم من الدعم الشعبي لهذه الفصائل قياساً بالقوى الأخرى في المحافظة إلا أنها لم تستطع امتلاك زمام المبادرة وحماية نفسها. ويعود ذلك بحسب الأسعد إلى “تشتتها وعدم وجود تنسيق فيما بينها.”

ويرى الأسعد أنّ هذا الوضع فرض على تلك الفصائل نقل مقاتليها إلى جبهات أخرى مثل اللاذقية وحماه وحلب، وبالتالي ترك فراغاً واضحاً عوضته هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام التي سيطرت على حواجز التفتيش وقامت بإدارة المنطقة.

وحول مستقبل هذه الفصائل في المحافظة، أجاب الضابط المقيم حالياً في تركيا أنّ الأمر متعلق بالقرار الذي ستتخذه تلك الفصائل وضغوط الدول الداعمة حول ما إذا كانت هذه الفصائل ستقوم بنقل كامل وجودها إلى ريف حلب الشمالي لقتال تنظيم داعش، أو أنّ الأمر متعلق بتشكيل تحالف واسع منها يعيد وجودها الفعلي وسيطرتها على المحافظة.

ما هو الجيش الوطني الذي تعده تركيا؟

في السياق ذاته نقلت مصادر عسكرية وإعلامية في ريف حلب الشمالي عن بدء السلطات التركية تجهيز مقاتلين سوريين من فصائل معتدلة، ونشرهم في مناطق سيطرة غرفة عمليات درع الفرات، التي تم تحريرها من تنظيم داعش، في محاولة لجمع أكثر من 17 فصيلاً، ودمجها ضمن قيادة مركزية منظمة، تمهيداً لتشكيل الجيش الوطني السوري بهدف إدارة وحفظ المناطق المحررة.

ويأتي هذا بعد إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل أيام قليلة، أن تركيا “تريد إنشاء منطقة آمنة محظورة الطيران شمال سوريا، وتجهيز جيش وطني ليحميها.”

وقد يشكل هذا الجيش عامل جذب لما يتبقى من الفصائل المعتدلة في إدلب، ولتلك التي خرجت من حلب لا سيما أنّ معظم الجبهات باتت ساكنة مع اتفاق وقف الأعمال العدائية الأخير بين روسيا والنظام من جهة والدول الداعمة للثورة السورية من جهة أخرى.

ومع تغير المعطيات الدولية واتجاه معظم الدول المشاركة في الملف السوري للتركيز على محاربة تنظيم داعش” تمهيداً لدخول معركة الرقة المنتظرة عاصمة التنظيم في سوريا، يرى الناشط الإعلامي في ريف حلب الشمالي مصطفى الحلبي أنّ تركيا ستسعى لزج هذه الفصائل في معركة الرقة تفادياً لسيطرة الوحدات الكردية عليها.

وأشار الناشط إلى أن تركيا تسارع الزمن لإعداد أكثر من 10000 مقاتل سوري مدربون بشكل عالي ليكون لهم دور مستقبلي في السيطرة على المناطق التي يخسرها التنظيم في سوريا، مضيفاً أنّ “الاعتماد على فصائل حلب وادلب سيكون كبيرا كونهم يملكون خبرة قتالية عالية تؤهلهم لدخول مثل هذه المعارك.”

ويؤكد الحلبي أن الفصائل العسكرية المدعومة من غرفة الموم ستواجه مشكلة حقيقية بسبب تغير مصالح الدول الداعمة لها بين تركيا التي يهممها عدم توسع الوحدات التركية وبين الولايات المتحدة الأميركية التي يهمها القضاء على جبهة فتح الشام في إدلب. إلا أن الظروف الحالية وعدم موافقة الحاضنة الشعبية على الدخول في هذه المواجهات في ظل بقاء نظام الأسد قد تمنع هذه الفصائل من المشاركة في كليهما.

وكان جيش إدلب الحر أحد أبرز فصائل المعارضة في المحافظة نفى قبل أيام قليلة ما روجته وسائل إعلامية حول وجود تنسيق مع الجانب التركي للقيام بعملية عسكرية ضد هيئة تحرير الشام في محافظة إدلب.

وختاماً تجدر الإشارة إلى أن فصائل الجيش الحر كان لها الدور الأكبر خلال الأشهر الماضية في وقف تقدم قوات النظام إلى محافظة إدلب، وفي استخلاص مناطق واسعة في ريف حلب الشمالي من قبضة تنظيم داعش، كما استطاعت هذه الفصائل طرد تنظيم جند الأقصى المنتمي لتنظيم داعش من ريفي إدلب وحماه، وهو ما يؤكد على أهمية الاعتماد عليها وعدم التقليل من شأنها.

اشترك في نشرتنا Read in English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة