لغز العملة المصرية غير القابل للحل

من المقرر أن يجتمع مجلس إدارة صندوق النقد الدولي خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة، حيث سيتم التوقيع الرسمي على الصفقة المقررة لمصر، وهي صفقة محفوفة بالتحديات، لكن من المرجح أن تأخذ مجراها على أي حال. تصر القاهرة على أن صفقة صندوق النقد الدولي تتوافق بشكل جيد مع أجندة إصلاحاتها الاقتصادية، والتي تسمح بإقناع المعارضة الداخلية بالعدول عن موقفها المعارض لخطة صندوق النقد الدولي، إلا إنه من المتوقع قبل اجتماع مجلس إدارة البنك، أن تقوم القاهرة بتقديم دليل على أنها جادة في برنامجها الإصلاحي، وأحد أكثر الأجزاء حساسية في هذا البرنامج هو تعويم قيمة الجنيه المصري.

قبل الانتفاضة الثورية في عام 2011، وصل سعر الجنيه المصري، وفقا لتقديرات البنوك الرسمية، إلى 5.8 جنيهاً في مقابل الدولار لسعر الشراء. اليوم، وصل سعر الدولار الواحد إلى 8.8 جنيهاً مصرياً طبقاً لسعر الصرف الثابت للبنك المركزي – وهي في حد ذاتها 50% زيادة. في السوق الموازية – وهو ما يبدو أنه السوق الذي يتم تداول فيه الدولار بشكل أكبر – وصل سعر الدولار حوالي 12.5 جنيهاً، مع وجود بعض تجار العملة الذين يبيعون الدولار بسعر 13.10 جنيهاً؛ إن سعر السوق السوداء يزيد عن سعر البنك الرسمي بحوالي 40% – ويزيد بنسبة 115% عما كان عليه في 2011.

اتخذت الحكومة ثلاثة تدابير لمواجهة هذا الأمر، الأول كان التعامل مع سعر الدولار الأمريكي بتعويم للعملة متحكم فيه – حيث إن العملة ليست مربوطة بسعر الدولار، مما يعني أن الدولة تتدخل لبيع الدولار، إذا ما كان السعر أعلى مما ترغب، مما أدى إلى نضوب احتياطي العملة. التدبير الثاني هو اتخاذ إجراءات صارمة ضد السوق الموازية، مما أدى إلى مزيد من الاختفاء لهذه السوق تحت السطح. التدبير الثالث هو تأسيس قيود واسعة النطاق على شراء الدولار الأمريكي من البنوك والإنفاق بالجنيه المصري في الخارج من خلال بطاقات الائتمان أو الخصم المصرية.

كل ذلك يفرض صعوبات جمة على الشركات المصرية التي تحاول التعامل مع العالم الخارجي، والشركات العالمية التي تريد الاستثمار في مصر؛ على سبيل المثال، أعلنت الخطوط الجوية الملكية الهولندية في بداية سبتمبر أنها ستعلق رحلاتها من وإلى مصر في عام 2017، لإن القيود على العملة الأجنبية حالت دون إعادة أرباحها.

على مدى السنوات القليلة الماضية، كانت القاهرة تحاول التخفيف من هذه الصعوبة – فيما يتعلق بسعر صرف الجنيه مقابل الدولار – من خلال تخفيض قيمة الجنيه المصري بشكل دوري. بينما من المتوقع انعقاد اجتماع مجلس إدارة صندوق النقد الدولي فيما بين بداية إلى منتصف أكتوبر، فإن انخفاضاً آخر في الجنيه المصري متوقع أن يحدث في خلال الأسبوعين المقبلين، خاصة وأن الفارق بين سعر السوق السوداء والسعر الرسمي كبير جد، ولكن هنا تكمن المزيد من حقول الألغام.

هناك ثلاثة خيارات أمام الدولة المصرية في هذا الصدد، يمكنها تخفيض قيمة الجنيه قليلاً، أو تخفيضه بشكل كبير، أو تعويم الجنيه تماماً، وترك السوق يقرر، وكل خيار يحمل مخاطره.

تخفيض سعر الجنيه، ليكون 10.5 جنيهاً في مقابل الدولار الواحد، سيجعل السوق يستقر قليلا، ويسمح بزيادة الثقة والاستثمار؛ بالطبع، فإن الاستثمارات في مصر حالياً، داخليا وخارجيا، تعاني من الركود، وأي تغيير بهذا الشأن هو أمر مرحب به؛ إلا إنه على صعيد آخر، قد يسبب ذعراً – والمستثمرون سيظلون يعلمون بأن سعر العملة ما يزال مبالغ فيه. بل إن السوق السوداء، والتي الآن يزيد سعرها بشكل مؤقت بنسبة 20% عن السعر الرسمي، يمكن أن تزيد في نهاية المطاف، وسيتم استعادة نفس الفارق الذي بلغ 40%، مما يعني أن الدورة ستعيد نفسها مرة أخرى. في النهاية، سيكون الأمر أشبه بتمزيق شريط إسعافات أولية من فوق الجرح – هل من الأفضل إزالته مرة واحدة؟ أم نزعه ببطء؟ وماذا عن انعدام الشفافية حول متى سيتم نزعه في النهاية؟  

تخفيض سعر الجنيه ليتوافق مع سعر السوق السوداء يعني أن الدورة يمكن أن يتم كسرها، حيث ستخسر السوق السوداء الكثير من حيثية وجودها، تعويم الجنيه يعني أيضاً أن ذلك ممكناً، حيث سيكون دافع الناس للبيع في السوق السوداء ضئيلاً، إذا ما كان السعر هو نفسه كما في البنوك؛ في التحليل الأخير، فإن اقتصاداً مصرياً صحياً سيقوم بتعويم الجنيه، أكثر من فرض حماية من قبل الدولة – وهو أمر يبدو أن القاهرة قد قبلت به على استحياء، ولكن فقط على المدى الطويل، وقد ألمح رئيس البنك المركزي الحالي بأنه لن يفكر في هذا الأمر إلا إذا زادت العملة الأجنبية عن 25 مليار دولار. وهو أمر يريده صندوق النقد الدولي – ولكن يبدو أنه يعلم أنه لن يحصل عليه.

ولكن هذه هي المشكلة، إن الاقتصاد المصري ليس في حالة صحية جيدة، وتعويم الجنيه كلياً أو خفض سعر الجنيه بشكل كبير قد يكون له تبعات لا يمكن السيطرة عليها، القلق الذي يبدو أنه يسيطر على القاهرة هو التكالب على بيع الجنيه والتضخم وارتفاع الأسعار، ومن ثم اضطرابات مدنية في شكل أعمال شغب، وهي مخاوف لا يمكن اعتبارها غير معقولة.

تكمن المشكلة في أن هذه المخاوف مهمة أيضاً لأن يتم وضعها في الاعتبار إذا ما أحجمت القاهرة عن تخفيض سعر الجنيه بالقدر الكافي، فالأسعار ترتفع بالفعل، وبالرغم من أن الاقتصاد لم يتحطم، فإن هناك مخاوف مشروعة من حدوث اضطرابات داخلية في المستقبل القريب، إذا ما انخفض المستوى المعيشي للسكان، أو ارتفعت الأسعار، أو حدث كليهما. من المرجح أن ينخفض سعر الجنيه في أفضل وقت في السنة، حيث تقترب مصر من فصل الشتاء، وذلك أفضل من الصيف، إذ أن في الصيف يكون الضغط أكبر على الاقتصاد بسبب الاستهلاك الاقتصادي وخاصة في شهر رمضان، إلا إن ذلك لا يعني أن الاقتصاد سيمتص التغييرات بدون أي ردة فعل.

في الواقع، تعويم العملة كان يجب أن يحدث منذ أعوام مضت – ربما مباشرة عقب انتفاضة 2011 – وقت أن كان الشعور بالمسئولية الاجتماعية والمدنية في أعلى حالاته، وكان دعم المجتمع الدولي يمكن أن يساند مصر في مرحلتها الانتقالية، لكن التعويم لم يحدث – بل لم تحدث أي من الإصلاحات الاقتصادية الهامة، أو بالأحرى، لم تحدث أي إصلاحات أخرى مهمة في قطاع الأمن والقضاء والساحة السياسية.

تجد القاهرة نفسها الآن أمام لغز غير قابل للحل – فالعملة في وضع غير مستقر، الأمر الذي يستلزم تخفيض قيمتها – ولكن إذا ما تم التخفيض فيجب أن يحدث ذلك بحرص، وفي الوقت المناسب؛ لأن ردة الفعل يمكن أن يتسبب في المزيد من الأذى للاقتصاد. لكن تخفيض القيمة سيحدث في وقت متأخر، مما يعني أن ردة الفعل ستحدث على أية حال – ويجب اتخاذ خطوات لعلاج الاقتصاد في كل الأحوال – والذي من شأنه أن يؤدي إلى ذات الحلقة المفرغة مرة أخرى. الاستمرار على الوضع الحالي بالطبع ليس خياراً، فهو غير قابل للدفاع عنه، حيث أن المستثمرين والمستهلكين على حد سواء ينتظرون ليختبروا الخيارات؛ وكلما تأخر تنفيذ الإصلاحات كان تنفيذها أمر صعب – للأسف.

Read in English

هـ. أ. هيالر

كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على عمليات الانتقال في الدول العربية وحقوق الانسان.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط