التراجع الاقتصادي في مصر بعد انتفاضة 2011

السيسي امام المؤتمر

محسن خان وإليسا ميلر

بعد مرور خمس سنوات على ثورة عام 2011، يظل الاقتصاد المصري متعثراً ولا يزال بعيداً عن التعافي. فقد كافحت الحكومات المصرية المتعاقبة من أجل تطوير رؤية لنموذج اقتصادي جديد لمصر، في الوقت التي نفذت فيه هذه الحكومات مع تنفيذ سياسات شعبوية لتلبية المتطلبات الملحة للمواطنين. في التقرير الجديد “التراجع الاقتصادي في مصر بعد انتفاضة 2011” الذي يصدره مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط يبحث الكاتبان محسن خان وإليسا ميلر مسار الاقتصاد المصري منذ عام 2011، وما يجب على الحكومة المصرية الحالية فعله لوقف هذا التردي الاقتصادي.

يبحث التقرير برامج الاصلاح الاقتصادي التي تم إطلاقها قبل ثورة 2011، والسياسات المطبقة من قبل حكومات ما بعد الثورة الحالية في مصر، حيث أدى عدد من الإصلاحات التي تمت في منتصف العقد الأول من الألفية إلى زيادة معدل النمو في مصر، ولكنها لم تحد من ارتفاع نسبة البطالة أو تقديم فرص اقتصادية متزايدة لقطاع واسع من المصريين. وبحلول عام 2010، لم تُعالج العيوب الهيكلية الرئيسية في الاقتصاد المصري. وتضمن هذا ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب، والرأسمالية التي تقوم على المحسوبية، وعدم كفاءة البنية التحتية، والبيروقراطية غير الفعالة، بالإضافة الى التفاوتات الكبيرة في الثروة والدخل بين المواطنين. 

وبدلاً من مواجهة التحديات الاقتصادية الرئيسية في مصر، ركزت حكومات ما بعد الثورة على كثير من المشكلات السياسية التي تواجه الدولة، بينما استمر الاقتصاد في التراجع، حيث ظل معدل النمو منخفضاً مع ارتفاع نسبة البطالة.  وربما تستنفد مصر احتياطيات النقد الأجنبي إذا لم يتوافر لها الدعم الخارجي من حلفائها في دول الخليج. أما بالنسبة للتطورات الاقتصادية الإيجابية المحدودة التي أعقبت تعيين الحكومة الانتقالية للرئيس عدلي منصور مباشرةً في أغسطس عام 2013، فقد كانت نتيجة للتغيرات السياسية أكثر من كونها نتيجة لإتباع إجراءات اقتصادية محددة.

وقد تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو 2014 متعهداً بإنعاش الاقتصاد، ووضعه على طريق تحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستمرة، وخفض نسبة البطالة. لكن، وبعد مرور عامين من انتخابه، تظل التحديات الاقتصادية الرئيسية لمصر قائمة ولم تتم مواجهتها، وقد أشارت حكومة السيسي مراراً وتكراراً إلى أن قضية إنعاش الاقتصاد تمثل رأس أولوياتها. ولكن بعد مرور أكثر من خمس سنوات على الثورة، لا يزال الاقتصاد المصري في نفس الحالة السيئة، ويأتي عام 2016 ليصبح أسوأ من سابقه. وبذلك يتوجب على الحكومة المصرية معالجة المشكلات الاقتصادية للمصريين والتي أدت إلى اندلاع ثورة عام 2011. فيجب على الرئيس السيسي ورئيس وزرائه شريف إسماعيل التركيز على زيادة محطات الطاقة في مصر، وتحسين المالية العامة في البلاد، وجذب الاستثمارات الخارجية، والانتقال إلى نظام سعر الصرف المرن، والتوسع في القطاع الخاص. 

ويعترف التقرير بأن عملية التحول الاقتصادي لمواكبة تطلعات وآمال المصريين سوف تكون صعبة وستستغرق وقتاً طويلاً. ولكن من أجل أن يكون لمصر اقتصاداً قويا يقوده قطاعاً خاصاً مزدهراً ويوفر فرص عمل ويحقق الرخاء لكل المواطنين، يتوجب على الحكومة بذل الجهود العاجلة لتنفيذ السياسات الرامية لتحقيق هذا الهدف.

وقد أشار التقرير إلى عدد من السياسيات والجهود التي يجب على الحكومة القيام بها من أجل اصلاح الأوضاع الاقتصادية في البلاد، ومن هذه الجهود: 

  • السعي نحو استقرار الاقتصاد الكلي، يعد هذا أمراً ضرورياً سواء تمت الاستعانة ببرنامج صندوق النقد الدولي أو بدونه، وسوف يشمل ذلك كافة التدابير السياسية اللازمة لتحسين وضع المالية العامة وخفض الدين الحكومي. وهذا يعني مواصلة الاصلاحات في أنظمة الضرائب والدعم الحكومي. وربما يحتاج الأمر إلى مزيد من التحفيز المالي في عام 2016 وما بعده لزيادة معدلات النمو الاقتصادي.
  • ضمان الحصول على تمويل خارجي كافي، ويمكن استخدام هذا التمويل لتخفيف أزمة الطاقة ودعم مشروعات البنية التحتية الضخمة التي يُطمح إليها والتي قد أعلن عنها الرئيس السيسي، مثل العاصمة الادارية الجديدة، ومشروع بناء مليون وحدة سكنية حول القاهرة الكبرى، وبناء وإصلاح الطرق، وإقامة العديد من محطات الطاقة بما فيها مشروعات الطاقة المتجددة. 
  • اتخاذ حزمة من الاصلاحات الرئيسية لجعل مصر جاذبة للاستثمار، فبينما تعد مشروعات البنية التحتية التي تقودها الحكومة ضرورة للغاية فسوف تكون الاستثمارات المحلية والأجنبية الخاصة بنفس الضرورة لمستقبل النمو في مصر. ولكي يحدث ذلك، يتوجب على الحكومة تسهيل اجراءات وقوانين العمل والاستثمار. وقد حدد المستثمرون المحتملون الاصلاحات الأساسية اللازمة في المجالات الآتية: حماية حقوق الملكية الفكرية لتشجيع الابتكار، مراجعة قوانين ولوائح العمل لتحقيق قدر أكبر من المرونة في سوق العمل، تقديم قانون جديد للإفلاس بجانب إيجاد آلية واضحة وشفافة لتسوية المنازعات.
  • تغيير نظام السياسات النقدية، حيث يجب على مصر تقليل الضغوط التي يواجهها النقد الأجنبي، وذلك بالسماح للجنيه بمجاراة قوى السوق. وإذا قامت مصر بتفادي المخاوف المتعلقة بنظام تعويم سعر الصرف وتحويل تركيز البنك المركزي المصري إلى السيطرة على التضخم بدلاً من استقرار الجنيه، فمن شأن ذلك أن يجعلها تقطع شوطاً طويلاً نحو الحد من الاعتماد على المساعدات المالية الأجنبية.
  • تنفيذ الخطة الاقتصادية لعام 2016. فقد أعلنت الحكومة عن خطتها الاقتصادية طويلة المدى في مارس 2016، وذلك عقب الانتخابات البرلمانية، وإجراء تغيير وزاري، وتشكيل فريق اقتصادي جديد. وتستهدف الخطة نمو الناتج المحلي الاجمالي من 5-6% وخفض العجز في الميزانية إلى أقل من 10% في العام بحلول نهاية السنة المالية 2017-2018. وتدعو الخطة أيضاَ إلى اعتماد الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 10% وبيع حصص في الشركات الحكومية.

فإذا إلتزمت الحكومة المصرية بهذه الأجندة ومتابعتها، فسيكون المجتمع الدولي جاهزاً بلا شك لتقديم أنواع مختلفة من الدعم الفني والمالي للدولة. وما تذهب إليه مصر، يذهب إليه الشرق الأوسط. لقد كانت مصر دولة رائدة في منطقة الشرق الأوسط وكل ما تقوم به على الجبهة الاقتصادية – يعود إلى أيام الرؤساء السابقين جمال عبد الناصر وأنور السادات – اتبعته دول أخرى في المنطقة. وهذا الأمر معلوم جيداً ومقدر من قبل دول الخليج العربي والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا والمؤسسات المالية والانمائية الدولية. فمن مصلحة الجميع أن تنجح مصر في إنعاش اقتصادها عما قريب.

Read Full Report in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

يسعى مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط إلى أن يكون ساحة تجمع خبراء من أمريكا الشمالية وأوروبا مع نظرائهم من الشرق الأوسط، من أجل تعزيز الحوار المرتبط بالسياسات تجاه مستقبل الشرق الأوسط، في ظل عملية التغيير السياسية الجذرية التي يشهدها الإقليم.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط