هشاشة قصة النجاح التونسية

تعتبر تونس وفقاً لمعظم المراقبين بمثابة قصة النجاح الوحيدة للربيع العربي، وذلك بالمقارنة مع الأوضاع الكارثية في ليبيا واليمن وسوريا، وكذلك الوضع المتزايد تعقيداً في مصر، فنجاح تونس يبدو كحقيقة واضحة.

وبالرغم من ذلك، ففي الواقع لوحظ أن هذا الاستثناء الواضح لتونس قد أحيط بإطار هش للغاية. فبعد التوافق السياسي الذي تم تحقيقه بشأن الأزمة السياسية في عام 2013، اشتعل الوضع مجدداً بإغتيال إثنين من القيادات العلمانية رفيعة المستوى، تبعه خروج مظاهرات شعبية واسعة، تطالب بتنحي حكومة النهضة المنتخبة، وتعديل الدستور – والذي يعد أكثر الدساتير تطلعاً في المنطقة، وعقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية في عام 2014، وعُد ذلك مؤشراً على نجاح عملية التحول السياسي في تونس. ولكن قوبل هذا النجاح بالأداء السلبي للإقتصاد، والذي وفقاً للعديد من المراقبين يعد في حالة ركود عميق ويحتاج إلى إصلاحات حاسمة وقوية. فقد ركزت النخب التونسية تماماً وبشكل كامل على التوصل إلى توافق سياسي، والتغلب على الاستقطاب الأيدولوجي بين الإسلاميين والعلمانيين الذي هدد بشقّ وحدة الصف الوطني، بينما أهملوا الجانب المتعلق بالاصلاحات الاقتصادية.

بسبب الإهمال على مدار عقود طويلة، تحتاج تونس إلى اصلاحات اقتصادية عميقة، ومن المرجح أن الطبقة السياسية الكبيرة في تونس- التي تبدو متهيبة من صعوبة هذه الإصلاحات الاقتصادية، بالإضافة إلى الخوف من رد الفعل الشعبي الغاضب – لم تتناول هذه المسألة بالقوة والحسم المطلوبين. 

وفي نفس الوقت، أسفرت التطورات السياسية الأخرى في تونس عن مؤشرات مقلقة، أبرزها الانقسام داخل حزب الأغلبية النسبية “نداء تونس،” الأمر الذي دفع الأمين العام السابق للحزب “محسن مرزوق” لترك الحزب وتأسيس حزبه السياسي “مشروع”. مما أدى إلى وضع غريب حيث لم يعد “نداء تونس” هو حزب الأغلبية، ولكنه لا يزال ممثلا بأكبر عدد من أعضاء الحكومة. والحزب الأخر في التحالف الحكومي –حزب الاتحاد الوطني الحر- يجد نفسه أيضاً في أزمة، حيث تركه عدد من أعضائه للإنضمام لحزب نداء تونس. بينما لا تزال أسباب هذه الانشقاقات غير واضحة، وتدور الشائعات عن استخدام مبالغ مالية لتشجيع هذه الانشقاقات، ومجرد وجود مثل هذه الشائعات يلمح إلى شبهات فساد، والتي تضعف من الائتلاف الحاكم بقوة. بالإضافة إلى ذلك، يبدو الحزب الرابع في الائتلاف – “حزب آفاق تونس” – غير قادر على تحديد هوية لذاته أو برنامج، وأن يقرر إما مواصلة الدعم للحكومة الموجودة أو الانضمام للمعارضة.

كل ما سبق ذكره من حقائق أو شائعات يرسم صورة للهشاشة السياسية الشديدة التي تتعارض مع مفهوم النجاح السياسي في تونس. وحالياً تدور الشائعات حول استقالة مُحتملة لرئيس الوزراء حبيب الصيد، بسبب هذا الوضع الغامض الذي نتج عن انتشار الصراعات السياسية. والدليل على احتمالية انهيار الحكومة هو حقيقة أنها تجد نفسها يومياً في موقف أضعف من ذى قبل، عند اتخاذ القرارات أو إقتراح القوانين. وذلك بسبب ضعف الدعم من قبل المجموعات السياسية في البرلمان، نتيجة للموقف البرلماني المفتت على نحو متزايد.

وبهذا، يمكن لضعف تماسك الجهات السياسية الفاعلة أن يكون أكثر خطورة من المتوقع، حيث يخلق هذا الضعف فراغاً في السلطة السياسية، والذي يمكن ملئه بسهولة من قبل جهات فاعلة ذات نوايا سلبية مثل أعضاء من النظام السابق ومتعاطفين معه، والذين يمكن أن يجدوا في ذلك فرصة لاستعادة سلطتهم المفقودة، من خلال التشديد على ضرورة عودة “الأيام الخوالي” الأكثر أمناً واستقراراً على حد وصفهم. وبهذا يُفتح الباب أمام عودة الاستبداد، بحجة عودة النظام إلى البلاد، بعدما انجرفت البلاد نحو عدم الاستقرار، بسبب الفساد وأنشطة العصابات الإجرامية والإرهاب.

ولكن لا توصف كل التطورات السياسية التونسية الأخيرة بالسلبية. ففي مقابلة أجريت معه مؤخراً، أعلن راشد الغنوشي – زعيم حركة النهضة التونسية – عن قيامه بإضفاء الطابع الرسمي على الفصل بين النشاط السياسي للحزب وبين الدعوة الدينية، وذلك في المؤتمر العاشر للحزب في رادس من 20-21 مايو. وصرح الغنوشي في المقابلة بأن هذا التغيير يعد جزءاً من محاولة إبعاد حركة النهضة عن الجماعات الاسلامية المتطرفة، مستشهداً بتنظيم داعش كمثال على مثل هذه الجماعات، وكذلك عازياً هذا القرار إلى الرغبة في نجاح عملية التحول الديمقراطي في تونس. على الأرجح يُعد هذا الفصل بين الحزب والحركة الدينية بمثابة محاولة لإبعاد الحزب عن إطار الإسلام السياسي، مما يجعله في موقف أفضل عند الانخراط مع حزب نداء تونس والأحزاب العلمانية الأخرى في ائتلاف حكومي واحد. 

وتأتي علامة إيجابية أخرى من إنجاز المحادثات الطويلة بشأن الإنتخابات البلدية والمحلية، والتي كان من المقرر عقدها في أكتوبر 2016 ولكن تم تأجيلها إلى أواخر ربيع عام 2017. فمن ناحية، ربما يعتبر هذا أمراً سلبياً، حيث يدل على عدم وجود اتفاق بين الطبقة السياسية بشأن تفويض الصلاحيات وإعادة هيكلة السلطة السياسية، التي ستأتي مع هذه الانتخابات. ومن ناحية أخرى، ربما يُنظر لهذا التأجيل بإيجابية، لكونه يُمهد الطريق لهؤلاء الأعضاء من النخبة السياسية المعنيين بنجاح مشروع الاصلاح السياسي، لكسب الوقت من أجل تعزيز نقاش عام أوسع وأكثر عمقاً، خصوصاً داخل المجتمع المدني. وهذا من شأنه أن يسمح لهم بتحقيق التوافق الضروري، للوصول إلى نتيجة ناجحة، وهي الانعقاد الفعلي للانتخابات، وتحقيق رؤية مشتركة بشأن لامركزية النظام السياسي التونسي.

ويمكن أن ينظر إلى هذه التطورات السياسية على أنها صُنع لسياسات صحية، وإعادة صياغة مستمرة للجماعات السياسية كنهج طبيعي في أي نظام برلماني. ومع ذلك، يمكن للمشاكل الأمنية والاقتصادية – والتي تفاقمت بسبب فقدان هيئات ديمقراطية قوية مثل كيانات صحفية احترافية ومتدربة جيداً أو مجتمع مدني متماسك كانت ممكن أن تقوم بدور الرقيب- أن تقوض العملية السياسية وتفاقم من هشاشة العملية الانتقالية التونسية.

بينما يركز المجتمع الدولي جهوده على محاولة مساعدة تونس في التغلب على صعوباتها الاقتصادية والأمنية. فقد قامت الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بتدريب قوات الأمن التونسية وإمدادها بأسلحة جديدة، ومن المتوقع تقديم مزيد من المساعدات. فهم يقومون بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بمناقشة آليات تمويل ودعم الاصلاحات الاقتصادية التونسية الملحة. ويُعد التركيز على هذه القضايا صحيحاً ومنطقياً. ولكن لا يجب لهذا أن يثني المجتمع الدولي عن مواصلة التركيز على أهمية تعزيز العملية السياسية التونسية. فيجب منح مزيد من الاهتمام نحو تعزيز عمل البرلمان والمؤسسات الديمقراطية الأخرى، عبر تدريب الموظفين والتبادل البرلماني والتعاون فيما بين البرلمانات. ويجب أيضاً بذل الجهود لتطوير قطاع الاعلام التونسي وخاصةً القدرات الاستقصائية لأعضائه. ويجب على الفاعلين الدوليين الاستمرار في الانخراط والعمل مع وتعزيز المجتمع المدني التونسي الناشئ. من خلال القيام بهذا، يكون المجتمع الدولي قد مكّن الجهات الفاعلة المؤيدة.

Read in English

كريم ميزران

هو كبير باحثين في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على عمليات التغير في منطقة شمال افريقيا.