هل يمكن أن تنقذ المجموعة الاقتصادية الجديدة الاقتصاد المصري؟

منذ انتفاضة يناير 2011 والاقتصاد المصري يتعثر، فلم يبلغ متوسط النمو الاقتصادي أكثر من معدل ضئيل يقدر بـ 2.5% سنويا، كما بلغ معدل البطالة حوالي 13%، مع بلوغه نسبة تصل إلى 35-40% بين الشباب، كما أن معدل التضخم وصل إلى معدلات كبيرة. على الجانب الخارجي نري الصورة قاتمة بنفس القدر، وهو ما يتضح من نقص النقد الأجنبي مؤخراً، والضغوط المستمرة على الجنيه المصري. كذلك فإن الميزان التجاري -الذي يقيس الفارق بين الصادرات والواردات- في حالة عجز مستمر، تصل قيمتها إلى 20 مليار دولار في السنة. فقد انهارت السياحة في أعقاب الاضطرابات السياسية والمخاوف الأمنية، وانخفضت قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر – والذي يعتبر مؤشرا هاماً على الآفاق الاقتصادية للبلاد – إلى أقل من نصف التدفقات الواردة في السنوات الخمس السابقة على بداية الثورة المصرية. وقد تسبب تردد البنك المركزي المصري في السماح بانخفاض العملة في السنوات الخمس الماضية في فقدان ما يقرب من نصف احتياطاته من النقد الاجنبي.

خلال الفترة من (2013-2011) لم يتم اتخاذ أي مبادرات مؤثرة في السياسات الاقتصادية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة. بينما كانت هناك بعض الإجراءات خلال الفترة (2014-2015)، أدت إلى درجة من التفاؤل، بحدوث تحول اقتصادي أو على الأقل أنه على وشك الحدوث.

أولا: اتخذت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي في يوليو/تموز 2014 خطوة كبيرة لخفض الدعم، عن طريق زيادة أسعار الوقود والكهرباء، ولكن ظل مقدار الدعم كبيراً حتى بعد الإصلاحات، حيث بلغ 8.5% من الناتج الإجمالي المحلي، وقد كانت هذه النسبة 10% قبل هذه الاصلاحات. وقد كان من المتوقع أن يتبع ذلك إجراء مزيد من التخفيضات في الدعم، غير أن هذا لم يحدث حتى الآن.

ثانياً: أطلقت الحكومة عددا من المشاريع العملاقة التي تهدف إلى تحسين البنية التحتية للبلاد، وشملت توسعة قناة السويس وبناء عاصمة ادارية جديدة وبناء مليون وحدة سكنية ومشروعات أخرى، فتم الانتهاء من مشروع قناة السويس في وقت قياسي، بلغ سنة واحدة بتكلفة قدرها 9 مليارات دولار ممولة بالكامل من قبل المستثمرين المصريين، وافتتح المشروع في أغسطس عام 2015، بينما تظل خطة تنفيذ المشاريع العملاقة الأخرى ساكنة، حيث لم يتم حتى البدء في تنفيذ أيا منها.

ثالثا: نظمت الحكومة مؤتمر التنمية الاقتصادية في شرم الشيخ في مارس/آذار 2015، وفي ذلك المؤتمر وقّعت مصر صفقات استثمارية بقيمة 38 مليار دولار، وتلقت تعهدات إضافية بالدعم من دول الخليج العربية، كانت أكثر من نصف الصفقات عبارة عن مشاريع متعلقة بالطاقة والبناء، ولكن حتى الآن لم يتم الوفاء بأي من التعهدات التي قدمت في المؤتمر، باستثناء وعود دول الخليج.

وقد كانت هناك إشارات هامة هذا العام بأن حكومة الرئيس السيسي أضحت مستعدة أخيراً للتحرك بقوة على الصعيد الاقتصادي، ففي يوم 23 مارس/آذار أعلنت الحكومة عن تعديل وزاري كبير، أتى بفريق اقتصادي جديد، وأتبع ذلك بأسبوع تقديم رئيس الوزراء شريف إسماعيل خطة الحكومة لإنعاش الاقتصاد أمام البرلمان.
كان التغيير الرئيسي في الفريق الاقتصادي هو تعيين عمرو الجارحى -وهو مصرفي مرموق وتقلد مناصب قيادية في العديد من المؤسسات المالية سابقاً- كوزير للمالية، وتعيين مصرفية آخرى هي داليا خورشيد كوزيرة للاستثمار، كما عُين أشرف الشرقاوي – العضو السابق في مجالس إدارات بنك مصر والبنك المركزي المصري المملوكين للدولة – كوزير لقطاع الأعمال العام. انضم هؤلاء الوزراء الجدد لطارق عامر محافظ البنك المركزي الجديد، الذي يحظى بخلفية مصرفية هو الآخر، كما احتفظ وزير التخطيط أشرف العربي ووزير التجارة والصناعة طارق قابيل ووزيرة التعاون الدولي سحر نصر بمناصبهم، ويشكل هؤلاء الوزراء قوام المجموعة الاقتصادية في الحكومة المصرية.

وبينما يجلب الفريق الاقتصادي الجديد أفراداً ذوي خبرة واسعة في القطاع الخاص والشؤون المالية، فإنه من غير الواضح إن كانت لديهم الخبرة والتجربة اللازمتين لإجراء الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، التي تحتاجها مصر بشدة، للخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية. ويأتي هذا كتناقض حاد مع ما جرى عليه الحال في العقد الماضي – عودة إلى عهد حسني مبارك، حيث كان هناك العديد من الاقتصاديين في مجلس الوزراء. ورغم أن وجود خلفية اقتصادية ليس ضرورياً للنجاح في إنعاش الاقتصاد، فإن من المفيد وجود صناع قرار برؤية اقتصادية، ومعرفة واسعة بالسياسات التي تحقق تلك الأهداف. إذ أن الكثير من المشاكل الرئيسية في مصر تقبع في الشق الاقتصادي وليس في الشق المالي. ولهذا فإن وجود فريق اقتصادي الغلبة فيها للخبراء الماليين، قد يجد صعوبة في معالجة تلك المشكلات. 

تشمل الخطة الاقتصادية الجديدة، التي كشف عنها رئيس الوزراء شريف اسماعيل، قائمة طويلة من الأهداف التي يتعين تحقيقها بحلول نهاية السنة المالية 2017/2018. الأهداف الرئيسية لهذه الخطة:
• رفع معدل النمو إلى 5-6%، وتجاوز نسبة الـ 6% في السنوات التالية.
• تخفيض نسبة البطالة إلى 10.9%، ثم النزول بهذه النسبة إلى أقل من 9% بحلول منتصف 2020.
• خفض التضخم من 11.5% إلى أقل من 10%.
• خفض عجز الموازنة إلى أقل من 10% نزولاً من 11.5% من الناتج المحلي الإجمالي حالياً.
• خفض عجز الميزان التجاري بنسبة 3-5% على مدى العامين المقبلين.
• تشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة لبلوغ 15-20 مليار دولار.

وكما نري فإن قائمة الأهداف واسعة النطاق ومحددة جدا، وإذا تحققت تلك الأهداف فإن هذا سيقود لنقلة واضحة في الاقتصاد المصري، لذا فإن السؤال البديهي هو: ما هي السياسات والإصلاحات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف؟ هنا تصبح الخطة الاقتصادية أقل تحديدا بكثير. فالعمل السياسي الاقتصادي الملموس الوحيد في هذه الخطة هو إدخال ضريبة القيمة المضافة، لتحل محل ضريبة المبيعات العامة. كما يمكن أن يضاف الإعلان عن التحول إلى نظام سعر الصرف المرن في يوم 14 مارس/آذار إلى هذه السياسات، رغم عدم إدراجه صراحة في الخطة الاقتصادية. أما بقية الإصلاحات الأخرى في الخطة فهي أكثر عمومية، حيث تدعو الخطة إلى إجراء إصلاحات لتطوير القطاع الخاص، وتبسيط أنظمة وقواعد الاستثمار والأعمال التجارية، ومكافحة الفساد البيروقراطي، وإصلاح الأجهزة الإدارية للدولة، وتعزيز التعليم والإسكان والمرافق الصحية للمصريين من ذوي الدخل المنخفض، غير أنها لا تدرج تفاصيل أي من هذه الإصلاحات. 

باختصار، فقد أسهبت الخطة الاقتصادية الجديدة في سرد قائمة مطولة من الأهداف، ولكنها جاءت غير واضحة في جانب سرد السياسات المطلوبة لتنفيذ هذه الأهداف. فحتى الآن لم تحظ الخطة بإعجاب المؤسسات المالية الدولية، إذ يتوقع كلآ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي نمواً بمقدار 3.3% فقط في ،2016 ونحو 4.2% في 2017. إن المفتاح لتحقيق هدف الوصول الى نمو بمقدار 5-6% بحلول منتصف 2018، وتجاوز نسبة 6% في السنوات اللاحقة هو الاستثمار. سوف يتطلب ذلك زيادة كبيرة في الاستثمارات عن المعدل الحالي البالغ 20% من الناتج المحلي الإجمالي إلى مالا يقل عن 25%. غير أن الخطة تبقى صامتة بشأن حجم الزيادة في الاستثمار، وبالتالي عن كيفية تحقيق هذه الزيادة. وعلاوة على ذلك فمن المهم دراسة مكونات هذه الزيادة في الاستثمار، هل ستكون استثمارات عامة في المقام الأول؟ أي مشاريع عملاقة أم أنها ستكون استثمارات خاصة؟

لدي مصر الآن فريق اقتصادي جديد وخطة اقتصادية جديدة. هل سيكون هذا كافيا لتغيير مسار الاقتصاد المصري؟ لا يسع المرء إلا الانتظار، لنرى ما هي السياسات والإصلاحات المحددة التي سيضعها الفريق الاقتصادي الجديد، لبلوغ الأهداف الطموحة في الخطة الاقتصادية الجديدة. حتى الآن لا تزيد الخطة عن كونها قائمة من الأمنيات. نحتاج الآن لرؤية قائمة مفصلة من الإصلاحات.

Read in English

ساهمت إليسا ميلر في كتابة هذا التقرير، ميلر هى مساعدة برامج في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط.

محسن خان

هو كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الأبعاد الاقتصادية لعمليات التحول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.