نحو استراتيجية أمريكية متكاملة في سوريا والعراق

نحو استراتيجية أمريكية متكاملة في سوريا والعراق

اشترك في نشرتنا

فيما يلي كلمة السفير فريدريك هوف، مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، في المنتدى البرلماني لحلف الناتو، والذي انعقد في جامعة الدفاع الوطني في 11 ديسمبر/كانون الأول 2017، ركز المنتدى هذا العام على تطوير سياسة الولايات المتحدة في سوريا والعراق.

إلى نص الكلمة:

طُلَب من أن أناقش تطوير النهج الأمريكي في التعامل مع العراق وسوريا. سأحاول أن أفعل ذلك بأقصى قدر مستطاع من الدقة والإيجاز. الإيجاز لن يكون مشكلة، لكن الدقة أمر آخر. فأنا قد خرجت من الحكومة منذ خمس سنوات، وبالرغم من أنني على اتصال مع الزملاء السابقين وأحاول أن أقدم أفكاراً حول الأهداف والاستراتيجيات، إلا أنني أدعي معرفة قرارات القائد العام حول قضايا رئيسية فيما يتعلق بسوريا والعراق.

ما أعتقد أنني أعرفه هو أن إدارة ترامب ترى العراق وسوريا بوصفهما انعكاس للتدخل الإيراني العسكري. حتى وقت قريب كان هذا المنظور يركز على تنظيم الدولة الإسلامية وخلافته. لكن مع تقلص أبعاد حدود الخلافة بنسبة 95%، فإن التركيز الآن على إيران. أعتقد أن الإدارة سوف توضح الأهداف العامة المتعلقة بالأمن القومي في العراق وسوريا، والتي تتلخص في تحييد التدخل الإيراني السياسي ومنع الجسر الأرضي الذي تستخدمه من العراق عبر سوريا لتصل إلى وكيلها الأول في العالم العربي حزب الله.

السؤال الرئيسي، كما هو واضح، يتعلق بالاستراتيجية والتطبيق. ومن الواضح أن هناك إصلاحات على المدى القصير.

النفوذ الإيراني في العراق تزايد بشكل مطرد منذ عام 2003، وقد استغل غزو تنظيم داعش للعراق في عام 2014. في سوريا، فإن إيران تتفوق على روسيا كداعم خارجي الأساسي لنظام الأسد والذي يبدو الآن مؤمّن سياسياً. ترى طهران في الحفاظ على الأسد أمر ضروري لحماية حزب الله، إذن: كيف يمكن لإدارة ترامب أن تحاول، عبر الوقت، تحييد أو تقليص النفوذ الإيراني في البلدين؟

في المجلس الأطلنطي قمنا للتو بالبدء في مبادرة حول العراق لمدة أربع سنوات، هذه المبادرة تتابع العمل الذي بدأ مع مجموعة عمل مستقبل العراق، والتي قادها السفير ريان كوكر. تحدد مجموعة العمل أهداف الولايات المتحدة بـ عراق مستقل ومستقر ومزدهر، متوحد في سلام مع حدوده ومع جيرانه، الامر الذي يعكس نظام حكم شرعي وفعال، ويميل بشدة للتعاون مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وأشك أن إدارة ترامب سوف تختلف مع هذه الأهداف.

تقترح مجموعة العمل أن تعتمد استراتيجية الولايات المتحدة على خمس نقاط:

أولا: الالتزام العلني بالانخراط مع العراق على المدى الطويل.

ثانيا: مساعدة العراق على تحسين الأداء الحكومي وتقليص الفساد.

ثالثاً: مساعدة العراق على تقوية اقتصاده.

رابعا: الاستمرار في التواجد العسكري عقب هزيمة تنظيم داعش من أجل المساعدة وتقديم المشورة والتدريب والإمداد لقوات الأمن العراقية.

وأخيرا، العمل مع بغداد وأربيل لمساعدة الحكومة المركزية وحكومة كردستان على حل النزاعات القائمة.

هذه النقاط باختصار تعني العمل على تقوية دولة العراق ومؤسساتها الأمنية الرسمية، والعمل على ذلك بالتعاون مع الحلفاء.

ما أشعر به هو أن إدارة ترامب تتحرك في اتجاه متسق مع هذه التوصيات. لكن علينا أن نضع في أذهاننا وصف تشرشل لموسوليني: شهية كبيرة، وأسنان ضعيفة. فالتزام طويل المدى متعدد الأوجه في العراق – حتى مع شركاء ناشطين – سيكون عبئا دبلوماسيا ثقيلا. من الذي سيقوم به؟ لا شك أن وزير الدفاع ماتيس يفكر في العراق حين يدعو لتعزيز عناصر القوة الأمريكية، ليس فقط على المستوى العسكري.

في سوريا، ورثت إدارة ترامب سياسة كارثية. حرصت إدارة أوباما على عدم استبعاد إيران من أجل الاتفاق النووي، وفي سبيل ذلك تخلت عن حماية المدنيين السوريين من القتل الجماعي وحملات العقاب الجماعي من قبل نظام الأسد. أنتجت حرب نظام الأسد على المدنيين، إلى جانب تخطي كل الخطوط الحمراء، كوارث متعددة في سوريا وما بعدها. إذن فالنتيجة الرئيسية هي الكارثة الإنسانية الأسواء في القرن، وتقديم سوريا كفريسة سهلة لتنظيم داعش وجماعات طائفية أخرى، وأزمة مهاجرين تهدد الاستقرار السياسي في أوروبا، والوجود العسكري الروسي في سوريا وما بعدها، والخسارة الأمريكية والأوروبية الخطيرة للمصداقية، ودولة سورية محاصرة تقع في يد إيران.

إن عدم الشرعية السياسية، الناجمة عن احتقار صريح لرضاء المحكومين، فتحت في كل من العراق وسوريا مجالا لاختراق اللاعبين الطائفيين من السنة والشيعة. ففي العراق، ومنذ سبتمبر/أيلول 2014، كان للولايات المتحدة حظ في العمل مع رئيس وزراء محترم وبعض الوحدات العسكرية المحترفة. في سوريا، كان هناك سلوك قاتل للحكومة مما فتح المجال أمام التطرف، وكانت القوات البرية التي تحارب الخلافة بالأساس تحت قيادة المسلحين الأكراد، مما أدى إلى سخط تركيا. مع أفول نجم الخلافة، فإن السؤال الآني المطروح الذي يواجه واشنطن هو ما الذي يمكن فعله مع الأراضي السورية شرق نهر الفرات والتي تم تحريرها من الخليفة المزيف؟

يبدو أن الإدارة تريد الاحتفاظ بنهر الفرات كمنطقة خالية من النزاع بين قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة ونظام الأسد، والذي يعتمد على الميليشيات المدعومة من إيران. قال المسئولون الأمريكيون مؤخرا أنه ليس هناك عجلة لرحيل المستشارين العسكريين الأمريكيين من شرق سوريا. من الواضح أن واشنطن ترى أن حلول قوات نظام الأسد والميليشيات المدعومة من إيران محل الدولة الإسلامية سيجعل من شرق سوريا عرضة لتجدد التطرف الإسلامي السني إلى جانب تسهيل تحقيق أهداف إيران الإقليمية.

حقيقة، فإن الإدارة ربما ترى شرق سوريا في إطار أوسع من إحلال الاستقرار عقب انتهاء الصراع وتحريره من الأسد وإيران. إن إدارة ترامب لديها ممارسة مستمرة وموروثة من سابقتها في إدانة اعتداءات نظام الأسد والدعوة إلى إحلال السياسة الانتقالية المتفاوض عليها والتي يمكن أن تجعل سوريا تتخطى الأسد وأسرته وحاشيته. لهذا الهدف، فإن الإدارة أعلنت أنها تدعم مفاوضات السلام في جنيف تحت إشراف الأمم المتحدة. ربما تحسب أنه إذا تم حرمان نظام الأسد من المنطقة الشرقية ومواردها من النفط، ربما تستطيع الولايات المتحدة كسب نفوذ أبعد من النداء اللفظي الداعي لتنحي الأسد.

أوضحت الإدارة أنها تعارض برنامج إعادة الإعمار على نطاق كامل في سوريا طالما أن الحكومة السورية في يد أسرة الأسد وحاشيته. كما أصدر مركز الحريري الذي أترأسه تقريراً يضع استراتيجية لإعادة الإعمار تركز على المناطق التي لا تقع تحت سيطرة النظام، إنه تحد معقد وشاق.

أخيراً، أتشكك في أن إدارة ترامب تتابع بشكل يومي أخبار الحدود التي تلتزم بها روسيا للمساعدة في سوريا. يؤكد المسئولين في الإدارة للمتابعين أن روسيا وإيران لديهما تاريخ طويل من العداوة وأن روسيا تريد إعادة الإعمار بشكل كبير يصل إلى حد استعدادها لتخطي الأسد. تقوم الطائرات الروسية بلا اكتراث باختراق المجال الجوي السوري شرق الفرات، مما يعرض طائرات التحالف والقوات البرية الشريكة للخطر. أخشى أن هذا سيؤدي لحادث خطير.

ما يبدو واضحا أن الرئيس بوتين يشعر بارتياح مع إدارة إيران لسوريا عبر الأسد، مما يساعده في ادعاء – من أجل الاستهلاك المحلي – أنه قد هزم الولايات المتحدة في سوريا. ما أعلن عنه بوتين حول انسحاب قواته من سوريا يهدف إلى إقناع الروس بأمرين قبل أول جولة لانتخابات الرئاسة في مارس 2018: أن روسيا انتصرت وأنها ستتجنب السقوط في مستنقع. لا أتوقع أن أرى انسحابًا روسيًا يذكر من الأراضي السورية في وقت قريب، على الأقل حتى يتمكن الأسد من السيطرة على كامل البلاد، وهو أمر إشكالي.

إن تأسيس الشرعية السياسية في العراق وسوريا سيكون صراع أجيال، والعراقيون والسوريون هم الوحيدون المسئولون عن النتائج. أوضح الرئيس ترامب معارضته لقيام الولايات المتحدة بـ”بناء الأمة”. إلا أنني أظن أنه يدرك الحاجة لالتزام طويل الأمد من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في العراق وسوريا. وهذا، في ظني، هو العنصر الأهم لتطوير نهج واشنطن حيال هذين البلدين.

اشترك في نشرتنا English

فريدريك هوف

مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الصراع السوري. وهو خبير بارز في قضايا الشرعية السياسية في سوريا والشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

النص النهائي للقانون لم يتم تمريره بعد، لكنه بالفعل خلق حالة من التخبط والنقاش فيما يتعلق بمستقبل السكان المغاربة، الذين يتساءلون عن كيف ستؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية إلى مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة

خيارات مصر في تنمية السد الأثيوبي

في عام 2013، اعتراف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن نهر النيل أصبح بصورة سريعة أكبر تهديد لأمن مصر. على الرغم من جهودها الدبلوماسية في مختلف الدول في الإقليم

بعد ثلاث سنوات: تطور التدخل العسكري الروسي في سوريا

اليوم منذ ثلاث سنوات بدأ التدخل الروسي في سوريا، هذا التدخل الآن يشير إلى استمرار زيادة النفوذ الروسي في سوريا، خاصة في سياق مناطق خفض التصعيد وعملية الاستانة للسلام، ومؤخرا المناطق منزوعة السلاح في محافظة إدلب.