العلاقة المتصدعة بين الطائفة العلوية ونظام الأسد

العلاقة المتصدعة بين الطائفة العلوية ونظام الأسد

اشترك في نشرتنا

لم تعد الطائفة العلوية، وهى طائفة مسلمة تنحدر منها عائلة الأسد، قاعدة دعم رئيسية لنظام الأسد. تشير التقديرات الحالية لطائفة العلوية أن نسبتهم تصل لنحو 10% من مجموع عدد السكان البالغ 22 مليون نسمة. تاريخياً، قام النظام بتفضيل العلويين بإعطائهم مناصب عسكرية وأمنية داخل الحكومة، وهو الأمر الذي ضمن لهم سلطات للتأثير عبر أنحاء البلاد.

هذه الزبائنية حرمت الطائفة العلوية، المقموعة تاريخياً، وساهمت في مزيد من عزلتها عن بقية المجتمع السوري. العلويون، بأي حال، ليسوا مجموعة بريئة، حيث أن الكثير منهم استغلوا مكانتهم المتميزة في الحكومة والقوات المسلحة. كان العلويون جناة في الجرائم التي تم ارتكابها ضد المدنيين، حيث أنهم يشكلون الغالبية العظمى من شبيحة نظام الأسد – وهى عصابات هدفها ترويع المجتمع واجبارهم على الرضوخ للأسد.

العزلة التي فرضها العلويين على أنفسهم ودعمهم القوي للنظام ضمن لهم أمنهم، إلا أنه وضع الطائفة تحت تهديد. أتى ولائهم للأسد بثمن كبير، حيث أصبحوا هدفاً لانتهاكات حقوق الانسان نظراً لصلاتهم بالنظام. بالإضافة إلى الانتهاكات من جانب مجموعات المعارضة، دأب أيضا النظام على سوء معاملة العلويين على المستوى العسكري والقانوني. ولذلك ليس من المفاجئ تغير ولائهم السياسي.

بعد سبع سنوات من الصراع، ليس هناك مجتمع سوري لم يتأثر بهذا الصراع، حتى العلويين المفضلين من جانب النظام. بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي، تعرض العلويين للخطف وعمليات القصف. هذه الدعم الطويل لم يعد يتماشي مع أفعال نظام الأسد. بدأ يتنامى سلو ك معارض في أوساط الطائفة العلوية، حيث تم تأسيس حركة أحرار العلويين. قامت الحركة بنشر وثيقة تعلن انفصالها عن نظام الأسد، وتظاهرت أمام السفارة الروسية. انقسمت الطائفة العلوية نتيجة لذلك. كما أن تكتيكات المعركة الحالية زادت من انقسام الطائفة العلوية على خطوط طبقية.

عسكرياً

يتراجع دعم الطائفة العلوية نتيجة للانتهاكات وسوء المعاملة على أيدي النظام، والذي يضحى بأعضاء المليشيات من الطبقة الدنيا أو المدنيين من العلويين، ويضعهم في الخطوط الأمامية في المعارك الاستراتيجية. تشير الدلائل إلى أن 10% من الشباب العلوي قُتل نتيجة الصراع.

مؤخراً، في سياق الحملة الوحشية التي ضربت دوما في العام الحالي، والتي تبعها اتفاق بواسطة روسية، طبقاً لهذا الاتفاق، يتم الانسحاب الآمن للمقاتلين وعائلاتهم من شمال سوريا في مقابل إطلاق سراح رهائن. هؤلاء الرهائن، غالبيتهم من العلويين، تم أسرهم من جانب جبهة النصرة وجيش الإسلام. كان قد تم اسر هؤلاء في ديسمبر/كانون الأول أثناء المعارك مع النظام السوري.

في الرابع من شهر أبريل/نيسان، نقل تلفزيون النظام السوري بثاً مباشراً لاستقبال أربع حافلات تقل المختطفين من أبناء الطائفة العلوية (غالبيتهم من الأطفال والنساء) من مداخل مدينة دوما. نقل جيش النظام السوري هذه الحافلات إلى صالة الفيحاء الرياضية وسط العاصمة دمشق للقاء مئات العائلات التي كانت بانتظار أبنائهم. العديد من الرهائن ما يزالوا في عداد المفقودين، حيث تشير بعض التقارير إلى أن جبهة النصرة وجيش الإسلام كان قد اختطف حوالي 7500 مدني.

نتيجة لهذه المشاعر والتغطية الإعلامية لعودة الرهائن، يعتقد بعض السوريين أن الهجوم الكيمائي على دوما (التي كانت في السابق مقر جيش الإسلام)، الذي حدث في الرابع من أبريل/نيسان الماضي، كان للانتقام لعمليات اعدام العلويين على يد عناصر جيش الإسلام وفيلق الرحمن. هذا الزعم لم يتم التأكد منه. أكد تاجر سوري – رفض ذكر اسمه – أن الرغبة في الانتقام لدى العلويين ما تزال موجودة.

قانونياً

بالإضافة إلى الانتهاكات العسكرية، هناك أمور قانونية مرتبطة بالجثث وشهادات الوفاة ما تزال تعاني منها الطائفة العلوية. من أجل تهدئة المشاعر العامة، قامت قوات النظام بنقل جثث الجنود العلويين من المقابر التي تركها جيش الإسلام في دوما. هذا سمح لعائلات الضحايا بدفن موتاهم كشهداء – وهو مسمى خاص يضمن للعائلات مزايا عسكرية تمكنهم من الحصول على مساعدات مالية.

العديد من العلويين يشاركون صدمتهم في كيفية استخدام هذا المسمى – الشهيد – في الواقع. نشر بسام يوسف، أحد أبناء الطائفة العلوية ومعارض للنظام السوري، قصة صغيرة على صفحته على فيسبوك يسرد فيها بالتفصيل تجربة عائلة علوية لم تستلم جثة ابنها، والذي يُعتقد انه قد خدم وقتل في سبيل النظام في دوما، ولكن جثته كانت لشخص أخر.

“منذ أربع سنوات اتصل أحد ما بالأب، وبعد مقدمة طويلة عن الوطن والقائد والمؤامرة، أخبره أن ابنه الذي يخدم الجندية قد استشهد في معركة من معارك “البطولة والفخر.” ثم أخبره أن الجثمان سيصل غدا مع جثامين أخرى لتدفن في مقبرة الشهداء. في اليوم التالي توجهت العائلة والأقرباء وأهل الحارة وجمع كبير إلى المقبرة. دفنت الجثامين التي وصلت داخل توابيت ملفوفة بالعلم السوري… كانت الأم تجلس بجانب التابوت الذي سجل عليه اسم ابنها وتبكي، وتتوسل للجنود المحيطين بالتابوت أن يسمحوا لها ولو بنظرة واحدة على جسد ابنها قبل دفنه، لكنهم رفضوا. منذ أربع سنوات والأم تزور قبر ابنها لساعات طويلة تقضيها في الكلام والبكاء والشوق والصمت بجانب قبر ابنها.” حتى اكتشفت الأم أن هذه الجثة ليست جثة أبنها.

يقوم النظام بإساءة معاملة الطائفة العلوية بطرق أخرى. في تصريحات لمدونة مصدر سوريا، أكد محامي علوي – فضل عدم ذكر اسمه – أنه عقد مقابلات مع عشرات الأمهات من أبناء الطائفة العلوية يتهمن الدولة بسبب المعاملة السيئة خلال محاولتهم الحصول على الأوراق والمستندات التي تؤكد وفاة ابنائهن.

في اللاذقية، العشرات من الأمهات تسافر بشكل يومي إلى محكمة المدينة من أجل استخراج شهادات وفاة لأبنائهم الذين سقطوا في المعارك لإثبات أن هم شهداء. هذه الجهود تهدف إلى الحصول على دعم مالي من الدولة، باعتبار ذلك حق قانوني يقره القانون السوري. على الرغم من ذلك، لم تتمكن الأمهات من استخراج هذه الشهادات بسب تعنت الضباط والإداريين في كل خطوة. هؤلاء الأمهات ينتظرن في طوابير طويلة، ولم يتمكنوا من استخراج هذه الشهادات، أو تم اجبارهم على دفع رشاوى والتي نادراً ما ينتج عنها شيء.     

السخط السياسي

نتيجة للمشاكل القانونية والأمنية المستمرة، المزيد والمزيد من العلويين أصبحوا متشككين في نظام الأسد. فانتهاكات حقوق الانسان المفزعة على نطاق الدولة اضافت فقط إلى قائمتهم الطويلة من المظالم.  

يقول الصحفي اليمار اللاذقاني، صحفي سوري يعيش في مدينة طرطوس أحد معاقل الطائفة العلوية “هناك من يرى المصالحات التي يجريها النظام السوري حل، وهناك من يعتقد بضرورة وجود عملية سلام كاملة، وهناك من يثق بالروس وبخططهم تجاه سوريا، وهناك الكثير من المتشائمين حيال مسار التسوية الحالي لما يتضمن من ترسيخ للنظام القمعي والقفز فوق أكبر جرائم القرن الحادي والعشرين وانهيار النظام العالمي لحقوق الانسان في سوريا”.

وبدأت تظهر تيارات داخل الطائفة العلوية تنادي بحلول أخرى غير عسكرية كالمصالحات. يبدو أن الطائفة العلوية لم تعد قادرة على المضي في دعم النظام في هذه الحرب التي يصفها الجميع بأنها مؤلمة. يؤكد اليمار أن العلويين كانوا على رأي واحد فيما يتعلق بالتأييد المطلق للأسد ولسياساته، أما الآن فإن الأمور لم تعد كما كانت.

بعد سبع سنوات من الصراع، العديد من أعضاء الطائفة العلوية محبطين من النظام السوري، يعاني هؤلاء من سوء المعاملة. وعلى الرغم من تأكل دعم البعض للنظام، فإن الغالبية من العلويين ما يزالوا يدعمون النظام خوفا من انتقام المجموعات المتطرفة. إن احتمالية فقد دعم العلويين هي مؤشر أخر على سوء ما قام به النظام من أجل ضمان بقائه. في حين أن التأثيرات طويلة الأمد هي فقدان الأيمان من جانب طائفته وفي بعض الأحيان رفض النظام نفسه.

اشترك في نشرتنا English

سليم العمر

صحفي سوري مستقل يكتب للجزيرة والقدس العربي والعربية وعربي 21.