نظام قضاء الفصائل الإسلامية في إدلب: اختلاط الديني بالشخصي

أصبح الوضع القضائي في إدلب أقرب لأن يكون قانون غابة، يفرض الطرف الأقوى فيها أحكامه على الجميع، ولكن وراء حكم الأقوى نرى مشهدا معقداً، فيه يختلط دور الفصائل العسكرية بدور المدنيين، وتصبح مفاهيم إسلامية تقليدية مثل الشريعة والاجتهاد أسلحة لتصفية الحسابات، وتعزيز سيطرة المسلحين ومن ينتمي إليهم.

خرجت محافظة إدلب عن سلطة نظام الأسد تدريجياً بين العامين 2012 و2015 حين خرجت بالكامل عن سيطرة النظام. ومنذ سيطرة المعارضة على أولى المناطق وحتى اليوم، لا يزال سكان المحافظة يعانون من أحكام تلك المحاكم، التي لا تختلف كثيراً عن تلك التي كانت في ظل سيطرة نظام الأسد، ولا سيما الفساد في شكل المحسوبيات والرشاوى واستبداد الأحكام.

يوجد في إدلب نوعان رئيسيان من المحاكم، كلاهما يستمدان أحكامها من الشريعة الإسلامية غير المقننة كما تدعى، والتي تعني أنها غير محددة وغير مكتوبة بنص يشرح مبادئ ومواد وقوانين وفقرات واضحة، بل تعتمد في كل مرة على اجتهاد القضاة الشرعيون في إيجاد حكم لكل قضية تعرض عليهم، ما يؤدي إلى أحكام متعارضة تختلف من حالة إلى أخرى.

النوع الأول من المحاكم هو المحاكم الداخلية الخاصة بكل فصيل على حدا. كدور القضاء التابع لتنظيم جبهة فتح الشام (حبهة النصرة سابقاً)، أو محاكم أحرار الشام المنشرة في المحافظة وغيرها. هذه المحاكم ملزمة بتوجيهات المكتب الشرعي للفصيل التابعة له، وقضاتها من الأشخاص المنتمين له. يُعنى هذا النوع من المحاكم بحل المشاكل والقضايا ضمن مكونات الفصيل، وهكذا ليس له استقلال عن قيادة الفصيل وعناصره المسلحة، ويعرض على هذه المحاكم من قضايا بين المدنيين، الذين يلجؤون إليها لحل مشاكلهم، من الطبيعي أن ترى في هذا النوع من المحاكم قاضياً كان يعمل خياطاً أو عامل بناء قبل أعوام قليلة.

أما المحاكم المشتركة كالهيئة الشرعية في بنش، بالإضافة إلى 12 محكمة تابعة لها في المحافظة، فكوادرها القضائية تتكون من قضاة ومستشارين وفقهاء متنوعي التوجهات. وتعنى في كل ما يطرح عليها من قضايا سواء أكانت بين فصيلين متخاصمين، أو قضايا الأحوال المدنية. وتختلف عن سابقتها بأنه يمكن الطعن والاستئناف في بعض الأحكام الصادرة عنها، وفي هذه الحالة تُنقل القضية إلى المحكمة الرئيسية في بنش، لإعادة دراسة القضية والنظر في الحكم.

لا يختلف النوعين عن بعضهما كثيراً، فطالما أن المواطن يختار إلى أي نوع من المحاكم يلجأ في قضيته، ودائماً ما يكون ذلك بناءً على تقاربه مع أفكارها أو موالاته لها، أو في الدرجة الأولى بسبب وجود علاقة بأحد القضاة، ما يضمن حسم القضية لصالحه حتى قبل أن يتقدم بشكواه. وبالطبع فإن القوانين لا تطبق سوى على الضعفاء الذين لا يملكون ظهراً في المحاكم أو في فصيل مقاتل بارز. أما الأشخاص المتنفذون في المناطق المحررة، كقادة الكتائب وأقربائهم أو كل من يمت إليهم بصلة، فهؤلاء يضربون عرض الحائط بهذه المحاكم وكل ما يصدر عنها، وتُعتبر أداتهم لإيجاد منفذ وغطاء شرعي لتصرفاتهم، وهو ما لا يختلف عن الوضع أيام سيطرة قوات النظام. سوى أن العملية كانت تتم دون وجود طائرة تابعة للأخير، تلقي برميلاً متفجراً على الطرفين كما حدث في كثير من المرات، وأدى إلى مقتل العديد من الموقوفين ومن كان يحتجزهم.

رفض كلا النوعين من المحاكم مبادرةً من بعض ناشطي المحافظة لاعتماد القانون العربي الموحد كمرجعية قضائية في إدلب، على غرار ما حصل في جارتها حلب. ولكن ذلك قوبل برفض شديد، بسبب عدم اقتناع الكثير من الشرعيين المؤثرين في المحافظة به.

عدم وجود قانون واضح مكتوب هو الحجّة التي لا تترك حجّةً أمام أحد للدفاع عن شخص يدرك أنّه قد ظلم في قضية ما؛ حيث ترجع كل القضايا لاجتهاد الشرعيين الذين لا يمتلكون الأهلية الشرعية التامة، فمن الطبيعي أن تجد حكمين مختلفين صادرين في قضيتين متطابقتين في تلك المحاكم، التي لا تراعي قواعد أصول المحاكمات، وفوق ذلك تصدر أحكاماً غير قابلةٍ للطعن. ناهيك عن ذلك، هناك تدخل القيادات العسكرية بشكل مباشر في القضايا وفقاً لمصالحهم وغاياتهم.

إن التوحيد بين النوعين يعد ضرباً من المستحيل في ظل الظروف الحالية على الرغم من تشابههما الكبير، ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة منها الاختلاف الفكري والمذهبي، على الرغم من أن جميعهم من أنصار السلفية، إلا أنه كثيراً ما يتهمون بعضهم البعض بوجود خلل في العقيدة، خصوصاً إذا ما كان أحد هؤلاء من أنصار الصوفية في إحدى مراحل حياته، وبالإضافة إلى غياب الثقة وعدم اقتناع أيٍّ من الطرفين بالآخر.

يعمل مع هذه المحاكم أذرعاً أمنية يرتجف سكان المحافظة بمجرد ذكر اسمها أمامهم، كمجموعة “العقاب” في منطقة جبل الزاوية، و”بلوطة” في منطقة جسر الشغور التابعتين لجبهة فتح الشام؛ لهذه المجموعات حرية تامة في اعتقال أو اختطاف وحتى اغتيال أي أحد من سكان تلك المناطق، ويعلّل أمراء الجبهة وجود هذه المجموعات بمقتضيات الضرورات الأمنية، كما يثبت وجودها خلط الدور العسكري للفصيل بالنطاق المدني.

إذا اعتقلت إحدى هذه المجموعات شخصا، فيقتادوه إلى سجون سرية، حيث تحقق معه في ظروف من التعذيب الجسدي والنفسي بالغة الشدة، فما إن ينتشر أن أحدًا في جبل الزاوية تم اختطافه من قبل مجموعة العقاب، حتى يعتبره السكان في عداد الموتى حتى يعود. والمفارقة أن الكثير من أمراء أو عناصر جبهة فتح الشام يلجؤون لهذه المجموعات كحل لمشاكلهم وتصفيات حساباتهم، لعدم اقتناعهم بدور القضاء التي أنشأه قياداتهم.

معظم المعتقلين لدى هذا النوع هم من قيادات وعناصر الجيش الحر أو من الناشطين المدنيين، وتوجه إليهم تهماً مختلفة كالردة والعمالة، ويتم الحكم عليهم بالسجن لمدة معينة، أو بدفع مبلغٍ كبيرٍ من المال بدلاً لذلك قد يصل إلى خمسمائة ألف دولار، بحسب أقوال المحليين، كما في حالة أبو عبد الله الخولي المشرف العام لحركة حزم التابعة للجيش الحر، والتي كانت جبهة النصرة قد داهمتها وأنهت وجودها في بداية عام 2015. وأما الأشخاص الذين تثبت براءتهم لدى هذه المجموعات، فهم مجبرون على دفع مبلغ كثمن للإقامة والطعام الذي حصلوا عليه في ذلك المكان يتراوح مع طول مدة البقاء. الجدير بذكره هنا أن العديد من حالات الموت تحت التعذيب تم توثيقها في هذه المعتقلات، وكذلك بعض حالات الفرار بعد دفع رشاوي طائلة للسجانين، كما حصل مؤخراً مع أربعة من قياديي جبهة ثوار سوريا الذين كانوا معتقلين لدى مجموعة العقاب في منطقة جبل الزاوية.

مع سوء وضع القانون في إدلب، ما يقلق أكثر هو المشاكل الكامنة؛ بات القانون سلاح لتصفية الحسابات وفرض حكم الفصائل وتقويض المؤسسات المدنية. لا يختلف الوضع كثيرا على ما كان عليه تحت حكم بشار الأسد، إلا أن الجماعات المتطرفة تستند، على الأقل نظريا، إلى الدين الإسلامي والشريعة لتبرير حكمها الاستبدادي، ولكنهم ستظل تستهدف النشطاء الذين يحاولون تأسيس حكما محليا مستقرا وفعالا، وأيضا المدنيين الذين يتحدون حكمها، كما عمل وما زال يعمل نظام الأسد.

Read in English

طروادة عبد الحق

ناشط مدني مقيم في ادلب.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط