تبعات تعليق الدعم الأمريكي لفصائل المعارضة السورية المعتدلة

أكدت مصادر متعددة في فصائل المعارضة السورية المعتدلة توقف المساعدات العسكرية واللوجستية التي تشرف على توزيعها وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) لفصائل الجيش الحر في شمال سوريا، وأوضحت هذه المصادر أن مقاتلي المعارضة السورية المناهضين لحكم الأسد، والذين يتلقون رواتبهم من غرفة التنسيق الموم “MOM”، أُبلغوا بتعليق الدعم عنهم، وذلك بعد تعرضهم لهجوم شنته فصائل اسلامية على مواقعهم.

ويشمل البرنامج الذي أقرته الولايات المتحدة بتأييد من مجموعة دول أصدقاء الشعب السوري – رداً على جرائم نظام بشار الأسد – رواتب وتدريبات وذخائر، وفي بعض الحالات صواريخ مُوجَّهة مضادة للدبابات.

ورغم عدم وجود تأكيدات بشأن تعليق الدعم بشكل نهائي، قال قائد عسكري بارز في الجيش الحر إنه لم يتم إبلاغهم رسمياً بأي شيء، وأشار إلى أن هذا القرار قد يأتي كرد فعل على خسارة بعض هذه الفصائل في إدلب وحلب لبعض الأسلحة لصالح تنظيمات إسلامية، كما أكد القائد أن هناك تحضيرات لاجتماعات مقبلة يجري الاعداد لها، لوضع خطة تضمن تنظيم الأمور، وضمان عدم تسرب هذه الأسلحة إلى فصائل غير مرغوب بها.

وتحصل فصائل معتدلة في الشمال السوري ودرعا – جرى اختيارها من قبل وكالة الاستخبارات، بعد التأكد من عدم تطرفها – على الذخائر وأسلحة خفيفة ومتوسطة، وبعضها يشارك بفعالية في قتال تنظيم داعش.

آثار ايجابية

وفي الحديث عن تأثير هذا القرار على المقاتلين ومدى امكانية استمرارية الفصائل التي تسيطر على مساحات واسعة من إدلب وريف حلب واللاذقية وحماه، رأى القائد العسكري في جيش العزة (أحد فصائل الجيش الحر التي تتلقى دعماً من غرفة الموم) النقيب المنشق عن قوات النظام مصطفى معراتي، أن القرار جاء سياسياً بالتوازي مع مفاوضات جنيف ومؤتمر أستانة، وذلك لإجبار الفصائل على القبول بحل سياسي، قد لا يقبل به المعارضون السوريون المناوئون لحكم الأسد.

وألمح معراتي إلى أن تأثير هذا القرار قد لا يكون سلبياً بشكل كامل، لأنه قد يعني تحرر الفصائل من أي ضغوط عسكرية تفرض عليهم، والعودة بهم إلى الأيام الأولى التي واجهوا النظام بها؛ كما قلل المعراتي من أهمية الدعم السابق لأنه، بحسب رأيه، لم يحدث أي تغيير في ميزان القوى، في حين امتنعت الولايات المتحدة عن تزويد الثوار السوريين بأسلحة مضادة للطيران، وهي التي كانت تشكل أولوية لهم، بسبب اعتماد نظام الأسد وحليفه الروسي بشكل كبير على القوة الجوية.

وحول الحلول التي من الممكن أن يعتمد عليه فصيله مستقبلا لتفادي وقف الدعم المادي، قال معراتي إن التوجه لافتتاح مشاريع انتاجية تعود بالنفع على الفصائل قد يحد من آثار هذا القرار.

في سياق متصل أكد المساعد المنشق عن نظام الأسد، عثمان اسبرو، أن القرار لن يؤثر بشكل كبير على استمرارية الفصائل في القتال ضد نظام الأسد، بل على العكس تماماً سيحررها من شروط الداعمين. واستند اسبرو في رؤيته إلى أن معظم الفصائل أصبح لها ورش لصناعة السلاح، وأغلبها تعتمد على الغنائم التي تحوز عليها من قتال قوات النظام.

أما بالنسبة لرواتب المقاتلين، فأوضح اسبرو أن معظم الفصائل تمتلك منشآت صناعية وزراعية، وأصبحت تعتمد على نفسها لإدارة أمورها وتأمين المنح لمقاتليها، لا سيما أن مثل هذا القرار كان متوقعاً في أي لحظة من عمر الثورة السورية، لإجبارهم على القبول بأي حل.

مخاوف من زيادة التطرف

في المقابل حذر البعض من خطورة هذا القرار على مستقبل فصائل المعارضة ورأى قائد عسكري بارز في ريف اللاذقية، فضل عدم ذكر اسمه ويعمل مع فصائل الجيش الحر، أن توقف الدعم قد يدفع المقاتلين للتوجه إلى فصائل أخرى أكثر تشدداً، بحثاً عن تأمين لقمة عيشهم، موضحاً أن بعض الفصائل الجهادية تقدم الدعم المادي لمقاتليها، كونها تسيطر على آبار نفط ومعابر حدودية ولها موارد ذاتية، بينما معظم الفصائل المعتدلة ليس لها هذه الموارد.

وأكد القيادي أن الحرب اليوم سواء مع قوات نظام الأسد أو مع تنظيم داعش، تختلف عما كانت عليه سابقاً، كونها معارك كبيرة تحتاج إلى كميات كبيرة من الذخيرة والدعم المادي واللوجستي، وأضاف في حال استمر الوضع على ما هو عليه، لن يكون بإمكاننا اقناع مقاتلينا بالاستمرار في القتال دون تأمين لقمة عيشهم.

وتعتبر هذه المرة الأولى منذ عام 2014 التي يبقى فيها مقاتلو المعارضة بدون أي دعم مادي، وتعتمد الفصائل على قنوات متعددة من الدعم بعضها لا يزال مستمراً مثل الدعم الغذائي والطبي الذي تقدمه وزارة الخارجية الأميركية، عبر منظمات تعمل لصالحها.

من جهة أخرى عبّر الرائد زكريا اليوسف، المقيم في مدينة أنطاكيا التركية والمطلع على مجريات الأمور، عن قناعته بحاجة الفصائل المعتدلة لوضع استراتيجية جديدة تطمئن الداعمين، واقترح اليوسف تشكيل تنظيم قوي يضم معظم الفصائل المتبقية من فصائل الجيش السوري الحر، لمنع استحواذ القوى الجهادية على هذه الفصائل ومهاجمتها.

وكان فصيل يتم اتهامه بمبايعته لتنظيم داعش قد شن، في شهر يناير/كانون الثاني 2017، هجوماً على فصائل الجيش الحر، كما قادت مجموعة كانت تُعرَف سابقاً باسم جبهة النُصرة، وهي الفرع الرسمي لتنظيم القاعدة في الحرب السورية حتى عام 2016، والتي قطعت ارتباطاتها رسمياً بالقاعدة وأعادت تسمية نفسها بـ”جبهة فتح الشام، هجوماً آخر على عدد من فصائل الجيش الحر، وهو ما دفعها للاندماج مع الفصيل الإسلامي القوي أحرار الشام، الذي يتبنى فكر اسلامي غير جهادي، ويرفع شعارات الثورة السورية.

تأثيرات أخرى

من جهة أخرى يرى البعض أن تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن الفصائل المعتدلة لا سيما في هذا التوقيت جاء نتيجة لتغير الإدارة الأمريكية، خصوصاً مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في العديد من المواقف السابقة، عزمه ايقاف الدعم عن الفصائل السورية، التي تقاتل نظام الأسد خشية الاصطدام مع روسيا.

ويصف البعض هذا التغير بالمؤسف، لا سيما أن الولايات المتحدة مسحت جميع مواقفها السابقة، ووعودها بدعم حرية الشعب السوري للوصول إلى الديمقراطية، كما أبدى البعض خشيته من عودة تدريجية لبعض الدول، للاعتراف بشرعية الأسد كحاكم لسوريا، بعد كل هذه المجازر.

ويرى العقيد المنشق عن قوات النظام يوسف الصالح أن نتائج هذا التغيير ستكون كارثية على الجميع، لأن السوريين سيشعرون بخيبة أمل كبيرة، بعد كل هذه السنوات من الكفاح.

ويتساءل الصالح عن البدائل التي وضعتها الولايات المتحدة وأصدقاء الشعب السوري أمام فصائل المعارضة السورية، مع غياب أفق واضح للحل السياسي، واستمرار الأسد وروسيا بقتل السوريين.

ويؤكد الصالح أن النتائج ستظهر سريعاً، عبر ظهور مزيد من التطرف ومواصلة القتال، في الوقت الذي يسعى فيه الجميع لوقف نزيف الدم السوري.

ورغم أن تعليق المساعدات لا يعتبر نهائياً، إلا أن تراجع الدعم العسكري واللوجستي، وتخلي الولايات المتحدة الأمريكية ودول أصدقاء الشعب السوري عن المعارضة، وانتهاج سياسية جديدة تتقارب مع وجهة النظر الروسية الداعمة لنظام الأسد، والاكتفاء فقط بمحاربة تنظيم داعش، لن يوقف الحرب في سوريا، لاسيما وأن معظم الضحايا المدنيون يموتون يومياً بنيران الأسد وطائراته.

 Read in English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط