تأثير تحول حركة النهضة بعيداً عن الإسلام السياسي

تعددت وتباينت ردود فعل وسائل الاعلام العالمية عند تلقيها التصريح التاريخي الذي أدلي به راشد الغنوشي – قائد حركة النهضة الاسلامية في تونس – بمنتصف شهر مايو. إن تصريح الغنوشي الذي مفاده أن النهضة ستفصل بين المهمة الدينية للحركة (الدعوة) وبين واجباتها السياسية (السياسة) قد تم فهمه على أنه خطوة في اتجاه العلمانية، لكونه تراجعاً عن التوجه الاسلامي التاريخي للحزب – بل وقد يؤدي إلى زوال الحركة في نهاية المطاف. ولكن ماذا كان هذا التصريح يعني بالفعل؟ وما هي تداعياته بالنسبة للنهضة ولتونس وللحركة الاسلامية وللعالم العربي؟

عقدت كريستيان امانبور مقابلة مع الغنوشي على محطة السي إن إن. بعد الادلاء بهذا التصريح بفترة قصيرة، وفيما حددت امانبور أهمية هذا الاعلان، أصر الغنوشي اصراراً كبيراً على أن الدين يبقي في قلب مشروع حركة النهضة السياسي. حيث شدد الغنوشي أثناء المقابلة على بقائه ملتزما بالدين في الساحة العامة، وأن ثقته في الطبيعة الدائمة للدين هي ما دفعته ليقرر أن الفصل ما بين المسؤوليات والواجبات داخل إطار الحركة الأكبر يجب أن يكون له تأثيراً مؤسسياً. 

توجد سلطة دينية في المذهب السني للإسلام، وإن لم يكن بالطريقة الهرمية الكنسية. حيث إن نظم الأصالة الدينية قد تم تأسيسها منذ أكثر من ألف عام. وتاريخياً، فان هذا يعني أن القادة من السياسيين والسلطات الدينية كانوا مستقلين ومنفصلين عن بعضهم البعض. وفي هذا السياق، كان هناك دائماً سلاطين (ممن يشكلون السلطة السياسية) والعلماء (الذين يمثلون السلطة الدينية) – ونادراً ما توحدا أو تمثلوا في شخص واحد في ذات الوقت، وعلى الرغم من هذا الفصل، كان كل طرف يعي جيداً دور الاسلام في الوعي العام. تبين الخطوة التي قام بها الغنوشي أنه بعد الموافقة على الدستور التونسي، هو يري أيضاً اعترافاً بالإسلام وما يعتبره الهوية الإسلامية، التي يجب حمايتها في المحافل العامة، كما هو مذكور في العديد من العبارات المدرجة في الدستور. وبالتالي، فان الحاجة إلى تناوب النهضة ما بين كونها حزب سياسي من جهة وحركة دينية من جهة أخري قد انتهي.

هل يجوز تسمية ذلك بالعلمانية؟ من الممكن – لكنه سيعتبر نوعاً معيناً من العلمانية: علمانية نتجت من التوسط بين التجربة الاسلامية التونسية والواقع التونسي الأكبر – وهو أمر مشروع للغاية. إن أي فكرة قائمة على أساس أن أي شكل من أشكال العلمانية التونسية يجب ان يقوم على استبعاد الدين من المجال العام، بصورة مستدامة، هي فكرة جدلية. إن هذا لا يعد فصلاً ما بين السياسة والدين، إنه تمييزاً ما بين أولئك الذين يعملون بالسياسة وأولئك الذين يعملون بالدين. وهذا مختلف تماماً. لن يتم اقصاء الدين من المجال العام كنتيجة لهذه الخطوة – كما هو الحال في بعض أنواع العلمانية المتشددة. 

هل ستتفكك وتتفسخ هذه الحركة الآن – مع تراجع الدعم الشعبي للحزب السياسي – كنتيجة لهذه الخطوة؟ هذا مشكوك به. لقد تمت مناقشة هذه الخطوة لمدة أعوام داخل النهضة، وتم اتخاذ القرار فقط بعد أن تم تشذيب وإقناع العديد من العناصر داخل الحزب بهذا القرار. بمعني آخر، انه عندما تم اتخاذ القرار، فإنه كان قراراً يعبر عن اجماع. بالتالي، لن تطالب القواعد الشعبية للحزب بتفتيته إلى أحزاب أخري بسبب ذلك – سيعد ذلك اختياراً سيئاً للمعركة التي يجب خوضها. 

وعلى الرغم مما سبق، فسيكون هناك عدد من التوترات. بعضها فوري، وبعضها سيظهر على الأمد البعيد. إن التوتر الأول سيتعلق بما يعنيه الفصل على المستويين المؤسسي والعملي، أياً من الأقسام والمكاتب ستكون مخصصة للدعوة وأياً منها ستكون معينة بممارسة النشاط السياسي؟ إن هذا ليس مشكلة هامشية – حيث يتضمن السلطة والمناصب والشئون المالية، وهناك بالفعل نقاشات قائمة فيما يتعلق بهذه الأمور. إن القرار الجماعي فيما يتعلق بالفصل لم يحسب حساباً لمثل هذه النقاشات. وفقاً لمختلف المصادر، فإن مجلس شورى حركة النهضة سيقوم بالتداول ومعالجة هذا الأمر – ومن المرجح ألا يحدث ذلك بسلاسة. 

أما التوتر الثاني فهو متعلق بما يعنيه هذا الفصل لكل من السياسة والدين في تونس. إن باب الانضمام إلى الحزب سيكون مفتوحاً، وذلك مع التقليل من المؤهلات الدينية المطلوبة، على سبيل المثال الغاء شرط الأخلاق من لائحة شروط العضوية. بمعني آخر، فإن ذلك يفتح الباب على مصراعيه أمام احتمالية التحاق العديد والعديد من الأعضاء الجدد بالحزب. بالإضافة إلى ذلك، فلن يدين الأعضاء – سواء من الجدد أو القدامى – بالفضل كثيراً للتحفظ الديني لعامل الدعوة داخل الحركة. ماذا يعني هذا بالنسبة لصنع السياسة العملية داخل الحزب في مضيه قدما للأمام؟ لا يبدو أياً من هذا واضحاً حتى الآن.

ثانياً، وعلى الصعيد الديني، فإن النهضة كانت دائماً تشكل تحالفاً ما بين نوع من السلفية الوسطية الحداثية (وهي تتميز عن أي نوع آخر من الحركات السلفية) التي يقودها راشد غنوشي على الساحة السياسية، وحركة سنية محافظة ولكنها أكثر انتشاراً على الساحة الدينية. على سبيل المثال، يتمسك الغنوشي بالمنهج الأكثر حداثية، المتداخل مع اللاهوت الاسلامي المتأصل في الرؤية الحداثية لأحمد بن تيمية ومدرسته الفقهية، وذلك بصورة انتقائية. أما على جانب النشاط السياسي، فإن الغنوشي متأثر بشكل كبير بأساليب حسن البنا، مؤسس جماعة الاخوان المسلمون. أما بالنسبة للجانب الديني الأكثر معيارية لحزب النهضة – والذي سيهيمن على جناح الدعوة للحركة – فيرتبط أكثر بالتاريخ السني لتونس والعالم لعربي، ومن المحتمل انه متأثر بالسلفية الحداثية للبنا وآخرين، لكن هذا الاقتراب متأصل في الصيغ العقائدية السائدة في جامعة الزيتونة بتونس، والتي يتشابه مع ذلك الاقتراب المتبع في جامعة الأزهر في مصر. وبالفعل، فإن مقاربات هؤلاء القائمين على الجانب الدعوي في حركة النهضة الدينية قد تسببت في شعورهم بالغضب إزاء مواقف الغنوشي الدينية، والتي تراها زمرة من علماء الدين التقليديين بالنهضة باعتبارها أقل استناداً على الخبرة من اقتراباتهم الدراسية المعيارية. 

ماذا سيحدث في أثناء المضي قدماً بالنسبة للدين في تونس؟ هل سيصبح الجناح الديني لحزب النهضة أقل تميزاً مع مرور الوقت مقارنة بغيره من المؤسسات الدينية التونسية، مع تماثل أوجه التشابه العقائدية بينهم أكثر فأكثر؟ هل سيعني جناح الدعوة التابع لحزب النهضة أن المؤسسة الدينية – بصفة عامة – ستصبح أقل صمتاً وستهتم ‘بإخبار السلطة بالحقائق’؟

إن المتدينين المحافظين من حزب النهضة ليسوا على الاطلاق متأثرين بالمملكة العربية السعودية – على عكس جماعة الاخوان المسلمون المصرية – ولكنهم متأثرون إلى حد كبير بتقاليد جامعة الزيتونة والتعاليم الصوفية أكثر من معظم الحركات الاسلامية. إن الشرائح السائدة من غير الإسلاميين داخل المؤسسة الدينية قد تشكك في حركة النهضة بسبب التسيس الديني. ولكن الان إن جناح الدعوة التابع لحزب النهضة سيحاول أن يبعد نفسه عن هذا الاتجاه، ولكن ماذا ستكون أوجه الاختلاف؟ سنعرف ذلك مع مرور الوقت.

سيكون من المثير للاهتمام أيضا ملاحظة كيف سيؤثر القرار الذي اتخذته حركة النهضة على علاقاتها مع الاسلاميين الآخرين في المنطقة. يتوقع بعض أعضاء حركة النهضة بالفعل معارضة الاسلاميون الذين ينتمون إلى حركات اسلامية وسطية أخري لهذه الخطوة. تبقي رؤية كيفية تأثير ذلك علي نمو الحركة الاسلامية في المنطقة بشكل عام في علم الغيب.

بصورة أساسية، وعلى العديد من الأصعدة تعتبر الخطوة التي قام بها الغنوشي جيدة لتونس وللعالم العربي أجمع. وكما نأمل، فهي ستقلل من استغلال الدين من أجل أغراض حزبية – مما يقلل من قيمة الدين والسياسة على حد سواء. كما انها تظهر ثقة مؤيدي حركة النهضة في استقرار النظام الدستوري التونسي، بالإضافة إلى قبول أكبر للنظام التعددي ما بين التونسيين عامة. في منطقة تمزقها سياسات الهوية بطريقة مدمرة للغاية، تعتبر هذه الخطوة من الأخبار الجيدة. ولكم تحتاج هذه المنطقة إلى المزيد من الأخبار الجيدة.

Read in English

هـ. أ. هيالر

كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على عمليات الانتقال في الدول العربية وحقوق الانسان.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط