مستقبل العلمانية في العراق

في عراق اليوم، تتجنب الحركات السياسية وكذلك يتجنب السياسيون الترويج للعلمانية، ومن التصريح بكونهم علمانيين؛ ومسببات هذا الأمر عديدة ومعقدة، وكذلك هي الأسباب التي أدت إلى ظهور السياسة الدينية (والهوية الدينية) في العراق بعد انقلاب عام 1958 والذي أُطيح فيه بالحكم الملكي الهاشمي. وتشتمل بعض هذه العوامل الرئيسية التي تكمن وراء اندثار العلمانية وصعود الإسلاميين على التالي: فشل وقسوة الحكومات العلمانية، بما في ذلك حكومة صدام حسين؛ وقمع الحركات السياسية الدينية؛ والحروب المتتالية؛ والعقوبات الدولية وتأثيرها على المجتمع ككل؛ و”الحملة الإيمانية” التي روج لها نظام صدام حسين في منتصف التسعينيات حيث حاول النظام تهدئة السكان الذين كانوا يعانون تحت وطأة العقوبات الدولية، من خلال تشجيع التدين؛ وأخيرا عدم إفساح المجال لحوار سياسي بين العامة.

وفي أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والإطاحة بنظام صدام حسين، لعبت الإدارة الأمريكية، متمثلة في سلطة الائتلاف المؤقتة، دوراً في التأسيس لنظام سياسي طائفي وديني عن طريق ترسيخ الدين في النظام السياسي الجديد عبر المحاصصة، وفي بعض الحالات، دعم الأطراف السياسية الطائفية والمحرضة على الانقسام، وذلك بدلاً من تعيين ممثلين علمانيين يكونوا موضع ترحيب من قبل كلا الجانبين. وعلى سبيل المثال، عينت سلطة الائتلاف المؤقتة أعضاء مجلس الحكم الانتقالي العراقي على أساس التمثيل الطائفي، وليس على أساس منظور علماني، أو تعيين اناس اكفاء مع ضمان التنوع المجتمعي.

ويبدو أن تلك العوامل المحددة المذكورة أعلاه، وربما أهمها عدم وجود حوار سياسي عام، قد أوجدت فجوة بين ما مفهوم العلمانية وكيف يُنظر إليها من قبل البعض في العراق، ويبدو كذلك أن الكثير من العراقيين يقرنون العلمانية بالإلحاد- وهو اتجاه شائع عبر المنطقة – ويعد ذلك على الأرجح نتيجة لنظرة هؤلاء للديمقراطيات الغربية ودورها في المنطقة وتصريحات بعض رجال الدين المؤثرين.

وفي مجتمع محافظ اجتماعياً ومتدين إلى حد ما، ترك هذا الأمر انطباعاً بأن العلمانية هي فلسفة غربية خبيثة، تتعارض مع المجتمع العراقي أو الإسلامي، بدل من أن يُنظر إليها على أنها لا تتداخل مع الدين في شيء، نجد انها تعتبر نقيضاً للدين وتقييداً للحريات الدينية. وقد قامت الحكومات الماضية التي عرفت نفسها بالعلمانية بتضييق الخناق على الحريات الدينية – وعلى سبيل المثال، منع الناس من تأدية طقوس ذكرى عاشوراء في كربلاء قد عزز هذه الافكار المعادية للعلمانية. وفي عام 2010، عندما وصف مرشح للبرلمان العراقي الأجندة السياسية لحزبه بأنها تفصل الدين عن الدولة، بادرت المحاورة بسؤاله على الفور إذا ما كان حزبه علمانياً؟ فأجاب المرشح بغضب قائلاً “لا نحن نؤمن بالله!” وبذلك يصف بعض السياسييين أنفسهم بالمدنية بدلاً من العلمانية، عندما يريدون القول بأنهم يؤمنون بفكرة الحد من تأثير ودور الدين.

ومع ذلك، لا تُعتبر العلمانية فكرة جديدة في العراق أو في العالم الإسلامي، ويمكن العثور على بعض من أصول الفكر العلماني الأوروبي في كتابات ابن رشد، وهو فيلسوف وعالم إسلامي متعدد المواهب في قرطبة في القرن الثاني عشر. وقد كان ابن رشد مدافعاً عن الفلسفة الأرسطية، وداعياً إلى أن كلاً من الفلسفة والدين هما وسائل بغية الوصول إلى نفس الحقيقة. وكما تعد صحيفة المدينة المنورة في صدر الإسلام مثالاً بارزاً آخر، تلك الوثيقة الدستورية التي اعتمد عليها نبي الإسلام عند دخول يثرب (والتي عرفت فيما بعد باسم المدينة المنورة)، والتي كانت مدينة متعددة الطوائف في ذلك الوقت، وكان يُنظر إلى هذه الوثيقة على أنها تحتوي على المبادئ التي بواسطتها تم حماية حقوق فردية بعينها بما فيها حرية الدين. وهناك العديد من الأمثلة والحجج الكافية التي يمكن أن تدحض ذلك التصور بأن العلمانية تتعارض مع المجتمع العراقي.

وقد يؤدي الفشل في تصحيح المفاهيم الخاطئة الحالية والحد من نفوذ الأحزاب الدينية إلى مزيد من ترسيخ تسيس الدين والطائفية في مؤسسات الدولة التي كانت علمانيةً، مثل قوات الأمن والنظام التعليمي، وهذا بدوره يمكن أن يؤدي إلى صراع سياسي مجتمعي دائم بين الطوائف المختلفة، والشعور المستمر بالتهميش لدى جميع فئات المجتمع بسبب الانتماء الديني؛ وبذلك لن تكون هناك قوة دافعة لتغيير طبيعة مؤسسات الدولة والتعيينات السياسية، والتي تعتمد حالياً بشكل رئيسي على الانتماءات والمحاصصة الدينية بدلاً من الكفاءة. ونظراً للحاجة الملحة لتحقيق المصالحة الوطنية وإنشاء مؤسسات الدولة وكبح جماح  الإرهاب، فإنه يتوجب على الساسة العلمانيين العراقيين تعزيز والدفاع عن العلمانية بشكل أكثر ضراوة وطرحها كحل انسب؛ ويمكنهم القيام بذلك أيضاً عن طريق التأييد العلني للحلول العلمانية، وعن طريق الاستدلال بدول متعددة الأعراق والطوائف مثل الهند، والتي تُحكم بنجاح من قبل حكومات علمانية، بينما تبقى الدول التي تشكل مؤسساتها بناءً على الطائفية، مثل لبنان، أسيرة التوترات المجتمعية والحكومات غير الفعالة، مما يوضح كيف أن الإرهاب لا يمكن هزيمته إلا من خلال نهج شامل، وليس عن طريق سياسات محرضة على الانقسام. وحيث يمكن للنهج العلماني المساعدة في إعادة بناء الهوية الوطنية الموحدة، وفي الحد من الطائفية وانعدام الكفاءة في مؤسسات الدولة، من خلال الترسيخ لمبدأ الاعتماد على مقياس الجدارة –خاصةً في قطاع الأمن- ومنح الفئات المهمشة في المجتمع فرصة في العراق وفي نجاح حكومتها، عن طريق دحض تصوراتهم وإنهاء مشاعر الكراهية واللامبالاة تجاه الدولة.

ويمكن أيضاً للسياسيين العلمانيين العراقيين تهدئة مخاوف المواطنين المتدينين بشأن العلمانية، وذلك بمحاولة توعية ناخبيهم بمعناها الحقيقي، والتأكيد لهم على أن اعتماد العلمانية من شأنه، في الواقع، حماية حرياتهم الدينية بدلاً من المساس بها.

وهناك دلائل بأن لدى الحركات العلمانية في العراق فرصة مواتية للتعبير للناخبين عن فلسفتهم بشكل فعال، ففي التظاهرات الأسبوعية ضد الفساد الصيف الماضي في ميدان التحرير ببغداد، كان يمكن سماع المحتجين من جميع الخلفيات الدينية والسياسية يطالبون على نحو مستمر بتعيين “حكومة مدنية“، وكما عبر بعض رجال الدين عن تفضيلهم لدولة مدنية على تسيس الإسلام. وهذا الموقف ليس بالجديد، فمنذ حوالي ثلاث سنوات، أعرب البرلمان العراقي، وكذلك البعض في المؤسسة الدينية عن رفضهم لمشروع قانون الأسرة لتبنيه مبادئ دينية قد تكون أرضية لانقسام كبير.

وقد شهدت الاحتجاجات المستمرة ضد الحكومة والفساد المستشري في الدولة رفع العديد من المتظاهرين شعارات علمانية مناهضة للطائفية ونلحظ أن الطبقة الشبابية والأجيال الأصغر سناً هى الأكثر تأييداً لمثل هذه الأفكار، ومع انه قد سُيطر على الاحتجاجات التي استمرت شهوراً من قبل السيد مقتدى الصدر، وهو رجل دين ذو خطاب ملتهب، ومن قبل أنصاره، كان ذلك مع لهجة أقل تديناً مما كنا نتوقع، حيث تبقى الفرصة متاحة للحركات العلمانية وللسياسيين لإقناع المواطنين المحبطين بسبب السياسات الطائفية والدينية، وذلك لأن العراقيين قد عانوا من حكم الاحزاب الدينية الطائفية لأكثر من عقد من الزمن مع قليل من الإنجازات. وترتبط زيادة الفساد وتدهور الوضع الأمني باستمرار وسوء إدارة الاقتصاد وبالحفاظ على الدولة الريعية التي تعتمد بشكل كبير على أسعار النفط، حيث تكون عرضة لصدمات كبيرة عندما تنخفض تلك الأسعار، وبالفشل في توفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء، ترتبط كل هذه الأمور بحكم الأحزاب الطائفية والدينية في أذهان الكثير من العراقيين.

ويمكن للعلمانيين في العراق الاستفادة من هذا الفشل، باغتنام هذه الفرصة لملء الفراغ من خلال الدعاية لأجندتهم، والتعريف بمسارهم الذي من شأنه أن يوفر الحلول لهذه المشكلات، ويمكنهم أيضاً إلقاء راية “العلمانية” واستبدالها بواحدة أقل استفزازاً مثل “المدنية”، ولكن لا تزال الأفكار هي ذاتها، والتي إذا تم نقلها بشكلٍ صحيح، فيمكن إيجاد تقبل واسع لها بين الشعب.

Read in English

صفوان الأمين

محامي دولي، ومستشار رئيس الوزراء العراقي السابق ونائب رئيس الجمهورية السابق الدكتور إياد علاوي ومعلق على الشؤون العراقية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط