خمس سنوات من النزوح: قطع الصلات مع الماضي

مقاتلين من جيش السنه في ريف حلب الجنوبي، 13 مارس 2019. صورة من رويترو

بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة السورية، ينشر مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في سلسلة من المقابلات مع المحامي أيمن جلوان، وهو أحد السوريون الذين نزحوا نتيجة اندلاع الصراع المسلح في سوريا. تلقي هذه السلسلة الضوء على الخيارات الصعبة التي يواجهها السوريون بين الموت في سوريا التي أضحت منطقة حرب، أو الهرب من الأرض التي يحبونها. في العام الماضي ودع أيمن جلوان وزوجته أسرتيهما، والتحقوا بموجات المواطنين الذين غادروا البلاد، حيث تمكنوا من الوصول لتركيا أولا، ثم احتاجوا لعبور البحر المتوسط البارد وصولاً إلى اليونان. بعد ذلك كان عليهم التعامل مع المتاجرين بالبشر في أوروبا الشرقية، وصولاً إلى واحدة من قلائل الدول التي ترحب بهم وهي ألمانيا. ويشرح أيمن جلوان في سلسلة التدوينات هذه قراره بالمغادرة، والمصاعب التي واجهها هو وزوجته خلال الرحلة، والنتائج التي ترتبت على قراره. في هذه الحلقة يلقى أيمن الضوء على رحلة هروبه من دير الزور ليصل إلى تركيا، والمخاطر التي واجهها اثناء هذه الرحلة.

ألقى جيش بشار الأسد القبض على كثير من الناس وحاصر دير الزور، لكني كنت قد حصلت بالفعل على تصريح لمغادرة المدينة. أعرف أحد العاملين بالحكومة، وهو الذي تمكّن من منحي تصريح رسمي بالمغادرة. لكن الخوف تملكني لأني كنت مطلوباً للخدمة العسكرية، فقد يلقي الجيش بالقبض علي في أياً من نقاط التفتيش على الطريق، تمكنت من الوصول لحلب بأمان حيث مكثت هناك من أربع لخمس سنوات. كانت المدينة هادئة ومسالمة في بداية الأمر، لكن بعد ذلك امتدت الثورة لتشمل حلب، وبدأت المدينة تنقسم بين مؤيد ومعارض لبشار الأسد، كان هذا في عام 2013.

حاولت بعد قضاء أربع أو خمس سنوات في حلب الانتقال لتركيا، لكني كنت قلقاً، وشعرت وكآني محاصر في هذه المدينة، ولا يمكنني الخروج منها، فإذا خرجت قد يتم التعرف علي في أياٍ من نقاط التفتيش، ويتحتم علي حينها الالتحاق بالجيش. كمسلم سني ليس لدي أي فرصة للنجاة في جيش بشار الأسد، سيرسلوني للخطوط الاولي لحرب لم أرد خوضها، حرب ضد اصدقائي وأخواني. 

واجهتني مشكلة أخري تتعلق بالخروج لتركيا وهي إخبار أمي، والتي قد اعتادت على قضاء وقت طويل معي، فقد كانت خائفة، كان لي أخ يصغرني ويدرس الصيدلة بجورجيا، وحين انتهي من دراسته اكتشف أنه يعاني من السرطان، ومات قبل الثورة بعام.  تخيل! أمي فقدت ابناً لها من قبل ويتملكها الخوف، فهي لا تتصور فقداني أيضا. كانت تقول إذا قررت الذهاب، قد لا اراك ابداً. لكن بعض أفراد عائلتي أوضحوا لها أن عليها السماح لي بالذهاب، لأن المكوث أصبح أكثر خطراً، وأخبروها انه سيتم القبض علي عاجلاً أو آجلاً، وأي حياة تلك التي أستمر فيها وأنا في حالة هروب دائمة من الناس ومن الحكومة؟

بالطبع عملي كمحامٍ توقف بالتأكيد، لا أستطيع الذهاب للمحاكم، فالشرطة العسكرية دائماً هناك في سياراتهم يفتشون الجميع. يأخذوا بطاقات الهوية أو الأوراق، يفحصونك ويفحصون اسمك على الحاسوب. “أنت مطلوب، تعالَ، لا بد أن تخدم بالجيش.” فقد بدؤوا في الإمساك بالشباب وصغار السن في الشارع وإرسالهم للحرب. هذه ليست طريقة حياة طبيعية.

لكن آجلاً أم عاجلاً سيمسكون بي، أعرف هذا، ولهذا اتخذت القرار بالرحيل من سوريا، أثق أن الله سيساعدني، لدي صديق على علاقة جيدة بضباط الشرطة العسكرية، أمرُ بنقطة التفتيش وبالطبع أدفع مالا حتى أتمكن من المرور، يفحصني الضابط لكني أعطيه المال. كان هذا على الطريق بين حلب وحماه، فقد أردت الوصول لأراضي الجيش السوري الحر، الأراضي التي تقع تحت سيطرة مجموعات معارضة لبشار الأسد. لا أستطيع مغادرة البلاد والذهاب للبنان عبر نقاط التفتيش الرسمية فاسمي على قائمة المطلوبين. إذا أردت الهروب من بشار الأسد سيساعدك الجيش السوري الحر. 

أنا في خطر، أخشى أن يتحتم علي المرور بالأراضي الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش، كمحام فأنا أيضا مطلوب من قبل داعش، لماذا؟ بسبب عملي، يعتقد داعش أنه إذا كنت تعمل محامياً أو فيلسوفاً أو مدرساً آو كيميائياً، فإنك لا تؤمن بالله. أنت محامي الشيطان، بالنسبة لهم القانون الإلهي هو القانون الأوحد، القانون الذي ندرسه هو ذلك القانون الوضعي، الذي وضعه الإنسان كما يقولون، وليس القانون الإلهي. إذا ألقى داعش القبض على أي محامٍ أو طالبٍ يدرس القانون لديهم الأوامر بقتله في التو واللحظة، لهذا فأنا خائف من المرور بأرضهم. ترى المخاطر التي كنت أواجهها هناك. كنت مطلوباً من الجانبين، بشار الأسد وداعش.

وبالطبع حرقت كل الأوراق التي تثبت أني قد درست القانون. وأخفيت بحرص شهادة الجامعة في حقائبنا. لكن الحمد لله المناطق التي مررنا بها لم تكن تحت سيطرة داعش. كانت تحت سيطرة الجيش السوري الحر. وفي بعض الاحيان كنا نقابل أُناسا من جبهة النصرة. لم يؤذونا فهم مختلفون عن تنظيم داعش ويحاربونه. يقولون إن جبهة النصرة تابعة للقاعدة، لكنها مختلفة تماماً عن داعش. إذا علموا بأنك محامْ فلا مشكلة. هناك العديد من الناس في سوريا من مختلف الجماعات، يريدون السيطرة على مناطق مختلفة أو خلق المشكلات. نفضل المرور حيث تتواجد جبهة النصرة فهم أفضل من داعش بكثير.

إذا قابلت أحداً من داعش لا تستطيع الكلام معه، سيقتلك – بهذه البساطة. يمكنك مناقشة وضعك مع أحد أفراد جبهة النصرة وتستطيع إقناعهم بالسماح لك بالمرور. قد يقول أحد عناصر جبهة النصرة لماذا لا تغطي زوجتك رأسها؟ وقد يقول بعدها “أرجو تغطية شعرك يا أختي، ليس من الجيد ألا تفعلين لأن الله …” وهكذا، فقط هذا لا غير. لكن إذا رأى أحد من داعش زوجتك لا تغطي رأسها، ينتهي أمرك.

أما بالنسبة للجيش الحر فالوضع مختلف، فهم يريدوا محاربة بشار الأسد فقط.  ولهذا أفضل المرور بالأراضي التابعة للجيش الحر. فقد ساعدونا، وفي نهاية المطاف وصلنا للأراضي الخاضعة لسيطرة الجيش الحر، لكن كنا مجهدين للغاية، فقد كانت رحلة طويلة.

في الطريق كنا في حافلة، وقد ساعدنا سائق الحافلة كثيراً، ففي كل نقطة تفتيش توقف بها قام السائق بمساعدتنا، فقط عليك دفع الأموال المرة تلو الأخرى لقوات الحكومة. قوات بشار الأسد لا تهتم، فقط قم بإعطائهم المال. تعرف البغدادي زعيم داعش؟ إذا أراد المجيء لسوريا والذهاب لدمشق؟ لا بأس – فقط عليه دفع المال. لا مشكلة – فكل ما عليك هو دفع المال! كما الحال في صربيا، هل تعرف؟

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

الحلقة الأولي: كيف بدأت رحلتنا

الحلقة الثالثة: لن أقاتل في جيش بشار

Read it in English

قامت كلودين فيبر-هوف بإجراء هذه السلسة من المقابلات.

أيمن جلوان

هو اسم مستعار لحماية هوية الكاتب، وهو محامٍ سوري يعيش الآن في ألمانيا كلاجئ مع زوجته.