خمس سنوات من النزوح: كيف بدأت رحلتنا…

صورة لمبانى مدمرة في حمص. 8 يونيه 2012.

بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة السورية، ينشر مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في سلسلة من المقابلات مع المحامي أيمن جلوان، وهو أحد السوريون الذين نزحوا نتيجة اندلاع الصراع المسلح في سوريا. تلقي هذه السلسلة الضوء على الخيارات الصعبة التي يواجهها السوريون بين الموت في سوريا التي أضحت منطقة حرب، أو الهرب من الأرض التي يحبونها. في العام الماضي ودع أيمن جلوان وزوجته أسرتيهما، والتحقوا بموجات المواطنين الذين غادروا البلاد، حيث تمكنوا من الوصول لتركيا أولا، ثم احتاجوا لعبور البحر المتوسط البارد وصولاً إلى اليونان. بعد ذلك كان عليهم التعامل مع المتاجرين بالبشر في أوروبا الشرقية، وصولاً إلى واحدة من قلائل الدول التي ترحب بهم وهي ألمانيا. ويشرح أيمن جلوان في سلسلة التدوينات هذه قراره بالمغادرة، والمصاعب التي واجهها هو وزوجته خلال الرحلة، والنتائج التي ترتبت على قراره. في الحلقة الأولى يلقى أيمن الضوء على قراره بمغادرة حمص لينتقل للعيش في دير الزور، هروباً من جحيم قصف النظام لحمص.

لقد تجنبت التجنيد في بلدي، ويواجه كل من أتوا من سوريا إلى هنا نفس المشكلة، وأعني الجميع، أي كل شخص بين سن 18 و42 عاماً، ولكن في الأسبوع الماضي أقر بشار الأسد قانوناً جديداً، ينص على أنه إذا كان الشخص فوق سن 42 عاماً، فلديه الخيار بأن يلتحق بمجموعة خاصة في الجيش السوري، للمساعدة في مكافحة الإرهابيين – على حد وصف القرار، فيقول الناس “حسناً إذن لدي الخيار! كما لو أن لدي خياراً!” إذن فعلاً كما لو أن لديك خياراً؟ ولكن قوات المخابرات أو الشرطة ستأتي لك وستقول “لماذا لم تلتحق بتلك المجموعة الخاصة؟”، إذن من ناحية لديك الخيار، ومن الناحية الأخرى ستسمع “الآن اذهب!” وبذلك ينتهي أمرك.

هذا بالضبط ما حدث لأخي، ولكني لا أعلم ماذا يفعل الآن لأنني فقدت الاتصال معه، إذن هذا ما يحدث. يبلغ أخي من العمر 42 عاماً.

في سوريا تعتمد الكثير من الأمور على الجماعات الدينية المختلفة، يشكل السنة أغلبية السكان في سوريا، والباقي من الشيعة والعلويين والمسيحيين. ينتمي رئيسنا للعلويين، ويعد العلويون قريبين من الجماعات الشيعية التي تحكم إيران والعراق. تختلف الجماعات عن بعضها البعض، ولكن بالطبع ينتمي السنة والشيعة والعلويون إلى الإسلام. هناك اختلافات بينهم، كما أن هناك اختلافات في المسيحية بين الأرثوذكسية والبروتستانتية والكاثوليكية. يؤمن كل من السنة والشيعة والعلويين برب واحد ورسول واحد، ولكن هناك طرقاً كثيراً للإيمان. 

قبل الحرب إذا كان هناك شخص يدرس في الجامعة، فإن الحكومة تعطيه فرصة لإتمام دراسته قبل أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، مثلما كان الحال معي، فقد استمررت في الدراسة، وعندما أتممتها التحقت بالعمل كمحامٍ، وذلك قبل الثورة، حيث أنهيت دراستي في عام 2007. بالطبع كمحامٍ استطعت أن أقدم للحكومة أسباباً وجيهة لعدم التحاقي بالخدمة العسكرية الإلزامية لمدة 18 شهراً بشكل فوري. طلبت التأجيل حتى يمكنني الانتهاء مما أفعله، حيث أنني كنت على وشك بدء حياتي العملية، ولكن بعد مرور الوقت استنفدت جميع الأعذار، وحينها علمت أنه لا مفر من أداء خدمتي، ولكن حينها اندلعت الثورة.

لا يمكنك أن تتخيل ما معنى أن تلتحق بالجيش وقت هذه الحرب. إنني بشكل شخصي لست خائفاً من الخدمة في الجيش، ولكنني أعلم أنه لا فرصة لدي في البقاء على قيد الحياة الآن لأنني سنِّي. إن جميع قيادات الجيش السوري التابع لبشار الأسد الآن علويون، ليس بينهم سني واحد. بالطبع سيقولون “لا لا إننا جميعاً سوريون في هذا الجيش،” ولكن هذا لا يعدو كونه مجرد حديث. الواقع هو أنهم يضعون السنة في مقدمة الصفوف وفي قلب الخطر، فإذا قتلت فلا مشكلة، ولكن إن كنت علوياً فإنه لا يمكنك وضع علوي على خط النار، أما إذا ما كنت سنياً فإنك لن تنجو. هذا هو الوضع هناك.

لدي العديد من الأصدقاء الذين ذهبوا لأداء الخدمة العسكرية. بالنسبة لشخص أتم دراسته الجامعية مثلي فإن مدة الخدمة العسكرية الإلزامية حوالي 18 شهراً، لكن العديد من الأشخاص يظلون فيها الآن لمدة سنوات عديدة تصل إلى خمس سنوات. إن هذا يدمر حياة الإنسان. هناك حرب وهناك الكثير من العلويين الذين يجب أن يؤدوا خدمتهم العسكرية، ولكننا نرى أن الواقع غير ذلك. هذا هو الموقف في سوريا. 

كيف يمكنني أن أصف ما يحدث؟ لقد انتقلت من حمص إلى دير الزور، لأن الوضع كان خطراً للغاية في حمص. حمص كانت بمثابة وضع خاص، حيث كانت هناك العديد من الجماعات العلوية التي تعيش في حمص، وهي تدعم بشار الأسد. أنا سنِّي من دير الزور، ومدينتي هي ضد بشار الأسد. دير الزور من أوليات المدن التي انتفضت في وجه بشار الأسد.

من النادر جداً أن ترى أي شخص في حمص من دير الزور ومن السنة لأنه بمثابة خطر عليهم، وعلى الرغم من ذلك انتقلت إلى حمص، ومكثت هناك ما بين عام إلى عامين. بالطبع لقد شهدت أشياء كثيرة في الثورة في دير الزور، مثل الكثيرين ممن ذهبوا لرفع الأعلام في التظاهرات، ورأيت الكثير من الناس يُقتَلون ومنهم أصدقائي وجيراني. اتخذ بشار الأسد قراراً بإرسال الجيش إلى دير الزور، وأعطى سكان المدينة مهلة نهائية إما للاستسلام وإما استخدم القوة العسكرية ضدهم. في البداية ظننّا أن هذه مجرد ثرثرة، لم يكن أي شخص يتوقع أن الأسد يمكن أن يستخدم الدبابات والطائرات ضد السوريين، لم يكن أحد ليصدق ذلك، إن هناك الكثير من المدنيين! بالطبع فإن استخدم القوة العسكرية غير ممكن! كان ذلك في 2011 أو 2012.

وبعد ذلك أصبحت حذراً جداً. لدي أصدقاء من العلويين كان والد أحدهم ضابطاً بالجيش. اتصل بي صديقي هذا وهو يعلم أنني في دير الزور، ليخبرني بأنه قلق لأنني في خطر، لذا اتصل بي قائلاً:

“أيمن أرجوك غادر دير الزور لأنه يمكنني أن أخبرك بما سمعته من والدي، إن هناك قراراً حقيقياً باستخدام القوة العسكرية. سوف يستخدمون كل شيء بحوزتهم ضد الناس، لذلك أرجوك أن تذهب، لا يمكنني الحديث على الهاتف.”

كان هذا بمثابة تحذير بقصد مساعدتي، ولذلك أخذت عائلتي وأمي وإخوتي وتركنا دير الزور، وانتقلنا إلى حلب في الوقت الذي كانت فيه سلمية.

نعم، بعد ما تركت دير الزور ضرب جيش بشار الأسد المدينة بالطائرات والدبابات، كان يمكنك رؤية الدبابات بين المباني وفي الشوارع، نعم لقد رأيت ذلك. ومن كانوا يحاربون؟ كانوا يحاربون شعبهم، ومن الذي يحاربني؟ هذا الجندي الذي هو أخي وصديقي. لا يمكنني الذهاب لقتاله.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

الحلقة الثانية: قطع الصلات مع الماضي

الحلقة الثالثة: لن أقاتل في جيش بشار

Read it in English

قامت كلودين فيبر-هوف بإجراء هذه السلسة من المقابلات.

أيمن جلوان

هو اسم مستعار لحماية هوية الكاتب، وهو محامٍ سوري يعيش الآن في ألمانيا كلاجئ مع زوجته.