في نهاية المطاف تم تعويم الجنيه المصري

محسن خان وإليسا ميلر

في 11 أغسطس/آب الماضي، توصلت كل من الحكومة المصرية، والبنك المركزي المصري، ووفد صندوق النقد الدولي إلى اتفاق على برنامج اقتصادي مدته ثلاث سنوات، بدعم مقدم من الصندوق على شكل قرض يبلغ 12 مليار دولار. تم الإعلان عن هذا الاتفاق، وتم استقباله بضجة كبيرة، حيث يتضح أن مصر كانت مستعدة، بمساعدة صندوق النقد الدولي، لاتخاذ إجراءات للقيام بإصلاحات جادة ومهمة لإقالة الاقتصاد من عثرته.

كان الهدفين الرئيسيين من البرنامج هما:

  • استعادة استقرار الاقتصاد الكلي، بقول آخر، تقليص العجز الخارجي وعجز الموازنة وخفض التضخم.
  • زيادة النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل.

كان من المتوقع أن يتم طرح البرنامج على المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في غضون أسابيع، وعقب التصديق عليه، يمكن لمصر أن تتوقع أن تحصل على الجزء الأول من القرض، والذي يبلغ 2.5 مليار دولار، في بداية سبتمبر. إلا أنه، وبعد مرور حوالي ثلاث أشهر، لم تتم الموافقة الرسمية على البرنامج. بالنسبة لمصر فإن الحصول على موافقة صندوق النقد الدولي والتمويل أمر عاجل، حيث إن مصر في حالة يرثى لها على الصعيد الاقتصادي، الذي يزداد سوءاً في مختلف المؤشرات – النمو والعمالة والموازنة الخارجية في ميزان المدفوعات والوضع المالي، وقد ذكرنا أهم المؤشرات وليس جميعها.

إذن، فلماذا التأخير؟ في 8 أكتوبر/تشرين الأول، أوضحت كريستين لاجارد، مدير عام صندوق النقد الدولي، السبب القوي للتأجيل، حيث قالت بأن هناك بعض الشروط المسبقة، أو “إجراءات مبدئية” أوردها صندوق النقد الدولي، وكانت مصر قد وافقت عليها، إلا أنها لم تنجزها بعد، وسيقوم المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بالنظر في طلب مصر بمجرد أن تنجز الحكومة المصرية والبنك المركزي المصري هذه الإجراءات.

بالرغم من أن تفاصيل البرنامج لم يتم نشرها على العلن، إلا أنه من المعتقد بأن هناك ثلاثة إجراءات مبدئية في البرنامج:

  • الحصول على تمويل خارجي إضافي بقيمة 6 مليارات دولار لاستكمال قرض صندوق النقد الدولي، والتمويل من المؤسسات المالية الدولية الأخرى، لمليء فجوة التمويل الخارجي المتوقع في السنة الأولى من البرنامج:
  • تقليص العجز المالي من خلال حزمة إصلاحات ضريبية ومستقطعات في النفقات الحكومية، بالتحديد فيما يخص الدعم.
  • السماح بمرونة أكبر في سعر الصرف، بحيث يتم طرح الجنيه المصري للعرض والطلب أمام العملات الأجنبية، ومن ثم تقليل الضغط على احتياطي النقد الأجنبي في البلاد.

حققت الحكومة المصرية بعض التقدم فيما يخص الإجرائيين الأول والثاني في خلال الشهرين المنصرمين، في منتصف أكتوبر/تشرين الأول، صرح رئيس الوزراء شريف إسماعيل بأن مصر تمكنت من جمع ما يوازي 60% من الستة مليارات دولار المطلوبة بالنسبة للتمويل الخارجي، أغلبها كان على شكل ودائع في البنك المركزي المصري من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية؛ ومن المتوقع أن يتم جمع المبلغ بشكل كامل في وقت قريب، خاصة عقب إعلان صندوق النقد الدولي عن محادثات بناءة مع الصين والمملكة العربية السعودية لسد الفجوة في المبلغ المتبقي من الستة مليارات دولار.

على صعيد الميزانية، قام البرلمان المصري بتمرير قانون ضريبة القيمة المضافة في 29 أغسطس/آب، كان صندوق النقد الدولي يرغب في تطبيق قانون ضريبة القيمة المضافة بنسبة تصل إلى 14%، لكن البرلمان المصري أراد أن يتحرك بالتدريج، فوافق على أن تكون النسبة 13 بالمئة للعام المالي 2016–2017، ثم تصل إلى 14% في العام الذي يليه، يمكن لصندوق النقد الدولي أن يقبل بهذا كحل وسط.

أما بالنسبة لرفع الدعم عن الوقود والكهرباء وخاصة الأغذية، فإن الأمر يعد قضية حساسة سياسياً في مصر – عادة ما يشار إلى هذا الإجراء بوصفه “الطريق الثالث” في السياسة المصرية، إلا أن الحكومة قد أظهرت قدرة على اتخاذ تدابير صعبة على هذه الجبهة، ففي يوليو/تموز 2014، اتخذت الحكومة خطوة واسعة وهي رفع سعر الوقود في جميع المجالات، وقدمت خطة خمسية  لزيادة أسعار الكهرباء، ومن ثم رفع الدعم تماماً تدريجيا. لكن عملية خفض المزيد من الدعم، بخلاف زيادة أسعار الكهرباء في أغسطس هذا العام، كانت قد تعطلت حتى الأسبوع الماضي، حيث تم خفض الدعم على الوقود مرة أخرى. فيما يخص خفض الدعم على الأغذية في الظروف الآنية، فإن هذا الأمر غير متاح الآن، خاصة مع زيادة معدلات التضخم لتصل إلى 14 بالمئة، ومن المتوقع أن تزيد هذه النسبة. في الحقيقة، فإن اتفاق صندوق النقد الدولي مع الحكومة يتضمن خطة لزيادة الدعم على الأغذية في ديسمبر.

إن نقطة الخلاف الواضحة في الإجراءات السابقة هي سعر الصرف، بالرغم من أن صندوق النقد الدولي صنف نظام سعر الصرف المصري بوصفه “تعويم منظم،” إلا أن الحكومات المتعاقبة والبنك المركزي المصري كانوا يبدون نفوراً من فكرة التعويم مفضلين بقوة تنظيم سعر العملة في إطار قيود معينة. وعلى ذلك، فإن سعر الصرف كان أقرب للتنظيم منه للتعويم، يعود هذا الخوف من فكرة التعويم إلى اعتقاد البنك المركزي بأن الجنيه سيتعرض لتحركات حادة من شأنها أن تخلق انعدام في الثقة لدى الموردين والمصدرين، إلى جانب أن انخفاض قيمة الجنيه بهذا الشكل الكبير سيخلق تضخماً بسبب زيادة أسعار الواردات. بالرغم من ذلك، فإنه في مارس/أذار من هذا العام، قام البنك المركزي بخفض قيمة الجنيه المصري بنسبة 13% بسعر 8.85 جنيه مصري أمام الدولار، وصرح بأنها خطوة نحو نظام أكثر مرونة. بالرغم من اعتراف البنك المركزي بأن خفض سعر الجنيه سيزيد من الصادرات لأنها ستتمتع بسعر منافس، وسيقلل الواردات حيث ستزداد أسعارها، وسيجذب الاستثمارات الأجنبية، إلا أنه لم يفعل شيئا منذ مارس/أذار هذا العام فيما يتعلق بسعر الصرف. وعوضاً عن ذلك، فقد اعتمد البنك المركزي المصري على حزمة من التدخلات في النقد الأجنبي وزيادة سعر الفائدة والسيطرة على شراء العملة الأجنبية والتحويلات للاحتفاظ بقيمة الجنيه أمام الدولار.

بالرغم من أن استمرار الضغط على النقد الأجنبي أصبح مع الوقت غير ملائم، إلا أن الحكومة والبنك المركزي حاولا الاستمرار فيه للحفاظ على استقرار أسعار الصرف. لكن الافتقار إلى احتياطي النقد الأجنبي الكافي إلى جانب إصرار صندوق النقد الدولي على المرونة كخطوة أساسية، كبلا يد البنك المركزي. في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، تم تعويم الجنيه المصري وأنهار سعره فوراً ليصل إلى 14.65 أمام الدولار الأمريكي. بحلول 8 نوفمبر/تشرين الثاني، وصل سعر الجنيه المصري إلى 17.8 أمام الدولار الأمريكي، أي أنه وصل إلى نصف قيمته وقت تثبيت سعر الصرف حيث كان يصل إلى 8.8 جنيه مصري أمام الدولار، والآن اقترب الجنيه المصري من قيمته في سعر السوق السوداء. هذا الانخفاض الحاد قلص القيمة الإسمية للناتج المحلي (بالدولار الأمريكي) إلى النصف من 350 مليار دولار أمريكي إلى 170 دولار أمريكي.

بالرغم من أنه كان من المتوقع مع تعويم العملة أن يؤدي ذلك إلى انخفاض قيمة الجنيه، إلا أن حجم السقوط في خلال أيام كان مفاجأة. من الواضح أن تدهور قيمة الجنيه كانت ستكون أقل بكثير إذا ما كان البنك المركزي تحرك نحو التعويم وقت تخفيض سعره في مارس، كما أوصى الكثيرون. علاوة على ذلك، فإنه من المعروف أنه بمجرد أن تبدأ قيمة العملة في الانخفاض في السوق، فإنه من الصعب التنبؤ بحركة الصرف. ما يسميه الاقتصاديون والمحللون الماليون “تجاوز الحد” أصبح واقعاً. بقول آخر، يمكن للعملة أن تنخفض بشكل كبير، بسبب التوقعات، لا بسبب أساسيات الاقتصاد. قد يكون هذا هو ما يحدث في مصر الآن، حيث لا يوجد سبب اقتصادي واضح لانهيار سعر الجنيه المصري بنسبة تزيد عن 100% في غضون أيام.

هناك سبب جيد للاعتقاد بأن مع اتخاذ سياسات ملائمة، خاصة فيما يتعلق برفع أسعار الفائدة، وتصديق صندوق النقد الدولي على أن هذا الاجراء المسبق تم القيام به، فإن الوضع سيتبدل وسينهض الجنيه المصري، ويستعيد جزء من قيمته المفقودة، كما أن تجار السوق والمستثمرين الماليين يمكن أن يشعروا بأن هذا هو الوقت المناسب لشراء أصول مقومة بالجنيه المصري للحصول على مكسب رأس المال، حين تبدأ العملة في الارتفاع بقيمتها، والارتفاع الحاد في سوق الأسهم يضفي مصداقية على هذا الرأي.

الآن تم اتخاذ القرار في نهاية المطاف بتبني المرونة في نظام سعر الصرف، وعلى مصر تغيير نظامها في السياسة النقدية؛ حتى الآن فإن الهدف الرئيسي للسياسة النقدية المصرية هو تحقيق الاستقرار للجنيه، وتأتي السيطرة على التضخم كهدف ثان. في إطار المناخ الجديد، ومع مرونة نظام سعر الصرف، فإن الأولويات سوف تتبدل حيث سيكون للتضخم الأولوية في السياسة النقدية المصرية، ومما لا شك فيه أن انهيار سعر الجنيه المصري سوف ينتج عنه ضغوطاً تضخمية، بالرغم من أنها لن تكون كبيرة بالقدر الذي يظنه البعض، ويعود ذلك لسببين؛ السبب الأول هو أن المرور من سعر الصرف إلى التضخم يعتبر نسبياً صغير وضعيف، لأسباب ليس أقلها أن الواردات تمثل أقل من 20% من الناتج المحلي، والسبب الثاني هو أنه يقال بأن معدل التضخم الحالي بالفعل يعكس، إلى حد ما، قيمة الجنيه في السوق الموازي، والذي تصادف أن يصل إلى 17 جنيه أمام الدولار الأمريكي قبل أن يقوم البنك المركزي المصري بتغيير نظام سعر الصرف.

بالرغم من أن الطريق كان وعراً منذ أغسطس/آب، إلا أنه يبدو أن الإجراءات المبدئية قد تم تلبيتها جميعا، الآن يستطيع فريق عمل صندوق النقد الدولي تقديم البرنامج لمجلس الصندوق التنفيذي كي يتم الموافقة عليه. كان وزير المالية المصري عمرو الجارحي قد صرح في 7 نوفمبر/تشرين الثاني أن الطلب الرسمي لاجتماع مجلس الإدارة سيتم إرساله في غضون أيام. هذه المرة، تقول المؤشرات بأن الأمر سيتم إنجازه في وقت قريب.

Read in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط