مستقبل الصراع ضد تنظيم داعش

اتسعت رقعة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لتبلغ ذروتها بمساحة إجمالية تفوق مساحة المملكة البريطانية المتحدة، الأمر الذي كان له تأثيراً سلبياً من حيث القدرة على السيطرة على مساحة محاطة بالأعداء من كل الجهات.

ومع بداية عام 2016، بدأت حدود التنظيم بالانكماش عليه، وتحويلها من الشكل العدائي الجديد “الخلافة المتوسعة” إلى صيغة التنظيم الجهادي التقليدي، فيما يرى المؤمن بنظرية المؤامرة أنّ عدداً من الدول ساهمت في ذلك التوسع بغية صناعة عدو مشترك، ثم اخضاع منطقة الشرق الأوسط لحسابات جديدة.

إن تقلص مساحات التنظيم في كل من سوريا والعراق وليبيا، وصل اليوم لنقطة تحول في المنطقة، لا سيما بعد التطورات الأخيرة ودخول تركيا كلاعب صريح في القتال، وما تشير إليه الدلالات من اقتراب المعارك نحو مدن التنظيم الرئيسية في “الرقة والموصل”، ما يبشر بسقوط هيكل التنظيم الجغرافي، إلا أنّ التوقعات لم تحسم بعد بيد من ستسقط تلك المناطق، والذي لن يحسم بمعركة الرقة أو الموصل، إنما في المعارك المتولدة بعد الانتهاء من داعش.

فكل القوى الدولية المشاركة في الحرب ضد تنظيم داعش، ترى في التنظيم عدواً مشتركاً، ولكنها في الوقت نفسه تنظر إلى بعضها البعض كأعداء مرتقبين، وتشكل التنظيمات المحلية السورية الأيدي الأساسية للحروب بالوكالة بالنسبة لعداء تلك القوى. وما لا شك فيه، أنّ انكماش مناطق سيطرة التنظيم، سينتج عنه معارك قادمة أكثر تقليدية، ولكنها أشد ضراوة، وذلك بعد تجمع عناصر التنظيم في المراكز الرئيسية في الرقة والموصل بعد انسحابهم من المناطق المحيطية، وما انتهاء داعش المستقبلي في الرقة والموصل إلا باباً نحو حرب العصابات المرهقة للقوى المنظمة، ضد خلايا التنظيم التي سوف تتشكل بفلول التنظيم ذو الخبرة والتدريب العالي، وما ينتج عنه من انتقال تلك الخلايا نحو بلدان مجاورة كتونس والسعودية ومصر، في سياسة لنشر الفوضى والاقتتال.

وفيما تنظر الولايات المتحدة الأمريكية لأكراد سوريا، كشريك حقيقي يمتلك القوة لمحاربة تنظيم داعش على الساحة السورية، تعتبرهم تركيا امتدادا لتنظيم الـ PKK، الذراع المسلح لحزب العمال الكردستاني المصنف كتنظيم إرهابي في تركيا، والمعروف بعدائه التاريخي للدولة التركية، وقد أعلنت تركيا الحرب على التنظيمات الكردية بعميلة “درع الفرات” والتي صرح مسؤولون أتراك أنها سوف تقوم باستهداف جميع التنظيمات الإرهابية على الحدود السورية التركية، في إشارة واضحة للمليشيات الكردية، هادفة لكسر التواصل الجغرافي نحو إقامة دولة كردية على حدودها الجنوبية.

في العراق، ساهم التمدد الشيعي، وما رافقه من انتهاكات للمليشيات الشيعية المدعومة من الحكومة المركزية في بغداد ومن الحرس الثوري الإيراني، ومن الحكومة الأمريكية بشكل ضمني أو غير مباشر لمحاربة داعش، بحق العرب السُنة في المنطقة، في انضمام أعدادٍ كبيرة من الشباب السُنة لتنظيم داعش، كما استمرت تلك الانتهاكات الموثقة بحق السُنة في المناطق الخارجة عن سيطرة التنظيم، الأمر الذي ينذر بحرب طائفية قادمة في تلك المناطق.

إن وضع المنطقة عبارة عن سياسات مقطوعة بعضها من البعض معروف، ويخطر على البال المثل المشهور: إذا كثر الرعيان ضاع الغنم، ولم تظهر حتى بوادر التغيير في تلك السياسات لإنقاذ المنطقة. إن السؤال هنا، ماذا ستفعل عناصر داعش في حالة انهيار تنظيمها؟

التغلب على داعش عسكريا، رغم تعقيد تنسيق حركات القوات المختلفة وإدارة حرب بالوكالة، ممكن، ولكنه بعد سقوطه، سيوجد آلاف من المقاتلين المتمرسين والمتدربين في ظل قسوة الحرب، يشعرون بالإحباط وبالمرارة بعد الهزيمة، ستبحث هذه العناصر عن وسائل كي تواصل القتال.

ومنذ بداية تشكيل التنظيم، سعى جاهداً للسيطرة على المناطق المحتوية على ثروات نفطية، في نيه منه لكسر نمطية التنظيمات المعتمدة على الدعم من أشخاص أو حكومات، ومحققاً الثراء لتأمين المال والسلاح لمنتسبيه، في سعيه لمد سيطرته نحو مناطق جديدة، مستغلاً دعم الدول للديكتاتوريات في بلدان الربيع العربي، لكن ونتيجة للطبيعة الجغرافية في كل من سوريا والعراق والتي تعتبر طبيعة سهلية مكشوفة، يحاول التنظيم الآن الانتشار نحو مناطق جبلية يصعب قتاله فيها، لتشكل اليمن هدفه الجديد لعوامل الطبيعة الصعبة، وما تشهده البلاد من فراغ أمني واقتتال مذهبي، إضافة لكون اليمن بلداً منتجا للنفط ويطل على معبر مائي مهم “مضيق باب المندب”، ويعد فقد اليمنيين لمصادر دخلهم عقب الاقتتال الحاصل أحد الخزانات البشرية التي سيعتمد عليها التنظيم في مد صفوفه بالمقاتلين.

نهاية تنظيم داعش لن تكون بكم القنابل الملقاة على مناطق سيطرته، أو تشكيل التحالفات العسكرية للقضاء عليه، بقدر ما تعتمد على إنهاء الحروب الطائفية في المنطقة بكف يد إيران ومليشياتها، والقضاء على الظلم في بدان الربيع العربي.

Read in English

فراس حنوش

عضو حملة الرقة تذبح بصمت، عمل طبيب ميداني في سوريا سابقاً، وانخرط في برنامج دعم المعارضة السورية المعتدلة.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط