إجبار اللاجئين السوريين على العودة؟!

إجبار اللاجئين السوريين على العودة؟!

اشترك في نشرتنا

تقول نارمان “عندما هربت من سوريا كان همي أعيش بمكان آمن”. نارمان محمد، البالغة من العمر 26 عام، لاجئة سورية من مدينة درعا تعيش في مخيم الزعتري. هربت نارمان من سوريا في عام 2012 بعد تدمير منزلها عن طريق قصف من جانب قوات النظام. تضيف نارمان “بلد مدمر ما في مستقبل ولا جامعات لأكمل دراستي، ومستقبل مجهول، ومنزلنا مدمر، ليش أرجع”. تدرس نارمان بمنحة في جامعة الزرقاء الأردنية.

يقع مخيم الزعتري للاجئين السوريين شمال الأردن في محافظة المفرق الصحراوية. تم تأسيس المخيم عام 2012، ويعيش فيه 78 ألف لاجئ بحسب إحصائيات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، من بين حوالي 5.6 مليون لاجئ سوري خلفتهم الحرب في سوريا.

يواجه سكان مخيم الزعتري الكثير من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية. حيث لا تتوافر فرص العمل الكافية، ويعتمد السكان على مساعدات الأمم المتحدة المحدودة. لا توجد بنية تحتية جيدة في المخيم، يتنقل السكان بصورة رئيسية عن طريق الدراجات الهوائية، ويضطر الكثير منهم للسير على الأقدام لمسافات طويلة. بالإضافة إلى ذلك، يعاني سكان المخيم من سوء الأحوال الجوية، فالمخيم يقع في منطقة صحراوية.

مؤخراً، ليس لسكان المخيم حديث إلا عن احتمالات العودة إلى سوريا وتخوفاتهم من هذا الأمر في حال حدوثه. ففي الجلسات العائلية والخاصة والأسواق والشوارع، الكل يتحدث ليل نهار عن محاولات إجبار اللاجئين للعودة إلى سوريا، واحتمالات مواجهة الكثير من هؤلاء مصير الاعتقال والانتقام من جانب النظام، أو حتى التجنيد الإجباري في قوات النظام.

وفي زيارة قام بها كاتب المقال لمخيم الزعتري ليستطلع آراء سكان المخيم حول احتمالات عودتهم إلى سوريا، التقى الكاتب بعشرات اللاجئين هناك من الرجال والنساء والشباب والأطفال محاولاً فهم الصورة الكاملة واختلاف آراء الناس فيما يخص عودتهم إلى بلدهم.

تؤكد الحكومة الأردنية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين على مبدأ العودة الطوعية لمن يريد العودة من اللاجئين. إلا أن الأمر ما يزال يشكل هاجسًا يشغل تفكير الكثير منهم في المملكة الأردنية.

في محاولة من جانبها للتأكيد على انتهاء الحرب في سوريا، بدأت روسيا منذ أسابيع الحديث عن ضرورة إعادة اللاجئين إلى بلدهم، وأرسلت العديد من الوفود لدول الجوار السوري والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من أجل إقناع المجتمع الدولي بضرورة عودة اللاجئين نظرًا لأنّ الحرب في سوريا “انتهت”. وفي يوليو/تموز الماضي حثّ المبعوث الروسي الخاص إلى سوريا، ألكسندر لافرينتييف، اللاجئين على العودة إلى ديارهم، مؤكداً أنهم “لن يواجهوا أي تهديدات” من الحكومة السورية أو الأجهزة الأمنية.

وردت الحكومة الأردنية على ذلك بالقول على لسان وزير الخارجية أيمن الصفدي، أن بلاده لن تجبر اللاجئين على العودة، وأن “المملكة تعمل من أجل إيجاد بيئة تسمح بالعودة الطوعية”.

تقول نداء ياسين، مسؤولة العلاقات الخارجية في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن المفوضية السامية “لا تشجع ولا تساعد أي قرار لعودة اللاجئين لوطنهم خاصة في هذه الأوضاع غير المستقرة”. وأضافت ياسين أنه ليس لدى المفوضية “تنبؤ” فيما يخص عودة اللاجئين لاعتماد القرار على الوضع السياسي والأمني في سوريا.

ويتخوف الكثير من اللاجئين الذين التقت بهم مدونة مصدر سوريا في مخيم الزعتري من العودة إلى سوريا، وتتلخص مخاوف هؤلاء من الاعتقال والقتل، أو التجنيد الإجباري الذي تقوم به قوات النظام والأجهزة الأمنية. جدير بالذكر، أن النظام السوري قام مؤخراً بتسليم الأهالي وثائق تفيد بمقتل أبنائهم في السجون.

يقول أبو أحمد، 58 عام، من مدينة المزيريب بريف درعا الغربي، إنه لن يعود إلى سوريا في ظل حكم الأسد، ويضيف أبو أحمد أنّ “هذا النظام وشبيحته لا يفهمون حقوق إنسان ولا مواثيق وعهود، دمروا البلد، كيف بدنا نرجع لعندهم، شو يلي يضمن النا ما يعتقلونا ويغتصبوا النساء، والشرطة الروسية ليست ضامن هي شريك بقتلنا ولا نثق بها”.

سليم حمدان، 54 عام، أب لـ 6 أولاد، يقول لمدونة مصدر سوريا “عندي شباب اثنين بسن الجيش، وممكن إذا رجعت يتم سحبهم للتجنيد الإجباري، ويشاركوا بالعمليات العسكرية بإدلب ويقتلوا الناس”. وأضاف حمدان “بتصل كل يوم مع أهلي وأقاربي بدرعا وعم بتصير اعتقالات وانتهاكات على الحواجز وبتابع الأخبار، روسيا شريك بقتلنا وليست ضامن”.

ينتظر حمدان “استقرار الوضع في جنوب سوريا” حتى يفكر بالعودة. ففي ظل “غياب الأمان والأمن” لا ينوي حمدان العودة. تقول نداء ياسين إن المفوضية تقدم “المشورة” للاجئين الراغبين بالعودة إلا أنها تنصحهم بـ “عدم العودة في الوقت الراهن”.

أما أبو عمر سعيد، 32 عام من درعا، أب لطفلين ويعمل في صالون حلاقة بمخيم الزعتري، “أنا بفكر أرجع يعني صرلي هون 5 سنين، وما شفت أهلي بسوريا، والوضع هون صعب، الجو شوب وغبرة والحياة لا تطاق. لكن بنتظر بعد معركة إدلب شو راح يصير وإذا الوضع صار طبيعي ممكن أفكر بالرجعة وقتها”.

يربط الكثير من سكان مخيم الزعتري انتهاء الحرب في سوريا بسيطرة النظام على إدلب. بالنسبة لهم بعد سيطرة النظام على إدلب لن يكون هناك قتال ومعارك وعمليات عسكرية، لذلك ستصبح الخدمة في الجيش شبه طبيعية، ولن يشاركوا، هم أو أولادهم، بعمليات عسكرية ومعارك لأنه لن يكون هناك عمليات يشنها النظام بعد انتهاء سيطرته على كل المناطق الخارجة عن سيطرته. تعتبر إدلب أخر مناطق المعارضة الرئيسية الخارجة عن سيطرة نظام الأسد.

خلال الأسابيع الماضية، تحدثت وسائل إعلامية تابعة لنظام بشار الأسد عن معركة إدلب. يأتي هذا في الوقت الذي وصلت فيه مجموعات من قوات النظام والميلشيات المساندة لها إلى جبهات القتال مع قوات المعارضة. وردت روسيا على ذلك، بعد مباحثات أستانة، بأنها لا تنوي القيام بعملية عسكرية في إدلب بالوقت الحالي، وربطت مصير إدلب بقدرة تركيا وفصائل المعارضة المعتدلة على حل مشكلة هيئة تحرير الشام، بحسب ما قاله رئيس الوفد الروسي إلى أستانة. تعتبر روسيا وجود هيئة تحرير الشام في إدلب عقبة أمام الحل السياسي والتسوية هناك.

“طرق ملتوية لإجبارنا على العودة”

يخشى كثير من اللاجئين في مخيم الزعتري من الضغط عليهم من أجل العودة إلى بلادهم بصورة غيرة مباشرة. طوال الأيام الثلاثة التي أمضاها الكاتب في مخيم الزعتري كان الجميع هناك يخشى مما أسموه “طرق ملتوية لإجبارنا على العودة”. وجاءت هذه الفكرة في مخيلة اللاجئين بعد قرار منظمة اليونسيف فصل 675 من مساعدين المدرسين السوريين الشهر الماضي من المدارس التابعة لها داخل مخيم الزعتري. كما يخشى السكان أيضاً من احتمالية إيقاف الخدمات الاساسية التي تقدم لهم مثل المواد الغذائية والمساعدات المالية.

يقول روبرت جانكنز، ممثل اليونيسف، في تصريح لجوردن تاميز إن اليونيسيف “ستستمر في دعم الأطفال للحصول على فرصة للتعليم، وتنسق بشكل وثيق مع وزارة التعليم وشركائها للتأكد من ضمان عودة المدارس بالوقت المحدد وبنفس الجودة”. وأضاف جانكنز أن “ما يقارب من 28 ألف طالب في مخيمي الأزرق والزعتري جاهزين للعام الجديد.

تبرر منظمة اليونيسيف قرار الفصل بعدم وجود تمويل لمساعدي المدرسين في المخيمات. يوضح جانكنز أن “يونيسف ليس لديها تمويل لمساعدي المدرسين، لكنها ستستمر بجمع الأموال، ونحن متفائلين بأننا سنكون قادرين على الاستمرار وإعادة المساعدين في شهر سبتمبر/أيلول”.

يربط الكثير من سكان مخيم الزعتري بين قرار فصل مساعدي المدرسيين والتصريحات الروسية بخصوص ضرورة عودة اللاجئين السوريين إلى سوريا.

يقول أبو سمير، 35 عام، أحد المدرسين الذين تم فصلهم من مدارس اليونيسف، لمدونة مصدر سوريا، إن قرار الفصل جاء “للضغط علينا من أجل العودة” معتبراً ذلك “أساليباً ملتوية”. ويرفض أبو سمير العودة رغم تلك الضغوط، مؤكداً أنه سوف يبقى في المخيم حتى “تنفذ كل الخيارات أمامه”.

بينما تخشى نارمان من إيقاف المنحة التي حصلت عليها في جامعة الزرقاء، وتقول “إذا وقفت المنحة الدراسية راح تكون صدمة الي ورح أوقف عن الدراسة لأنه ما بقدر أتحمل التكاليف لوحدي”. ترفض نارمان العودة في حال توقفت منحتها الدراسية، وتنهي حديثها “أنا اجيت لهون وهربت من بلدي كرمال الأمان وطالما لسا في بلدي مفقود الأمان ما رح أرجع”.

اشترك في نشرتنا

ماهر الحمدان

صحفي سوري عمل مع عدد من المنظمات الدولية والحقوقية.

شاهد أيضاً

كارثة إنسانية في الأفق: النظام يستعد لمعركة إدلب

يتواتر الحديث في الآونة الأخيرة عن معركة إدلب، التي ينتظر النظام السوري ويتطلع لبدئها، بهدف بسط سيطرته على هذه المحافظة، التي أصبحت الملاذ الأخير لكل معارضي الأسد من مختلف التوجهات.

مقابر جماعية في الرقة

منذ أن تم اكتشافها في أبريل/نيسان 2018، ظهرت المزيد من التقارير عن المقابر الجماعية في الرقة، هذه التقارير تلقي الضوء على التحديات المرتبطة بتجميع الجثث والتعرف على هوية الأفراد المفقودين. هذا تحليل مع شهود عيان من الذين عادوا للرقة مرة أخرى.

حفظ تراث مصر: مهارات صناعة البردي في قرية قراموص

أبو عوف وعائلته هم من العائلات القليلة المستمرة في صناعة البردي في قريتهم لعقود من الزمان، وهم معرفون بحفاظهم على ممارسة مصرية قديمة حية.