القضاء العسكري المصري: تحليل قانوني

يثير القضاء العسكري في مصر جدال كبير منذ إنشائه في ستينيات القرن الماضي. وقد استمر هذا الجدل في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011، بالرغم مما طرأ على هذه المسألة من تغيرات قانونية ودستورية مهمة. فمع ازدياد حوادث العنف في مصر منذ يوليو 2013 ازدادت أعداد المحالين للمحاكمات العسكرية، ولعل آخرها القرار الصادر بإحالة 273 متهما للقضاء العسكري، بخصوص بعض أحداث العنف بمحافظة المنيا، بالتزامن مع فض اعتصام رابعة العدوية في أغسطس 2013. ولأن هذا ليس هو القرار الأول بإحالة متهمين إلى القضاء العسكري ولن يكون الأخير، فإنه من الضروري دراسة وضع القضاء العسكري في النظام القانوني والدستوري المصري لفهم طبيعة هذا القضاء عن قرب، بعيدا عن التقييمات السياسية.

كشأن سائر الدول، يعد القضاء العسكري المصري جزء من القوات المسلحة، حيث يختص بالحكم في المنازعات المتصلة بالشأن العسكري. وينظم القضاء العسكري في مصر القانون رقم 25 لسنة 1966، وقد تم تعديل هذا القانون مرات عديدة آخرها في 3 فبراير 2014. أهم ما يثار لدى الحديث عن القضاء العسكري هو تصنيفه من حيث ما إذا كان يعد سلطة قضائية، أو مجرد إدارة داخل القوات المسلحة. كان القضاء العسكري المصري، منذ صدور القانون رقم 25 لسنة 1966، إدارة من إدارات القوات المسلحة، حيث تقرر المادة الأولى “الإدارة العامة للقضاء العسكري هي إحدى إدارات القيادة العليا للقوات المسلحة، ويتبع هذه الإدارة نيابة عسكرية ومحاكم عسكرية، وفروع أخرى حسب قوانين وأنظمة القوات المسلحة.” غير أنه بصدور دستور 2012 جرى تعديل جوهري، قررته نص المادة 198 من الدستور ونصها “القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها.” وقد استمر هذا النص دون تعديل ــ باستثناء إضافة جملة “ومن في حكمهم” ــ ضمن ما أجري على الدستور من تعديلات واسعة صدرت في يناير 2014. وتطبيقا لهذه التعديلات الدستورية الهامة صدر في فبراير من العام الماضي ــ بعد إصدار دستور 2014 بأيام ــ تعديلات على قانون القضاء العسكري: حيث قررت المادة الأولى منه أن” القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة.” إذاً أصبح القضاء العسكري جهة قضائية يسري على قضاتها ــ الضباط في القوات المسلحة ــ ونظامها العديد من نصوص قانون السلطة القضائية العادية فيما يتصل بحقوق وواجبات القضاة.

إلا أنه بالرغم من النص على أن القضاء العسكري جهة قضاء مستقلة، تنص الفقرة الأخيرة من المادة 1 من قانون القضاء العسكري: ” وتقوم على شأن القضاء العسكري جهة تتبع وزارة الدفاع.” وبالتالي فقد أوجب القانون أن تنشأ جهة إدارية تابعة لوزارة الدفاع تكون مهمتها تنظيم وإدارة القضاء العسكري، وهو ما ينتقص بوضوح من استقلال هذا النوع من القضاء بالرغم من النص على استقلاله كما يعد هذا النص غير دستوري لتعارضه الواضح مع الدستور.

أما عن نظام التقاضي، فقد تم إضافة درجة ثانية للتقاضي أمام المحاكم العسكرية، حيث كانت الأحكام في السابق تصدر من محكمة واحدة دون إمكانية الطعن على أحكامها. وبتعديل قانون القضاء العسكري، في 2007 ثم في تعديلات 2014، أصبح القضاء العسكري يتكون من “المحكمة العسكرية العليا للطعون؛ المحكمة العسكرية للجنايات؛ المحكمة العسكرية للجنح المستأنفة؛ والمحكمة العسكرية للجنح.” وبذلك، فإن الأحكام القضائية العسكرية يمكن استئنافها جميعا أمام المحكمة العسكرية العليا للطعون.

وفيما يتعلق بتعيين القضاة العسكريين، فقد حددته المادة 54 من القانون التي نصت على: “يصدر بتعيين القضاة العسكريين قرار من وزير الحربية بناء على اقتراح مدير القضاء العسكري.” كما أنه طبقا للمادة 3 من قانون القضاء العسكري، بعد تعديلها في العام 2010، فإن القضاة العسكريين لهم حصانة قضائية ضد العزل شأن القضاة المدنيين، وهذا ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 204 من الدستور: “وأعضاء القضاء العسكري مستقلون غير قابلين للعزل، وتكون لهم كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية.”

اختصاص القضاء العسكري

لطالما كان هذا الأمر محل نقاش سياسي وقانوني واسع في مصر على امتداد العقود الماضية، وسبب ذلك هو إحالة المدنيين إلى المحاكمة أمام القضاء العسكري، لا القضاء الطبيعي، مع ما يمثله ذلك من إهدار لأحد أهم الحقوق الأساسية للمواطن، وهو المحاكمة أمام القاضي الطبيعي، فضلا عما يشكله من اعتداء على استقلال القضاء، لاسيما إن كانت الجرائم المثارة تتعلق بنشاط ذي خلفية سياسية بحتة.

تلك هي الحال منذ صدور قانون القضاء العسكري في 1966، حيث كان قانون القضاء العسكري ينص في المادة السادسة قبل إلغائها في مايو 2012 على حق رئيس الجمهورية في إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية، بشأن أية جريمة ترتكب سواء بموجب قانون العقوبات العادي أو غيره. بعبارة أخرى، لم تكن الجرائم لها علاقة بالشأن العسكري. كما أن المادة السادسة كانت تنص على: “ولرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يحيل إلى القضاء العسكري أي من الجرائم التي يعاقب عليها قانون العقوبات أو أي قانون آخر.” وحيث كانت حالة الطوارئ معلنة طوال حكم الرئيس السابق حسني مبارك، فقد كانت هذه المادة تمكن رئيس الجمهورية من إحالة المدنيين من السياسيين والمعارضين إلى المحاكمات العسكرية، التي كانت تفتقر بشدة في ذلك الوقت لأبسط ضمانات استقلال القضاء وحماية حقوق الدفاع.

لكل ما تقدم، وبعد مطالبات متكررة من قوى المجتمع لاسيما بعد ثورة يناير وإلغاء حالة الطوارئ في 2012، جرى تعديل دستوري شديد الأهمية ينص على: “ولا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة، ويحدد القانون تلك الجرائم”. كما جاءت التعديلات الدستورية في 2014، وعددت الحالات التي تمثل اعتداء على القوات المسلحة وما يتصل بها. وقد انتقد هذا النص الدستوري باعتباره يوسع بشدة من اختصاصات القضاء العسكري في محاكمة المدنيين، لأن أي اعتداء على أفراد القوات المسلحة أو منشآتها، طبقا للتعريفات الواسعة في المادة 204 من الدستور، حتى لو ارتكب من شخص غير عسكري، فإنه سيحال للقضاء العسكري.

في هذا السياق، فقد أصدر رئيس الجمهورية الحالي ــ بموجب سلطة إصدار القوانين التي يملكها لعدم وجود البرلمان ــ في أكتوبر 2014 القانون رقم 136 لسنة 2014، وهو القانون الذي يجعل من اختصاص القضاء العسكري “الجرائم التي تقع على المنشآت والمرافق والممتلكات العامة المشار إليها في المادة الأولى من هذا القرار بقانون، وعلى النيابة العامة إحالة القضايا المتعلقة بهذه الجرائم إلى النيابة العسكرية المختصة.” أهم ما تضمنه هذا القانون أنه أدخل في اختصاص القضاء العسكري الجرائم التي تقع على المنشآت المدنية، وهو ما يشكل اختصاصا جديدا للقضاء العسكري لم يرد ذكره في المادة 204 من الدستور المذكورة سلفاً، والتي حددت أن الاعتداءات التي تقع على المنشآت العسكرية، هي فقط ما تدخل في اختصاص القضاء العسكري. الحجة الأساسية المعلنة لتبرير إصدار هذا القانون هو ما تتعرض له مصر من أعمال عنف وإرهاب، تحتاج لمواجهة سريعة عن طريق القضاء العسكري. بالرغم من هذا التبرير، يرى الكثير من القانونيين والمحللين أن هذا القانون (رقم 136 لسنة 2014) غير دستوري، حيث يمنح القضاء العسكري سلطة غير منصوص عليها دستوريا، فضلا عن أنه ينتقص من اختصاص القضاء العادي وهو ما يمثل انتهاكاً لاستقلال القضاء.

 نتيجة لهذا التوسع في إحالة المدنيين للقضاء العسكري، فقد أعلنت مجموعة “لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين” الحقوقية أنه قد أحيل ما يقرب من ثلاثة آلاف مدني في مصر للمحاكمة أمام القضاء العسكري منذ إصدار الرئيس المصري القانون رقم 136 لسنة 2014.

مما لا شك فيه أن إحالة المدنيين إلى المحاكمة أمام القضاء العسكري ــ في غير الجرائم العسكرية ــ لسرعة إصدار الأحكام يعبر عن عدم الثقة في نظام القضاء العادي وقدرته على إحداث الردع العام بالسرعة المطلوبة، كما أن الإحالة للقضاء العسكري لرغبة من النظام الحاكم في إصدار أحكام معينة، لردع خصوم سياسيين أو معارضين يمثل خروجا واضحا على حكم القانون، وهو ما سيظل عقبة كبيرة أمام انتقال ديمقراطي حقيقي بعد ثورة شعبية كانت تسعى إليه.

Read it in English

يوسف عوف

باحث غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على القضايا الدستورية والشريعة الإسلامية والانتخابات والأمور القضائية. وهو حاليا خبير دستوري في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق.