في ظل الهزيمة العسكرية: كيف يطور داعش نموذجه الاقتصادي؟

نجحت الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش في هزيمة التنظيم عسكرياً، مما جعل الأمر صعباً بالنسبة له للعمل كدولة تقليدية؛ نتيجة لفقدان معظم المراكز الحضرية في كل من سوريا والعراق، إن نموذج حكم داعش للسيطرة وإدارة الأراضي يبدو أنه ينهار أيضاً. وبناء على ذلك، فإن الخبراء يبدو أنهم يركزون على كيفية تغيير تنظيم داعش لتكتيكاته لتتجه إلى حرب العصابات أو تكتيكات الضربة السريعة، لتعود تحت الأرض مرة أخرى. لكن القليل من الاهتمام اتجه نحو كيفية تطوير التنظيم لممارساته الاقتصادية لتعويض الخسائر المالية الفادحة التي لحقت به.

وصَف تنظيم داعش بأنه الأكثر ثراء بين التنظيمات الإرهابية، وذلك لقدرته على توليد المزيد من العائدات أكثر من أي جماعة إرهابية أخرى. تشير التقارير إلى أن مصادر دخل التنظيم الأساسية تعتمد على مبيعات البترول، والضرائب الداخلية، والابتزاز، وغنائم الحرب، وبيع الآثار، والإتجار بالبشر، وفدية الخطف، والتبرعات الخارجية. في ديسمبر/كانون الأول 2015 قدرت شركة آي إتش إس (وهى مؤسسة تعمل في مجال تقديم التحليلات والاستشارات) عائدات تنظيم داعش الشهرية بثمانين مليون دولار. كما قدرت الشركة أن حوالي 50% من هذه العائدات تأتي من الضرائب، وحوالي 43% تأتي من عائدات النفط. يولد داعش أيضاً أرباحا من مصادرة الأصول بالمناطق التي تقع تحت سيطرته، إما لإن أصحابها ينظر إليهم بوصفهم أعداء لدولة الخلافة، أو ببساطة لأنهم لم يعودوا على قيد الحياة.

إن الاعتماد على هذه التكتيكات المماثلة لتلك التي تستخدمها الدول التقليدية شكلت بنسبة كبيرة بداية الحرب الاقتصادية ضد التنظيم، فممارسات التنظيم المالية كانت تركز بشكل كبير على توفير المال من الأراضي التي يسيطر عليها كما هو مشار إليه في تقرير آي إتش إس. ومن ثم، فإن التنظيم كان أكثر ضعفا أمام العمليات العسكرية بقيادة الولايات المتحدة، والتي تستهدف تمويل داعش. منذ أكتوبر/تشرين الأول 2014، بدأت طائرات الولايات المتحدة الحربية فيالهجوم على البنى التحتية النفطية، ومعامل التكرير ومضخات النفط في سوريا التي تقع تحت سيطرة التنظيم. كما دمر القصف الجوي مرافق التخزين النقدي الجماعي للتنظيم مما ساهم في الحد من قدرات التنظيم المالية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة قامت بالقضاء على بعض المخططين والمنفذين الماليين ذوي المستوى الرفيع مثل الحاج إمام، وزير مالية التنظيم. إلا أن تكتيكات الولايات المتحدة الأساسية في الحرب الاقتصادية تهدف إلى استعادة الأراضي التي سيطر عليها التنظيم، من أجل منعه تماما من استغلال السكان والاقتصاديات التي تقع تحت سيطرته.

لكن خسارة الأرض لا تقوض مصادر التنظيم المالية فقط، لكنها توفر فرصاً جديدة وإعفاء التنظيم من التزاماته المالية باعتباره دولة. ربما استطاع داعش توفير عائدات مالية أكثر من أي تنظيم إرهابي آخر، لكنه أيضا تكبد تكاليف غير مسبوقة بالنسبة لهذا النوع من التنظيمات. إن طموح تنظيم داعش للاحتفاظ بشكل الدولة على مساحة واسعة من الأراضي وفي وقت الحرب يكبده أموالاً. لذلك فإن التنظيم، كنتيجة لمسئولياته المالية والحرب ضده، يواجه بشكل مستمر وبصعوبة متزايدة صراعاً لتوفير المال. بناء على ذلك، فإن خسارة الأراضي التي كان يديرها تسمح للتنظيم بتطوير ممارساته المالية لضمان استمراره وقدرته على العودة.

وفقاً لريناد منصور وهشام الهاشمي، وهما خبيران عراقيان، فإن داعش يتبنى تكتيكاً جديداً يعتمد على خلق مشاريع مشروعة (مثل شركات الخدمات والممتلكات والأطعمة وصناعة المشروبات.. إلخ) وذلك من خلال طرف ثالث لتحقيق الربح. لدى تنظيم داعش مدخرات نقدية، لكنه لا يستطيع استثمارها بشكل مباشر بسبب قوانين مكافحة الإرهاب، كما أن أعضاء التنظيم المعروفين سيتم مراقبتهم مما سيحد من قدرتهم على المراوغة. لكن التنظيم يمكنه التغلب على هذه المشكلة من خلال توظيف وسيط لشراء البضائع المختلفة من أجل الاحتفاظ بالسيولة في اقتصاد الحرب. “الاتجاه الجديد يرتكز على القدرة على غسيل المخدرات النقدية الضخمة التي نهبت من المدن الكبيرة مثل الموصل، بطريقة تسمح له للاستمرار في الاعتماد عليها دون تدخل من قبل قوى معادية.” عادة ما يكون الوسطاء من مذاهب وخلفيات متنوعة، وهم في الأغلب يتشاركون في الأرباح الاقتصادية مع التنظيم، وربما لا يعلمون شيئا عن مصدر المال. “لدينا شكوكا كبيرة في أن داعش يستخدم نفس التكتيك في سوريا، لكن لم يتم دراسة الأمر بشكل واف، تظل الأولوية للجميع هي هزيمة التنظيم عسكريا”، هكذا صرح أحد الدبلوماسيين الغربيين.

كما تعتمد داعش على نظم تحويل بديلة (الحوالة)، وهي وسيلة غير رسمية لنقل المال بدون تحريك النقد، تعتمد على علاقة الثقة بين مختلف المحولين في مختلف المناطق. لدى شبكات الحوالة القدرة على تجنب وسائل النقل الإلكترونية، مما يجعل من تتبعها أو منعها أمراً صعباً. لكنه من المهم التأكيد على أن هذا النظام لا يتم استخدامه من قبل داعش فقط، حيث أن الكثير من رجال الأعمال هم جزء من هذا النظام. يقول مصطفى عبد الله وهو ناشط سوري في شمال سوريا “الطريقة الوحيدة لاستلام وإرسال المال في جميع المناطق خارج سيطرة النظام هى الحوالة. العديد من الناس في المناطق تحت سيطرة النظام أيضا يستخدمونها. لا نعلم من المسئول، لكننا نعلم بأنها الخيار الوحيد لدينا.” وبالمثل، فإن التنظيم يبدو أنه يستثمر أكثر في أنواع أخرى من مشاريع السيولة مثل مصارف تغيير العملات. فقد أضاف الدبلوماسي الغربي قائلا “هناك دليل موثوق يؤكد أن انخراط داعش في السوق السوداء، مثل تغيير العملات، يتنامى بشكل كبير، مما يسمح له بتغيير العملة السورية إلى عملة غربية ونقلها خارج البلاد.”

من المهم من أجل الحفاظ على إنجازات الحملة ضد داعش بقيادة أمريكية أن يتم زعزعة شبكات التمويل للتنظيم، والتي تهدف إلى ضمان استمراره في انتظار فرصة جديدة للظهور. بناء عليه، فإن فهم تطور ممارسات داعش المالية سواء في الاقتصادين الرسمي أوغير الرسمي يجب أن يصبح أولوية.

اشترك في نشرتنا Read in English

حايد حايد

باحث غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، متخصص في الشأن السوري.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة