مخاوف السوريون في تركيا بعد فشل الانقلاب

خلال ساعات بعد الانقلاب الفاشل على الحكومة التركية منتصف يوليو، لم يقلق أحد كالسوريين المقيمين في تركيا، من لاجئين وعاملين وسياسيين وصحفيين وما إلى ذلك، هذا القلق كان حاضراً أيضاً، خلال رحلة الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان إلى روسيا يوم الثلاثاء 10 أغسطس/آب، للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين.

هل سيطردوننا خارج تركيا؟ تساؤل دار كثيراً على ألسنة السوريين، خلال لحظات الانقلاب، لعل أبرز المخاوف كانت، من تغير سياسة الحكومة التركية لو وصل العسكر إلى الحكم، فالعديد من السوريين يرى أن الانقلاب لو نجح، لأجبروا على العودة إلى بلادهم، فمنهم مطلوب للنظام أو الفصائل العسكرية المتطرفة، كتنظيم داعش ومن لف لفّه، وآخرون تخوفوا من تعطيل استثماراتهم، والتسهيلات الممنوحة من الحكومة التركية الحالية للسوريين.

لكن رغم استمرار حكومة حزب العدالة والتنمية في السلطة، كانت التغيرات بدأت منذ العام الماضي، وإن كان بوتيرة خفيفة، ففي مارس/آذار عام 2015، أعلنت أنقرة إغلاق البوابات الحدودية مع سوريا حتى إشعار آخر بوجه المدنيين، مستثنية الحالات الإسعافية وقوافل المساعدات القادمة من المنظمات الدولية، ذلك أدى إلى سماع الكثير من السوريين يقول: “الله يرحم كيف كنا نطلع ونفوت من الحدود دائماً.” في إشارة إلى الفرق في حركة العبور النظامية، وكذلك غير النظامية؛ فقبل تلك التغيرات، لم تكن قوات الحرس الحدودي التركي تطلق النار على الهاربين، أما الآن، فمعها الضوء الأخضر في إطلاق النار على أي شخص يحاول عبور الحدود.

وتتواجد بين سوريا وتركيا تسعة معابر، من شمال غرب سوريا، معبر كسب، يأتي بعده معبر باب الهوى فباب السلامة شمال حلب، ثم معبرا جرابلس وعين العرب “كوباني،” إضافة إلى معبر تل أبيض ومعبر رأس العين، ومعبر القامشلي “نصيبين”، وعين ديوار أقصى الشمال الشرقي لسوريا.

وتعد بعض المعابر شرايين حياة للمناطق السورية، التي خرجت عن سيطرة النظام، ومنفذاً للهاربين من أي جهة تقاتل في سوريا. وتبع إعلان إغلاق المعابر، تشديدات أمنية كبيرة على الحدود، حتى أصبحت حركة العبور في أدنى نشاطاتها هذا العام.

وما زاد الطين بلّة لدى السوريين الراغبين بالمجيئ إلى تركيا، هو فرض تأشيرة دخول على السوريين، بداية العام الحالي، وصعوبة الحصول عليها، لا سيما لمن يريد المجيء من سوريا عبر لبنان، فالوصول إلى السفارة التركية هناك يبدو حلماً، بسبب صعوبة الحصول على جوازات لإجراء مقابلة في السفارة؛ وإن تحقق، أمل ختم الموافقة على الدخول للأراضي التركية يبقى ضئيلاً، فحتى لم الشمل مثلاً، تحصره السلطات التركية فقط بمعبر باب السلامة الحدودي! وبالتالي لا يستطيع أي سوري لم شمله مع عائلته عبر فيزا من السفارة التركية في بيروت.

لكن وبعيداً عن كل ذلك، لم يتغير الكثير على الأرض، منذ تلك القرارات، فالتسهيلات مستمرة نوعاً ما تجاه السوريين في تركيا، متمثلة بقرار الحكومة هذا العام إلغاء فرض الخروج والدخول من الأراضي التركية على السوريين المخالفين بتواجدهم في تركيا، والراغبين بالحصول على اقامات سياحية أو إقامات عمل. كما أن الوضع المعيشي بالنسبة للسوريين ما يزال أفضل، ولا توجد خطورة على من يخالف بالإقامة، كبلدان أخرى استقبلت السوريين.

يبدو واضحاً أن أنقرة بدأت في حسابات جديدة فيما يتعلق بعلاقاتها مع جيرانها، ومع الغرب، المعادلة الثلاثية (تركيا روسيا إيران) دخلت حيز التنفيذ على ما يبدو، بالتالي، كثرت التحليلات عن نتائجها، وتأثيراتها على نحو مليونين و800 ألف سوري في تركيا، بحسب أرقام الأمم المتحدة، يتوزعون بين المخيمات والعديد من المدن التركية.

جمهور المعارضة السورية انقسم فيما يخص ذلك، البعض يرى أن الرئيس التركي سيبقى ثابتاً في مواقفه، ولن يبتعد عنها، أو يقدم تنازلات للروس والإيرانيين فيما يخص موقفه من بشار الأسد، بل ويذهبون في التحليل، إلى أن أردوغان قد يجذب طهران وموسكو نحو موقفه، لا سيّما أن إيران وتركيا، تتفقان على الخط الأحمر عندهما، وهو إقامة حكم كردي في شمال سوريا!

ويرى آخرون، أن اعتذار أردوغان عن حادثة إسقاط الطائرة الروسية على الحدود مع سوريا، واعترافه بموقف بوتين حين كان أول من اتصل به لتهنئته بفشل الانقلاب، تشير إلى أن أنقرة، ستقترب من خط طهران وموسكو فيما يخص الحل في سوريا، هنا تزداد المخاوف.

وبعيداً عن المخاوف، ثمة تفاءل كثيراً بفشل الانقلاب، هذا التفاؤل مبني على تصريحات الرئيس التركي التي أشارت إلى إمكانية تجنيس العديد من السوريين، وذهب إلى القول إن باب الجنسية سيفتح أمام السوريين عندما تنتهي حكومة حزب العدالة والتنمية من حملتها ضد من قاموا بالانقلاب، بيد أن المتفائلين كثيراً، لم ينتبهوا أن تصريحات أردوغان حيال التجنيس، حملت الإشارة إلى أن السوريين الذين سيجنسون، هم أصحاب الكفاءات! وبالتالي، إن تمت تلك الخطوة، ستكون انتقائية.

ومع ذلك، تبقى الفرضيات واردة، تركيا تحركت ودعمت مقاتلي الجيش الحر لتحرير جرابلس شمالي سوريا من تنظيم داعش، وبدأت التحليلات حول التقارب بين أردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد، لقطع حلم الأكراد بتحقيق “كردستان سوريا،” وذهب آخرون إلى أن هذا التدخل الأخير، يمهد لإعادة بعث فكرة المنطقة الآمنة التي طرحتها تركيا منذ سنوات لتنفيذها في شمال سوريا.

بيد أن التقلبات والتغيرات السياسية، ترافقها ثوابت على الأرض، فاللاجئون السوريون ممن يحملون بطاقة الهوية الخاصة التركية “الكملك” ما زالوا مقيدي الحركة، لا يستطيعون الخروج من مدينتهم إلى مدينة تركية أخرى إلا بموافقة أمنية، وهذه الموافقة ليست سهلة.

Read in English

حسن عارفه

صحفي سوري مقيم في تركيا.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط