الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

اشترك في نشرتنا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

تتزامن هذه الاجراءات مع ترديد الحكومة التركية لتصريحات عن تحضيرها لترحيل المزيد من اللاجئين السوريين إلى بلادهم. حيث أكد الرئيس رجب طيب أردوغان قبل مدة أن حل مشكلة عفرين وإدلب يدخل في هذا الباب، أي “عودة إخوتنا اللاجئين إلى ديارهم”، مضيفا “لا يمكننا الاحتفاظ بـ 3.5 مليون لاجئ إلى مالا نهاية”.

استهداف اللاجئين

سياسة الأبواب المفتوحة التي اعتمدتها تركيا لاستقبال اللاجئيين السوريين الفارين من الحرب واعتبارهم ضيوفاً منذ عام 2011 انتهت فعلياً قبل أكثر من ثلاثة أعوام، حيث تم إغلاق المعابر التركية الحدودية في وجه اللاجئين باستثناء الحالات الخاصة، مثل حالات الاسعاف الخطرة، والأمراض التي لا يتوفر علاجها في سوريا، كما سمحت السلطات التركية لفترة محدودة بعمليات لم الشمل العائلي.

تقف أسباب وراء تغير موقف تركيا من اللاجئين السوريين، منها الضغط الاجتماعي المتزايد، واستخدام المعارضة المستمر لورقة اللاجئين ضد حزب العدالة في كل انتخابات، كما حدث في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة. حيث يتم باستمرار ربط المشاكل الاقتصادية التي تمر بها تركيا باستضافة اللاجئين السوريين. يضاف إلى ذلك، العامل الاقليمي المتمثل في رغبة تركيا في استخدام قضية اللاجئين للتدخل في سوريا، وتوفير مناطق آمنة لهم كسبيل لحفظ أمنها القومي، وانهاء وجود القوى الكردية المناوئة لها، فضلاً عن القضاء على تنظيم داعش. وهناك أخيراً العامل الأمني المتمثل في رغبة تركيا في في القضاء على فوضى انتشار السلاح، وضبط الأوضاع الأمنية على حدودها الجنوبية.

وفي سبيل منع تدفق اللاجئين السورين عبر الحدود، شرعت تركيا في عام 2015 في بناء جدار عازل اسمنتي يمتد على طول الحدود، كما نشطت السلطات التركية في ملاحقة الفارين السوريين إلى داخل البلاد بشكل غير شرعي وترحيلهم بشكل قسري.

المئات من اللاجئين السوريين ماتوا أثناء محاولتهم العبور إلى تركيا، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إنّ “قوات الدرك التركية (الجندرما) مسؤولة عن مقتل 400 سوريا على الأقل منذ اندلاع الثورة السورية قبل سبع سنوات”. وأوضح المرصد أنّ “من بين الضحايا الذي سقطوا وهم يحاولون عبور الحدود، 74 طفلا دون سن 18 عامًا، و36 سيدة”.

ترحيل قسري

من جهتها، اتهمت منظمة “هيومن رايتش ووتش” في تقرير صدر عنها في مارس/آذار الماضي حرس الحدود التركي باستهداف اللاجئين السوريين الذين يحاولون العبور بالرصاص، وترحيلهم بشكل قسري رغم وصول بعضهم إلى مدينة أنطاكيا (والتي تبعد 30 كم عن الحدود السورية).

ورغم نفي السلطات التركية استهدافها للاجئين وترحيلهم قسرياً، إلا أن تقريراً لصحيفة الجارديان البريطانية عرض شهادات للاجئين سوريين تحدثوا عن وجود مركز للاعتقال المؤقت يسمى الفرع 500 في مدينة أنطاكيا يضم قرابة 750 معتقلا، وكل زنزانة تضم ستة أشخاص. كما أكدوا قدوم حافلات بشكل منتظم تضم من 20 إلى 30 شخص أتت بهم من مدن أخرى لتقتادهم إلى الحدود.

منذ آواخر 2017، أوقفت السلطات التركية في إسطنبول و9 محافظات على الحدود السورية أو بالقرب منها تسجيل طالبي اللجوء السوريين الذين وصلوا مؤخرا. ومنذ ذلك التاريخ تقوم دوريات الشرطة التركية بالتفتيش الدائم في الأماكن العامة، والمنتزهات، ويرحل أي سوري لا يحمل بطاقة حماية أو إقامة رسمية. يؤدي وقف التسجيل هذا إلى عمليات ترحيل غير مشروعة، وإعادة قسرية إلى سوريا، والحرمان من الرعاية الصحية والتعليم.

وفق شهادات لاجئين سوريين، زادت حواجز التفتيش والدوريات في منطقتي أسنيورت وأكسراي في اسطنبول وهي مناطق تشهد انتشارا كبيرا للاجئين، وقامت الشرطة التركية خلال عدة أيام بترحيل مئات المخالفين –الذين لا يحملون منهم بطاقة حماية أو إقامة رسمية- إلى سوريا قسرا.

يقول عمر صباغ – في تصريح لمدونة مصدر سوريا – وهو أحد اللاجئين السوريين المقيمين في أنطاكيا جنوب تركيا، إنه تزوج قبل عام بعد وصول خطيبته من سوريا عبر رحلة شاقة، ولم يستطع استخراج بطاقة حماية مؤقتة لزوجته حتى اليوم. وتكمن معاناة الشاب العشريني، وفق قوله، في أنه يخشى دائما الخروج من المنزل مع زوجته خشية ترحيلها، كما أنه عجز عن استخراج بطاقة حماية لابنه المولود حديثاً، بسبب عدم امتلاك أمه لها، وهو ما يحرمه من إمكانية مراجعة المشافي العامة والحصول على أي خدمات أخرى.

لم يتوقف الأمر على اللاجئين، بل امتد الأمر إلى المنظمات الإنسانية التي تعمل على مساعدة اللاجئين السوريين في تركيا. تنقل منظمة هيومان رايتس واتش في تقريرها عن مصاعب قانونية ولوجستية كثيرة تواجهها وكالات الإغاثة الانسانية للوصول إلى اللاجئين الجدد ومساعدتهم. حيث تعتبر تركيا المناطق الحدودية مناطق أمنية، ويحتاج اي شخص أجنبي للتواجد هناك إلى تصريح أمني مسبق.

بالمقابل تنفي السلطات التركية من خلال مسؤوليها أي ترحيل قسري للاجئين السوريين، وتؤكد إن نحو 260 ألف سوري اختاروا خلال الفترة الماضية العودة طواعية لبلادهم. مكتب محافظ ولاية “هاتاي” برر إيقاف منح بطاقات الحماية المؤقتة للوافدين الجدد في ولايته “لأجل إيقاف عمليات التهريب إلى المحافظة”.

تعزو الحكومة التركية بعض عمليات الترحيل إلى دواعي أمنية ومخالفات قانونية يرتكبها هؤلاء اللاجئين، ففي ولاية شانلي أورفا جنوب البلاد نقلت وكالة الأناضول الرسمية عن مديرية الأمن بولاية شانلي أورفة معلومات تتعلق بترحيل 639 لاجئ سوري إلى بلادهم بحجة تورطهم في ارتكاب مخالفات قانونية في تركيا، من قبيل إثارة أعمال شغب، أو القيام بعمليات تهريب، أو العمل بشكل غير شرعي.

قيود على حرية التنقل

مع بدء تدهور الأوضاع الأمنية في تركيا وتعرضها لعدة عمليات إرهابية قام بها بعض الأشخاص القادمين عبر الحدود السورية، بدأت السلطات التركية في تحديد حرية تنقل السوريين على أراضيها. أصبح تنقل اللاجئين السوريين بين الولايات التركية محظوراً دون الحصول على إذن سفر، ووجود هوية حماية مؤقتة. بينما تحظر ولايات أخرى مثل اسطنبول السفر نهائيا على السوريين إلى ولايات أخرى، حتى من يحمل منهم بطاقات هوية مؤقتة. أدت هذه القيود إلى الحد من انتقال السوريين لبعض الولايات التي تشهد كثافة سكانية عالية باللاجئين، مثل هاتاي واسطنبول وشانلي اورفة. كما حرمت الوافدين الجدد من إمكانية التسجيل في هذه الولايات، كونهم يصلون إلى تركيا عبر الولايات الحدودية.

ورغم وجود بعض الولايات الداخلية التي ما تزال تستقبل اللاجئين السوريين وتسجلهم، إلا أنّ رحلة الوصول إلى هذه الولايات تبدو عملية شاقة جدا ومحفوفة بالمخاطر، كون الوصول إليها يحتاج إلى عملية تهريب جديدة. خالد باشا، وهو نازح سوري وصل قبل ثلاث أشهر إلى تركيا نازحاً من جنوب دمشق، قال إنه اضطر لدفع 300 دولار لأحد المهربين داخل تركيا ليساعده مع عائلته للوصول إلى ولاية أضنة، التي ما تزال تقوم بعمليات تسجيل اللاجئين.

الوضع القانوني لاجئين السوريين في تركيا

في عام 2013 وضعت تركيا نظاما خاصاً للاجئين السوريين الفارين من الحرب إلى أراضيها، يمنحهم حق الحماية المؤقتة، والحصول على الخدمات الصحية والعمل وغيرها من المساعدات الاجتماعية. تم ذلك دون الاعتراف بهم كلاجئين وفق الاتفاقية الدولية الخاصة بوضع اللاجئين، التي وقعتها تركيا في عام 1951.

ويرى المحامي السوري خالد العطية المقيم في ولاية هاتاي أنّ “الإطار القانوني لوضع اللاجئين السوريين في تركيا غير واضح، ويخضع للتغير تبعاً للأوضاع السياسية والاجتماعية التي تمر بها تركيا”. جدير بالذكر أن ورقة اللاجئين قد تم توظيفها سياسيا في مناسبات كثيرة داخل تركيا، خاصة خلال الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة. كما أن تركيا تستخدم ورقة اللاجئين لتبرير وصبغ شرعية على دورها في الصراع التركي.  

ورغم عدد اللاجئين الكبير الذي استضافته تركيا خلال السنوات الماضية، وما يمثله هذا الأمر من عبء اجتماعي واقتصادي كبير، فإن هذا لا يعطيها الحق، كما يقول العطية، “أن تحرم أي انسان مهدد بحياته أن يلجئ إليها، أو تقوم بترحيله، لا سيما أنّ الوضع في سوريا لا يزال غير مستقر”.

إن تغيير موقف السلطات التركية من وضع اللاجئين السوريين عن أراضيها، وتحول النظر لهم من ضيوف يجب اكرامهم، وتقديم كافة الخدمات لهم، إلى مجرد لاجئين يمثلون عبء يتم التضييق على وجودهم وحرية تنقلهم، يلقى الضوء على غياب استراتيجية واضحة من جانب السلطات التركية للتعامل مع قضية اللاجئين السوريين. يرتبط بهذا الأمر أيضاً قيام السلطات التركية باستخدام اللاجئين كورقة سياسية في إدارة ملفات السياسة الداخلية والخارجية. هذا المنطق لا يصلح بأي حال من الأحوال في التعامل مع قضية إنسانية متفاقمة مثل قضية اللاجئين السوريين، الذين شردتهم سنوات الحرب والصراع في الوطن الأم. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكثير منهم مقيم لسنوات على الأراضي التركية، وقد لا يعود مرة أخرى لسوريا، وفي حال وجود برنامج إدماج مدروس بعناية قد يساهمون في الاقتصاد التركي. إن على الحكومة التركية وضع خطة فعالة لإدماج اللاجئين السوريين في النسيج الاجتماعي التركي، والتوقف عن توظيفهم لأغراض سياسية أو ترحليهم قسرياً إلى سوريا التي لا يتوفر فيها ابسط شروط الحياة الآمنة.   

اشترك في نشرتنا

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

تطبيق الراصد: كيف يتم تطويع التكنولوجيا لإنقاذ الأرواح

يعتمد نورس إضافة إلى تعقب حركة الطيران في سماء مدينة إدلب بعينيه، على تطبيق الكتروني يحمل اسم الراصد لتعقب إشارة الطيران للاحتماء بمكان آمن، والنجاة من القصف بأقل الخسائر قدر الإمكان.

الحياة في الحديقة: معاناة اللاجئات السودانيات اليومية في القاهرة

هذ المقال المصور يركز على الحياة اليومية لمجموعة من اللاجئات السودانيات الذين عاشوا، أو ما يزلن يعيشن، أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذه الصور تتبع حياتهم اليومية خلال العمل ورعايتهم لأطفالهم والتجول في القاهرة.

إعادة الاستقرار في الرقة: تأهيل قطاع الكهرباء

كان للمعارك التي شهدتها محافظة الرقة السورية، معقل تنظيم داعش الرئيسي في سوريا، مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من قبل التحالف الدولي، آثار سلبية كبيرة على البنى التحتية في عموم المحافظة، والتي انعكست على الوضع المعيشي لسكان الرقة، حيث قدرت نسبة الدمار بنحو 80٪ من مجموع المباني والبنى التحتية في المحافظة بحسب بعثة الأمم المتحدة.