قانون جديد يقمع حرية التعبير على الإنترنت في مصر

صورة من رويترز.

في عام 2007 حكم على المدون كريم عامر بالسجن لأربع سنوات بتهمة ازدراء الدين الإسلامي وإهانة الرئيس، كانت تلك المرة الأولى التي تستهدف فيها السلطات المصرية شخص بتهم تتعلق بحرية التعبير على الإنترنت. في السنوات الأخيرة انشغل المجال العام في مصر بمناقشة حرية التعبير على شبكة الإنترنت، وذلك منذ ظهور المدونات، التي اهتم أصحابها بالكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان، وانتقاد سياسات الحكومات، والمطالبة بإسقاط النظام الحاكم وتعزيز الديمقراطية، ثم ازدادت حدة النقاش مع تصاعد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر. ولم يحسم بعد الجدل بين فريقين؛ الأول يرغب في تقييد حرية الإنترنت، ووضعها تحت قيود قانونية مشددة، تضمن السيطرة عليها، أما الفريق الثاني فيسعى لتوفير الحماية للتعبير عن الرأي على الإنترنت. ولعل آخر التطورات المثيرة للجدل هو اتجاه مصر لإصدار قانون جديد لمكافحة جرائم الإنترنت.

وللدلالة على أهمية وتأثير الإنترنت على النقاش العام والتطورات السياسية في مصر، تكفي هنا الإشارة لقرار وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي بتعطيل خدمة الإنترنت لقطع التواصل بين المتظاهرين. وكان حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين، حينما حاز على أكثرية عضوية البرلمان في النصف الأول من 2012، أعلن عن إعداد قانون لمكافحة جرائم الإنترنت، في حين أن الحزب زعم عدم معرفته بأمر القانون الجديد. اللافت أن النظام الحاكم كان يخطط لتقييد حرية التعبير على الإنترنت، وذلك منذ إجراءه التعديلات الأخيرة على مواد الدستور في عام 2014، حيث نص الدستور في المادة 31 على أن “أمن الفضاء المعلوماتي جزء أساسي من منظومة الاقتصاد والأمن القومي، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليه، على النحو الذي ينظمه القانون”. وقد حذر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان من أن هذا النص الدستوري يسمح للمُشرِّع وللأجهزة الأمنية بملاحقة المدونين والمواطنين الذي يعبرون عن آراء مزعجة للسلطات على مواقع التواصل الاجتماعي.” 

في أعقاب حادثة شارلي إيبدو الإرهابية في باريس في بداية العام الحالي، طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي الأمم المتحدة بمكافحة الإرهاب عبر تعقب وإغلاق مواقع الجماعات الإرهابية على الإنترنت، وفي منتصف مارس الماضي، وخلال لقائه مع مدير الجمعية العامة للأمم المتحدة سام كوتيسا، اهتم الرئيس السيسي بمناقشة استخدام الإنترنت في تجنيد الإرهابيين وتمويل الجماعات المتطرفة، وفي خطابه خلال افتتاح فعاليات القمة العربية الـ26 التي انعقدت في مدينة شرم الشيخ في نهاية مارس الماضي، حذّر الرئيس السيسي من “خطر الإنترنت” الذي تستخدمه الجماعات الإرهابية في نشر الفكر المتطرف، وكشف السيسي في كلمته عن أن حكومته بصدد وضع مبادئ عامة لاستخدام الإنترنت.

في منتصف ديسمبر من العام الماضي كانت أولى الخطوات الملموسة إصدار رئيس الوزراء – إبراهيم محلب – قراراً بإنشاء المجلس الأعلى لأمن الإنترنت، برئاسة وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خالد نجم. ويهدف كما توضح الحكومة إلى مكافحة تهديدات الإنترنت، في حين اعتبره النشطاء محاولة لتقييد الحريات. وفي 18 فبراير 2015 أصدر محلب قراراً آخر بتشكيل لجنة برئاسة وزير العدل، وبعضوية ممثلين عن وزارات الدفاع والداخلية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والخارجية والمخابرات العامة. وتم الإفصاح عن أن مهمة اللجنة ستكون دراسة التعديلات التشريعية اللازمة على القوانين المتعلقة بالأمن القومي، وذلك على نحو يمنح المحاكم صلاحية البت في إزالة ما يبث على شبكة الإنترنت من مصر وله علاقة بالإرهاب.

وفي منتصف أبريل، أرسلت الحكومة مشروع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات – الذي أعدته وزارة العدل، إلى قسم التشريع بمجلس الدولة، لمراجعته قانونيًا ودستوريًا. ووفقًا لوزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فإن تطبيقات القانون ستشمل “كل الإساءات التي تشهدها شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي من جانب الأفراد ضد مواطنين آخرين أو الدولة.” وسيستخدم القانون أيضًا لمكافحة ما أسماه الوزير “التحريض والإساءة أو الإرهاب وكل ما يتعلق بالترهيب الديني والتلاعب بالصور الشخصية والفيديوهات للمواطنين بهدف ابتزازهم.”

ومن أبرز مواد القانون المادة 19، التي تمنح السلطات الأمنية الحق في طلب حجب أي مواقع إلكترونية، تضع أي عبارات أو أرقام أو صور أو أفلام أو أية مواد دعائية أو غيرها، من شأنها تهديد الأمن القومي. وكما أشرنا فإن مصطلح “الأمن القومي” الذي يتخذه القانون ذريعة لمنح السلطات الأمنية ترخيص بحجب المواقع هو مصطلح فضفاض، لا يوجد تعريف محدد له. وهو ما يعني أن القانون يمكن أن يستخدم لحجب مواقع إخبارية أو ثقافية أو سياسية تقدم محتوى لا يروق للسلطات، التي سيكون من حقها تقدير ما إذا كان المحتوى يشكّل تهديدًا للأمن القومي أم لا.

يعاقب مشروع القانون الجديد على قائمة مطولّة من الجرائم، وتتراوح العقوبات بالسجن لمدد تتراوح بين 6 شهور وبين المؤبد، كما يفرض غرامات مالية تتراوح بين 3 آلاف جنيه مصري وبين نصف مليون جنيه مصري. وتزداد شدة العقوبة إذا كانت الجريمة بحق موقع إلكتروني مملوك للدولة مقارنة بالجرائم المرتكبة بحق الأفراد أو بحق الشركات الخاصة. كما يعاقب مشروع القانون بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنتين كل من أنشأ أو ساهم في إنشاء موقعا على شبكة الإنترنت يهدف إلى الترويج لارتكاب أية جريمة من المنصوص عليها في قانون العقوبات. وهكذا يمتد نطاق التجريم في قانون مكافحة تقنية المعلومات إلى الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات المصري، والتي تسمح بالنيل من المعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بتهم مطاطة وفضفاضة مثل إذاعة أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة، إذا كان من شأن ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة (مادة 102 مكرر)؛ أو إهانة رئيس الجمهورية (مادة 179)؛ أو ما يُعرف بجرائم ازدراء الأديان والإضرار بالوحدة الوطنية وإثارة الفتنة (المادة 98). 

كما نص القانون على أن تكون العقوبة السجن المؤبد أو المشدد إذا وقعت أية جريمة من الجرائم المنصوص عليها في القانون، بغرض الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، أو تعريض حياة المواطنين وأمنهم للخطر، أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة لأعمالها، أو تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو اللوائح، أو الإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، أو ازدراء أحد الأديان السماوية، أو الاعتداء على أي من الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور. وهي صياغات خطيرة ومطاطة، اعتادت الحكومات المصرية المتعاقبة على استخدامها عند وضع التشريعات، لاستغلالها في تقييد وقمع الحقوق والحريات.

وقد دافع نجم عن مشروع القانون، بكون الدافع لإعداده انضمام مصر مؤخرًا إلى الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات. بموجب المادة الخامسة من الاتفاقية تلتزم مصر بتجريم الوقائع المتعلقة بالأنشطة الإلكترونية غير المشروعة. وأشار وزير الاتصالات إلى أن الحكومة الحالية لديها توجه للتعاون مع الدول العربية في مكافحة الإرهاب الإلكتروني، وأكد أن الاجتماع القادم لوزراء الاتصالات العرب سيناقش “كيفية التصدي لأية دعوات تثير الفتن أو تشجع الإرهاب على الإنترنت.”

وأشاد نجم بأنه “لأول مرة سيكون أمام القضاة قانون يساعدهم على إصدار عقوبات في جرائم الإنترنت، وسيكون القانون رادعا لأي أحد يقوم بأي اختراقات أو اعتداءات أو تغذية إرهاب أو ازدراء أديان أو جرائم جنسية.” لا جدال في أن الجماعات الإرهابية الدولية أصبحت تجيد استخدام الإنترنت، في التواصل مع خلاياها وتجنيد الأعضاء الجدد عبر العالم، ولكن لا يجب أبدًا أن يتم اتخاذ مكافحة الإرهاب ذريعة لقمع حرية التعبير والتواصل عبر الإنترنت.

Read it in English

رجب سعد

باحث في مجال حقوق الإنسان