معركة تغيير القلوب والعقول: التعليم سلاح داعش في مناطق سيطرتها

فصل دراسي في الغوطه. 19 أكتوبر 2015، صورة من رويترز.

بعد عامين من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الرقة والعديد من المناطق السورية الأخرى، نجح التنظيم خلال هذه الفترة في فرض طابعه وطريقة تفكيره على جميع نواحي الحياة الاجتماعية والتعليمية والثقافية، من خلال الإجبار والإكراه تارة، ومن خلال الإغراءات واستخدام تفسيراته للإسلام تارة أخرى. 

ويعتبر قطاع التعليم في مناطق التنظيم الأكثر تأثراً، بالمقارنة ببقية مناطق سوريا ومناهجها التعليمية. في هذا السياق اتخذ التنظيم عدداً من القرارات على مدى العامين الماضيين، والتي بدأها بإنشاء وزارة التربية والتعليم، وأسماها ديوان التعليم، ويشير الاسم إلى محاولة التنظيم لإعادة مناطق سيطرته إلى الماضي، وكان أول مهام الديوان حل الكادر التعليمي والإداري في جميع مدارس الرقة، وإخضاعهم لدورة شرعية، واستتابتهم “لتطهير فكرهم” – وفق رأي التنظيم – من الأفكار الوطنية والعلمانية والديمقراطية، التي يراها التنظيم خطأ شرعيا لا بد من تصحيحه.

تعليم الأطفال

ومع بداية العام الدراسي الأول للتنظيم في الرقة في أكتوبر/تشرين الأول 2013 أسست لجان تابعة للتنظيم – تعرف باللجان بالشرعية – أول منهج للتعليم، شمل المرحلة الابتدائية للأطفال من عمر 7 إلى 11عاما، وعرضت صور لكتب تحمل قواعد السلوك الإسلامية، وأصول التوحيد (يحتوي أسس العقيدة الإسلامية) واللغة العربية، وبالمقابل تم إهمال المواد الأخرى، التي كانت تدرس عادة كالعلوم والرياضيات والتربية الفنية والموسيقية. 

وتتضمن مواضيع التعليم للأطفال التي أقرها التنظيم في كتبه وعرضتها قنوات اعلامية، مواضيع شرعية ودينية، وعادات وسلوك يراها التنظيم تتوافق مع التعاليم التي يراها صحيحة في الدين الإسلامي، من الكتب القديمة مثل كتاب الخلاصة الألفية الذي كتبه ابن مالك في القرن الثالث عشر. ويلاحظ من خلال العديد من مقاطع الفيديو التي بثها التنظيم لتعليم الأطفال في مناطق سيطرته، اعتماده على اقامة أنشطة ترفيهية للأطفال وتشجيعهم على القتال والجهاد، كما أظهرت بعض مقاطع الفيديو تركيز التنظيم على تعليم الأطفال استخدام السلاح والتربية البدنية.

يقول أحمد وهو مدرس مرحلة ابتدائية خرج من الرقة في عام 2014 ويعيش حاليا في تركيا أن “المناهج التي تم اعتمادها للمرحلة الابتدائية مخالفة تماما لما كنا ندرسه، ويضيف

“حذفت عبارات الوطنية والجمهورية العربية السورية، وأحل مكانها الدولة الإسلامية. كما حذفت جميع الصور الدراسية التي تدل على الاختلاط، وتم منع تعليم الأطفال الموسيقى. وبالنظر إلى مادة الرياضيات أهمل التنظيم تعليمها بشكل كبير في هذه المرحلة، وتم إزالة أي مثال يدّل على الربا أو الديمقراطيّة والانتخاب.”

كما منع داعش الاختلاط بين الأطفال في الأعمار الصغيرة، وفصل الذكور عن الإناث بدءا من المرحلة الأولى، وألغى عطلة يوم السبت، وأقر الجمعة فقط بدلا منها.

الإعداد لجيل جديد

واستكمالا لجهود تغير المناهج التعليمية أقر التنظيم في بداية العام الدراسي 2014 كتب جديدة في لمرحلة الإعدادية، للأطفال من عمر 12سنوات حتى 15 عاما، وكان كتاب التوحيد لمؤلفه محمد بن عبد الوهاب عالم الدين الإسلامي المشهور وصاحب الدعوة الوهابية أهم الأسس المعتمدة لتعليم تلك المرحلة بالإضافة إلى مواد إسلامية أخرى مثل الحديث النبوي وسيرة النبي محمد وعلوم القرآن والفقه والعقيدة. وفي هذه المرحلة التعليمية تم إدراج المواد التقليدية الأخرى مثل (الرياضيات – العلوم – الفيزياء – الكيمياء – اللغة الإنجليزية – الإنشاء – الخط العربي – قواعد اللغة العربية – الإملاء – التاريخ – الجغرافية – معاني النحو – الأدب الشرعي). ويلاحظ في هذا السياق أن التنظيم حذف عدة أقسام من تاريخ الأدب العربي، وأبقى على جزء بسيط منه، وهو ما يعتبره أدباً “شرعياً”، أما باقي العصور في الأدب العربي فتعتبر بنظره أدباً كافراً. 

كما أن التنظيم عمد من جهة أخرى إلى تغيير علامة الجمع الحسابية (+) المتعارف عليها عالمياً، واستبدلها بعلامة جديدة تتمثل بحرف (Z)، بحجة أن علامة (+) هذه تشير إلى الصليب، الذي يتخذه المسيحيون في العالم رمزاً لهم، وهذا ما لا يجوز في نظره، لأنه حرام وتشبه بالكفار على حد وصفه.

ومن اللافت للنظر أن التنظيم كان يدعو دائما الأهالي لإرسال أبناءهم إلى المدارس، وإظهار نفسه بمظهر القادر على إدارة شؤون الدولة، ولكن ورغم هذه الدعوات فقد امتنع عدد كبير من الأهالي عن إرسال أبنائهم خوفا من القصف، وفضل العديد منهم تعليم ابنائهم في المنازل، وفق ما أكده ناشطو حملة الرقة تُذبح بصمت، وهي تجمع ناشطين معارضين لحكم التنظيم في مدينة الرقة.

التعليم الجامعي

في 25 من شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2014 أعاد تنظيم الدولة فتح أبواب جامعة الموصل في العراق، وأسماها الجامعة الإسلامية، كما أعاد في سوريا افتتاح جامعة الفرات في دير الزور والرقة، واعترف بمن حصل على شهادات ثانوية سابقة صادرة في ظل النظامين السوري والعراقي، بحقه في إكمال دراسته الجامعية.

ولكن رغم محاولة التنظيم إعادة العملية لسابق عهدها، رفض الكثير من الأستاذة الجامعيين العودة لممارسة عملهم، بسبب الخوف والتهديد، وغادرت معظم الكوادر التعليمية الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم، وفق ما رواه أحد الأساتذة الذين خرجوا من الموصل. 

ووفق بيان صادر عن ديوان التعليم، ألغى التنظيم كليات الحقوق والعلوم السياسية والآثار والتربية الرياضية والفلسفة، والكليات المتخصصة في السياحة والفنادق، لأسباب وصفها بالشرعية. كما ألغى من مناهج الكليات الأخرى المواد المتعلقة بالديمقراطية والثقافة والحريات العامة، وألغى دراسة اللغات الأجنبية والرواية والمسرح، ومنع أساتذة الجامعات من وضع أسئلة خاصة بالفوائد الربوية أو مبادئ الوطنية أو العرقية أو الوقائع التاريخية، التي يرى التنظيم أنها مزيفة، كما ألغى التقسيمات الجغرافية التي يعتقد التنظيم أنها من صنع الاستعمار، وأن البلاد الإسلامية كلها بلاد واحدة.

ونظراً لحاجة التنظيم للخبرات الطبية التي يعاني من نقص منها، فقد افتتح ديوان التعليم التابع لكلية الطب في الرقة، ويمكن للطالب بعد قضاء 3 سنوات في هذه الجامعة الحصول على شهادة بالطب، ومزاولة المهنة في المراكز الصحية والمستشفيات في المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم.

شدد التنظيم كثيرا على مسألة الفصل بين الطالبات والمعلمين، وأجبر جميع العاملين في المجال التعليمي الخضوع لدورات شرعية، لفهم افكار التنظيم ونشرها، وهدد المخالفين لها بالفصل والعقاب، كما عاقب أي مدرس يقوم بإعطاء دروس خاصة في المنزل، ووضع غرامات مالية وعقوبات لذلك.

وبحسب ما نشره موقع “الرقة تذبح بصمت” فقد تراوحت رواتب المعلمين بين 50 و60 درهما من الفضة شهريا، أي ما يعادل 75 إلى 90 دولاراً أمريكياً، وهو ما لا يكفي على أرض الواقع سوى ثمن الخبز للعائلة خلال شهر واحد، حيث يبلغ سعر الكيلوجرام الواحد من مادة الخبز داخل الرقة 210 ليرة سورية، أي قرابة 75 سنتاً من الدولار الأمريكي.

ومما سبق يتضح أن تنظيم الدولة يسعى لبناء نظام تعليمي متكامل، يمكنه من زرع أفكاره ونشرها بين الأطفال والمراهقين، للاستفادة منهم مستقبلا وتجنيدهم، ويتخذ في سبيل ذلك وسائل الترهيب والترغيب، وهو ما ظهر نتائجه بشكل سريع من خلال ضم مئات الأطفال في صفوف مقاتليه.

Read in English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.