الاجبار على النزوح

قامت مدونة سوريا بإجراء مقابلة مع الدكتور أبو المجيد الحمصي، يعمل الآن في مشفى الوليد الميداني في حي الوعر، حيث يعمل كطبيب متخصص في حالات الأطفال. أتى أبو المجيد إلى الوعر في عام 2012 من حي الخالدية في مدينة حمص؛ هو من الـ 75% من سكان الوعر الذين سينزحون من المدينة، نتيجة القصف وتقدم النظام، فقد قبل المجلس المحلي في المنطقة ولجنة المفاوضات شروط الاستسلام في إطار الاتفاق الأخير مع النظام، هذا الاتفاق، بحسب ما قال الدكتور، تم فرضه على المعارضة، كاختيار بين الاستسلام أو مواصلة القصف والتجويع.

في أوائل أيام الصراع السوري، نزح الكثير من السوريين إلى الوعر، وبلغ عدد سكانه حينذاك حوالي 600 ألف، حسب إحصاءات غير رسمية، ثم نزح معظمهم إلى لبنان وتركيا، مع اشتداد العنف وازدياد هجمات النظام، وأصبح عدد السكان بين 40 و50 ألف نسمة.

هل تستطيع أن تعطينا تفاصيل عن الاتفاق؟

حسب شروط الاتفاق التي، سينزح من حي الوعر ما بين 12 ألف إلى 15 ألف شخص خلال شهرين، طبقا لهذه الاتفاقية التي تدعمها روسيا بين المعارضة والنظام، والتي تمت الموافقة عليها في يوم 13 مارس/ آذار. تركت أول دفعة، والتي يبلغ عددها 1500 شخص، الحي الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت دمشق يوم السبت الموافق 18 مارس/آذار، إلى مدينة جرابلس في حلب، وشملت حوالي 400 مقاتل وعائلاتهم. الدفعة الثانية رحلت يوم الاثنين الموافق 27 مارس إلى مدينة جرابلس أيضا، بعد أن كان من المفترض أن ترحل يوم السبت.  

صورة التقطها فادي يحيي، أحد سكان حي الوعر، تظهر المجموعة الأولى من السكان الذين تم اجلائهم في يوم 18 مارس 2017

يتمإعطاء الأولية للمصابين والجرحى، والذين يعانون من أمراض مزمنة، ولا يوجد لهم علاج في الوعر؛ هناك تواصل مستمر مع الهلال الأحمر وأطباء بلا حدود ومنظمات إغاثية أخرى متواجدة على الحدود، يُصعب تحديد عدد ونوعية الذين يتم اجلائهم، وخاصة وأن هناك مصابين بين المدنيين والمقاتلين، بالإضافة إلى الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية، التقدير الحالي لهذا العدد هو حوالي 250 تقريبًا. وطبقا للسياسة المتبعة، فإن الأطباء هم أخر مجموعة ترحل، في الوقت الذي تقوم فيه وزارة الصحة السورية بالسيطرة على المشافي والمراكز الطبية والمدارس.

ما وضع المشافي في حي الوعر

تستقبل مستشفى الوليد ما يتراوح بين 4000 إلى 6000 حالة كل شهر، بما فيهم أطفال وحالات مزمنة، يبدأ اليوم في المشفى من الساعة 8 صباحاً ويظل الدوام للساعة 12 منتصف الليل. تغير عمل المستشفى، إذ أن معظم الإصابات كانت نتيجة الأسلحة الخفيفة والبنادق، ولكن الآن بسبب القصف، لا يستطيع المستشفى غير التركيز على الحالات الطارئة نتيجة الهجمات الجوية. قبل الحرب، كانت المشافي تعالج الإصابات والأمراض المزمنة أيضاً، ولكن بسبب عدم وجود خيارات أخرى، فإن المشافي تستقبل كل من يجئ لها.

لدى مشفى الوليد الميداني أقسام للأطفال والنساء وللتطعيم والعلاج الطبيعي والطب الباطني والأمراض الجلدية وأمراض الدم والطب الداخلي؛ بالنسبة لمشفى في منطقة محاصرة، فإنه مجهز جيداً. وبعد عملية الاخلاء، سوف يعود المشفى لحالته الأصلية، كعيادة طبية تحت سيطرة النظام.

نحو 80% من الأطباء كانوا قد درسوا الطب في مشفى الوليد بعد استكمال الدراسة في كلية الطب. وقد أدت الحرب في 2012 إلى انقطاع العديد من الأطباء عن الدراسة هناك؛ من أجل مواجهة الحاجة للرعاية الطبية، تطوع العديد من هؤلاء الطلبة للعمل في المشافي والمراكز الطبية. غالبيتهم ذات تخصص عام مع بعد التخصص في مجالات معينة؛ كل الأطباء والممرضين مطلوبين عند النظام، بسبب دورهم الذين يقومون به، ولذلك عليهم جميعاً ترك الوعر، أو سيتعرضون لخطر الحبس عند النظام.

ما وضع حي الوعر نفسه؟ هل يستطيع الحي استيعاب هذه الأعداد الكبيرة من الناس؟

في الأصل، بني حي الوعر كنقطة إيواء، وهو من أصغر الأحياء في المنطقة؛ لم يتم بناءه لاستيعاب متطلبات النازحين من 13 حي في مدينة حمص. بالإضافة إلى سكانه الحاليين، استوعب الحي عدد كبير من النازحين في بداية الحرب، وقد بلغ عدد سكانه 600 ألف عند نهاية 2013. الحي هو منطقة استراتيجية للنظام، لأنه يقع في موقع استراتيجي على الطريق الشمال الشرقي من حمص حتى الساحل، والذي ينوى النظام تأمينه، ويقع أيضا بين المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة بقوة بالقرب من تلبيسة والرستن في الجزء الشمالي من ريف حمص.  

جـامـع الـرّئيس في حي الوعر يوم 28 أكتوبر/تـشـرين الأول 2014، الصورة منقولة من صفحة عدسة شاب حمصي.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، قام النظام بمحاصرة المنطقة، وفي ظل اتفاقات هدنة متفرقة، وهجمات جوية متصاعدة، انتهى الحصار على مدار السنوات الثلاثة التالية، الأمر الذي وضع ضغوط غير محتملة على سكان حي الوعر. في سبتمبر/أيلول 2016، تم توقيع اتفاقية أخرى، تم بمقتضاها اجبار حوالي 500 مقاتل مع عائلاتهم على الرحيل، وقد وافق النظام على بنود متعددة في الهدنة، منها إطلاق صراح المعتقلين، ولكن ما إن رحل المقاتلين عن المنطقة، حتى تخلى النظام عن الهدنة، وعاود الهجمات الجوية.

وضعت الخروقات المتتالية للحصار مزيد من القيود على المجتمع هناك، في الوقت الذي لم يتم التحقيق من جانب المسئولين الروس وفي جانب النظام في سرقة قوافل المساعدات الطبية بعد؛ منع النظام السكان من الرحيل، وسمح فقط بدخول القليل من المساعدات إلى المنطقة، جاء هذا في تحدي صريح للقانون الدولي، والذي يقضي بالسماح للمدنيين بالحصول على المساعدات الطبية في مناطق الصراع؛ هذه الفوضى أجبرت السكان على الهروب إلى لبنان والأردن، الأمر الذي أدى إلى انخفاض عدد السكان باستمرار، الآن يتراوح عدد السكان في حي الوعر بين 40 ألف إلى 50 ألف شخص، منهم 10% فقط من المقاتلين.  

صورة التقطها فادي يحيي، أحد سكان حي الوعر، تظهر المجموعة الأولى من السكان الذين تم اجلائهم في يوم 18 مارس 2017

ما يسود الوعر الآن هو الخوف، لأنه ليس هناك أمن وأمان، لا سيما وأن أي رجل بين عمري 18 و50 سنة قد يجنده النظام، وإذا ما دخل الجيش حبسوه. هناك خوف كبير من الفيلق الخامس في الجيش السوري، وخطر الاعتقال كبير. يخاف معظم الأهالي الذين لديهم أولاد من هذا الاتفاق، وماذا سيحصل لأولادهم، خصوصا بعد ما تم تنفيذ اتفاقات مشابهة في ريف دمشق (داريا ومعضمية الشام وقدسيا والهامة والتل وحلب) حيث، بعد ما تم الاتفاق، سحب النظام الشباب وسجلهم في الجيش، كما أن الناس ما زالوا يخافون من الترحيل القسري، بسبب عدم توافر الأمن، خاصة نتيجة الطيران الذي يثير الرعب في الناس.

في البداية كان هناك الشعور بالارتياح بانضمام الروس إلى المفاوضات، وسرعان ما تبين أن الروس يلعبون دور شريك للنظام السوري وليس دور وسيط أو طرف حيادي؛ كانوا يحددوا المطالب، بينما يستمروا في قصف الناس. نتيجة لأوامر روسية، قصف الطيران حي الوعر، وقال ممثل روسي في المفاوضات فيما يتعلق بالقصف “ما رأيتموه حتى الآن لا يعتبر شيء، وإذا لم توقعوا على الاتفاق، فإننا سنمسح الوعر من الأرض.” كانت هذه هي اللغة في المفاوضات. كما أخبرونا أن الطائرات التي كانت تقصف الوعر من طراز سوخي SU-24 وسخوي SU-35 القديمة، كما أن القنابل قديمة أيضاً، وأن القصف سيزداد شدة إذا لم يتم التوقيع على الاتفاق.

حي الوعر يوم 16 مارس 2017، الصورة منقولة من صفحة عدسة شاب حمصي.

في النهاية، فإن الجمع بين التجويع والقصف أجبر وفد التفاوض على التوقيع على الاتفاق، كما أن المنظمات الانسانية قد شجعت على توقيع الاتفاق بسبب الوضع الانساني الحرج. وفي ظل عدم وجود خيارات أخرى سوى الامتثال للاتفاق، يستمر التهجير القسري لسكان الوعر، في ظل توافر القليل من الأمن أو ضمانات لمستقبلهم، ويستمرون في الشعور بمشاعر متضاربة، في الوقت الذي تصف فيه التقارير أن أول مجموعة وصلت إلى جرابلس تعيش في خيام؛ وقد أعلنت العديد من الجمعيات الإنسانية تعهدها بتوفير البضائع والخدمات في المنطقة، من خلال الحكومة التركية في غازي عنتاب.

بالمقارنة بالحصار والقصف والتجويع، فإن جرابلس للأسف تعتبر ملجأ لسكان الوعر.  

 Read in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

يسعى مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط إلى أن يكون ساحة تجمع خبراء من أمريكا الشمالية وأوروبا مع نظرائهم من الشرق الأوسط، من أجل تعزيز الحوار المرتبط بالسياسات تجاه مستقبل الشرق الأوسط، في ظل عملية التغيير السياسية الجذرية التي يشهدها الإقليم.

شاهد أيضاً

تصدع العلاقات مع قطر من منظور الرياض

يرى العديد من المراقبين الدوليين أن الرياض وأبو ظبي سعوا – مدعومين بعلاقات أقوى مع البيت الأبيض - إلى مقاطعة قطر "بضوء أخضر" من إدارة ترامب.

استراتيجية نظام الأسد للقضاء على الثورة السورية

لم يتوانَ النظام السوري عن استخدام مبدأ القوة العسكرية بالتعاون مع حلفائه في قمع الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في مايو/أذار عام 2011، بالتزامن مع عرقلته للمفاوضات التي تجري في جنيف تحت سقف الأمم المتحدة

واشنطن بالعربي: الخلاف الخليجي القطري وخيارات أمريكا في عالم ما بعد داعش

سيطرت العديد من القضايا المرتبطة بالشرق الأوسط على متابعات الاعلام الأمريكي هذا الأسبوع، وعقد الكونجرس الأمريكي عدد من جلسات الاستماع لمناقشة الخيارات المتاحة لعالم ما بعد داعش. وفيما يلي عرض لأهم هذه المتابعات.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط