خمس سنوات من النزوح: من حدود لحدود

بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة السورية، ينشر مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في سلسلة من المقابلات مع المحامي أيمن جلوان، وهو أحد السوريون الذين نزحوا نتيجة اندلاع الصراع المسلح في سوريا. تلقي هذه السلسلة الضوء على الخيارات الصعبة التي يواجهها السوريون بين الموت في سوريا التي أضحت منطقة حرب، أو الهرب من الأرض التي يحبونها. في العام الماضي ودع أيمن جلوان وزوجته أسرتيهما، والتحقوا بموجات المواطنين الذين غادروا البلاد، حيث تمكنوا من الوصول لتركيا أولا، ثم احتاجوا لعبور البحر المتوسط البارد وصولاً إلى اليونان. بعد ذلك كان عليهم التعامل مع المتاجرين بالبشر في أوروبا الشرقية، وصولاً إلى واحدة من قلائل الدول التي ترحب بهم وهي ألمانيا. ويشرح أيمن جلوان في سلسلة التدوينات هذه قراره بالمغادرة، والمصاعب التي واجهها هو وزوجته خلال الرحلة، والنتائج التي ترتبت على قراره. في هذه الحلقة يسرد تفاصيل الوصول إلى آثينا، ووصول المجموعة التي كانت مسافرة معه إلى صربيا، حيث كانوا عرضة لاختطافهم من جانب العصابات الإجرامية، التي تسرق المهاجرين، وفي بعض الأحيان تقتلهم.

على متن هذه العبّارات المتجهة إلى أثينا، ينام عدد من اللاجئين في الممرات. إنه وضعٌ سيء وقاسٍ جداً. وإذا بالسيدة التي تبيع تذاكر العبّارة تُخبرني، “تستطيع أن تحصل على غرفة مقابل أن تدفع نقوداً أكثر، فيوجد هنا أسِرة ودورات مياه وأماكن مخصصة للاستحمام.” “فأخبرتها نعم، أريد غرفة.” وتسألني، “كم عدد الأفراد؟” أقول لإثنين. ثم تعود لتسأل، “هل أنتما متزوجان؟” فأرد بنعم. وتستطرد أسئلتها قائلة، “منذ متى وأنتما متزوج؟” فقلت، “منذ حوالي سبعة أشهُر. فقالت، “نعم، إذن أنتما متزوجان حديثاً.” فأجبتُ بنعم. لم أكن أعرف سبب كل هذه الأسئلة، ولكن بعد قليل عرفتُ السبب.

أعطتنا السيدة مفاتيح هذه الغرفة – لم تكن غالية الثمن، ربما بخمسة وثلاثين يورو فقط – وذهبنا إليها لنجدها حقاً غرفة خاصة، وكأنها مخصصة لقضاء شهر العسل! لقد كان عرضاً مميزاً، ليس لكل شخص، ولكن بالتحديد لنا نحن حيث يوجد سرير كبير ودُش وحوض استحمام، يوجد كل شيء. جيد جداً! لقد كان نفس السعر الذي ستدفعه مقابل الحصول على غرفة عادية. لذلك فهمتُ الآن لماذا كانت تبتسم طوال الوقت وهي تسألنا كل هذه الأسئلة. حقاً إنها لامرأة طيبة. ففي البداية كنت أفكر “ماذا تريدين مني؟ فهذا ليس استجواباً. أنا فقط أريد غرفة!” لكن بعد ذلك أدركت بأنها كانت تود مساعدتنا بالفعل.

وقد قمنا بالاستحمام وخلدنا إلى النوم. فإذا بي استيقظ على صوت أشخاص يطرقون الباب، يقولون إننا قد وصلنا إلى أثينا. أنا مندهش، تخيلوا! لقد نمنا لمدة اثني عشرة ساعة كاملة، وهي طول مدة الرحلة. وها بالفعل قد وصلنا إلى أثينا. لم أرى أي شيء من الرحلة، ولا من البحر. فقد كانت أشبه ما يكون بعرض 24 مع جاك باور حيث يحدث كل شيء بوتيرة سريعة.

وبعد أن نزلنا من العبَارة، توجه إليّ رجل بالسؤال، “متجهون إلى أوروبا”؟ فرددت، “نعم.” فقال، “نحتاج أربعة أفراد لمليء الحافلة.” فأخبرته بأننا يمكننا الذهاب معه. وبالفعل ركبنا هذه الحافلة الكبيرة، والتي أخبرونا بأنها سوف توصلنا إلى الحدود بين اليونان ومقدونيا، حيث وصلنا هناك بعد حوالي ساعتين أو ثلاث ساعات، ثم انتظرنا على الحدود لثلاث ساعات أخرى. ويوجد هناك مخيم تابع للأمم المتحدة، حيث يقومون بتسجيل الأسماء وتقديم المساعدة. فهم يمدونك بالطعام، حيث يتوجب عليك الآن استكمال الرحلة من مقدونيا إلى صربيا سيراً على الأقدام – فبعد أن تعبر الحدود اليونانية، سوف تسير عدة أميال أخرى. لذلك أخبرونا أننا يجب أن نحصل على قسط من الراحة ونشرب ونأكل. وقد أمدونا بكل ما نحتاج. هم حقاً أناسٌ رائعون.

ماذا كان بوسعنا أن نفعل؟ فبعد أن استرحنا في هذا المخيم، وفي نفس اليوم، تم تفريقنا إلى مجموعات، وعبرنا الحدود في مقدونيا، حيث نقلتنا قوات الجيش المقدونية بالحافلة إلى ميدان، حيث يوجد سيارات وحافلات أخرى عديدة، سوف تأخذك إلى الحدود بين مقدونيا وصربيا. حيث يدعونك تختار إما أن تذهب بالحافلة – رخيصة الثمن – أو أن تذهب بسيارة الأجرة. فأخبرناهم بأننا نفضل الذهاب بسيارة الأجرة، لأنها أسرع وليست مُكلفة إلى حدٍ كبير. وقمنا بجمع النقود من مجموعتنا وذهبنا مع هذا الرجل الطيب، الذي يُدعى “ليكي” من مقدونيا، ليأخذنا إلى الحدود الصربية.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

الحلقة الأولي: كيف بدأت رحلتنا

الحلقة الثانية: قطع الصلات مع الماضي

الحلقة الثالثة: لن اقاتل في جيش بشار

الحلقة الرابعة: كيف عبرنا الحدود؟

الحلقة الخامسة: ليلة في غازي عينتاب

الحلقة السادسة: موت مُحتمل في البحر 

الحلقة السابعة: النجاة في قارب غير صالح للإبحار 

الحلقة الثامنة: كل ما أريده هو الأمان

الحلقة التاسعة: التخلى عن كرامتنا الانسانية لأجل مستقبلنا

وقد كانت صربيا سيئة جداً، حيث وصلنا إلى الحدود، وأخبرونا بأن نسير عبر صربيا، وكان الطقس سيئًا جداً، والوقت متأخر، فقد بلغت الساعة الحادية عشر مساءاً. وكان يوجد وحْل ومطر، ولم نعد أنفسنا بعْد لحلول البرد. ولم تفعل الشرطة الصربية شيئاً لمساعدتنا. فكان يجب عليك أن تذهب إلى مركز اللاجئين، للحصول على أوراقك، فهذا هو القانون. وبعد أن وصلنا إلى المركز، وجدناه مغلقاً. وكان ينتظر بالخارج الكثير من الأشخاص، وسمعنا بأنه يجب علينا الانتظار حتى الصباح لنحصل على أوراقنا. ولكن أين يجب أن ننتظر؟ في هذا الجو البارد الممطر؟ وقد أتى إلينا بعد ذلك عدة أشخاص يقولون، “نحن بإمكاننا أن نأخذكم عبر صربيا إلى كرواتيا بدون أوراق، وذلك إذا قُمتم بدفع المال.” جيد، فهم يقدمون لنا ذلك العرض في منتصف الليل وفي هذا الطقس الفظيع. وبذلك قررت أن أستقل التاكسي مع مجموعتي. ولكن بعد ذلك أتانا رجلٌ أخر ليقول لي، “سمعتك وأنت تتحدث الإنجليزية، هل يمكنني التحدث إليك لمدة خمس دقائق؟” فأجبته “نعم، ولكن من أنت؟” فأجاب، “اسمي شَارْبَان”. فهو يبدو رجلاً طيباً. وتوجه إلينا بالحديث قائلاً، “يا أصدقائي، أنتم في صربيا وكل هؤلاء الأشخاص الذين يعرضون عليكم الركوب هنا ينتمون إلى منظمات إجرامية. لذلك لا يمكنكم المخاطرة معهم. فأشياء كثيرة سيئة تحدث هنا للاجئين. فهؤلاء الأشخاص يتعهدون بنقلكم إلى الحدود التالية، ولكنكم سوف تكتشفوا أن السائق قد أبرم اتفاقاً مع المجرمين الذين ينتظرونكم على طول الطريق. فيأخذون نقودكم، وربما يلحقون بكم الأذى، فلماذا المخاطرة إذن؟ يمكنكم الانتظار حتى الصباح والحصول على أوراقكم من مركز اللاجئين، ثم تستقلون الحافلة.”

وفي وقتٍ لاحق، سمعنا بالفعل عن العديد من الأشخاص الذين ذهبوا مع أفراد هذه العصابات الإجرامية، حيث تمت سرقة بعضهم، بينما قاموا بقتل البعض الآخر. ولا يمكنك أن تثق في الشرطة الصربية، لأنهم من الأساس يعملون مع المافيا!

لذلك أخبرني شَارْبَان قائلاً، “لا تذهب معهم وانتظر حتى الصباح، واذهب إلى مركز اللاجئين، وأنا أستطيع مساعدتك في الحصول على أوراقك سريعاً، فأنا أعرف الموظف المسئول هناك،” وكان هذا بالنسبة لي مساعدة من السماء. حقاً! فشَارْبَان يقول إنه لا يريد أي شيء منا، فهو فقط يساعدنا. ويطلب سائقو التاكسي الأشرار هؤلاء من كل شخص أن يدفع حوالي ثلاثمائة يورو تقريباً، لينقلوه دون أن يكون لديه أوراق. وبعد هذا، لم يكن بوسعي إلا أن أتحدث مع مجموعتي وأخبرهم بما أفكر فيه. حيث يدفعني إحساسي نحو تصديق هذا الرجل الذي يدعى شَارْبَان. ولكنهم قالوا لي بأن هذا سوف يستغرق وقتاً طويلاً، وبأنه كيف بإمكاننا قضاء الليلة بالخارج هنا؟، ولدينا نساء برفقتنا. ولا يوجد فنادق. فأيضاً، مثل اليونان، فبدون أوراق لا يمكنك الذهاب إلى أي فندق، والفنادق في صربيا محفوفة بالمخاطر.

Read in English

قامت كلودين فيبر-هوف بإجراء هذه السلسة من المقابلات.

أيمن جلوان

هو اسم مستعار لحماية هوية الكاتب، وهو محامٍ سوري يعيش الآن في ألمانيا كلاجئ مع زوجته.