بالرغم من انتصار الفلوجة تبقى بغداد في أزمة سياسية

يبدو أن رئيس الوزراء حيدر العبادي قد قرر شن هجوم مباغت على مدينة الفلوجة الشهر الماضي في محاولة لصرف الانتباه عن الفوضى السياسية التي تعم بغداد. وقد نجح هذا الأمر إلى حد ما، حيث منح التأييد الشعبي للحرب مهلة سياسية قصيرة لرئيس الوزراء، واستبدلت وسائل الإعلام التغطية الواسعة للحالة السياسية في بغداد بالتقارير الخاصة بضربات معركة الفلوجة. بينما في المقابل تبقى مواضع الخلل التي تهدد بتمزيق الكيان السياسي لبغداد دون تغيير، وتبقى كذلك النجاحات العسكرية في الفلوجة هشة وغير مكتملة. وفى حالة قيام التحالف الدولي المضاد لتنظيم داعش بحثَ الحكومة العراقية على معالجة الصراع السياسي في بغداد، فسوف يمثل هذا فرصة أفضل لرؤية حكومة أقوى في بغداد، تكون قادرة على تعزيز وتوسيع نطاق المكاسب العسكرية في الفلوجة.

وقد أعلن رئيس الوزراء عن المسعى المفاجئ لتحرير مدينة الفلوجة في 23 مايو/أيار، بعد أيام فقط من اقتحام متظاهري التيار الصدري للساحة الخضراء للمرة الثانية في أسبوعين، وذلك بعد شهور من التخطيط لتنفيذ هجوم على المدينة ذات الأولوية الأكبر -الموصل. وبالرغم من أن القوات العراقية، وبالتحديد الميليشيات الشيعية – أو قوات الحشد الشعبي كما تفضل أن تُعرّف نفسها – قد حاصرت الفلوجة طويلاً، إلا أنها قد بذلت جهداً يسيرا لاستعادة السيطرة على المدينة، وذلك مع التركيز الصارم للحكومة المركزية وقوات التحالف الدولي المضاد لتنظيم داعش على معقل التنظيم في الموصل. إلا أن التوتر السياسي المتصاعد في بغداد قد غيَر المعادلة، وعندما تمت مواجهته – حيدر البغدادي – باحتجاجات قوية في الشوارع وبتهديدات بالعنف ضد هيئات حكومية، وبكتلة برلمانية عازمة على عزله من السلطة، كان العبادي في حاجة لمكسب سياسي سريع للحفاظ على إدارته. وقد وجد ضالته في الفلوجة ذات الـ 100 ألف ساكن ما يزالوا فيها، بدلاً من الموصل ذات المليون ساكن. إن حملة تحرير الفالوجة قد أعطت للعبادي فرصة لتغيير مجريات الأمور. 

وبالنسبة لشيعة العراق، تحظى مسألة القضاء على تنظيم داعش في الفلوجة بشعبية كبيرة، حيث يُنظر للفلوجة منذ وقت طويل على أنها معقل للتطرف ضد الشيعة، ومصنع للسيارات المفخخة والمسئولة عن الهجمات الانتحارية التي لا حصر لها على أحياء الشيعة في بغداد. وفي مايو /أيار من هذا العام، تسببت سلسلة من تفجيرات السيارات التي استهدفت مناطق شيعية في العاصمة في قتل ما يزيد عن 90 مدني في يوم واحد، هذه المأساة تسببت في إحداث موجة من الغضب ضد الحكومة العراقية لعدم قيامها بالكثير من أجل حماية المدنيين الشيعة في بغداد.

وبالنسبة لهؤلاء الشيعة، فقد جاء استرداد الحكومة للفلوجة متأخراً للغاية، وقد تم الاحتفاء بالكفاءة النسبية للمعركة – حيث استغرقت القوات العراقية أربعة أسابيع فقط للإعلان عن انتصار الفلوجة، وذلك مقارنةً بالأسابيع العشرة التي استغرقتها في معركة الرمادي.

بينما تفاوتت ردود أفعال القادة السنة تجاه هذا الهجوم. وقالت منظمة هيومان رايتس واتش في أبريل أن حصار الفلوجة الذي استمر لشهور، والذي تم فرضه من قبل قوات الحشد الشعبي وقوات عراقية أخرى، قد تسبب في إحداث مجاعة. ومن أجل هذا، اعترض قادة السنة على الحصار لكونه نوع من العقاب الجماعي، وقد قام بعض قيادات الشيعة مثل زعيم منظمة بدر سيئة السمعة والمدعومة من إيران هادي الأميري بالتأكيد على أن المدنيين الباقين في الفلوجة كانوا جميعهم مؤيدين لتنظيم داعش. واستمرت حالة عدم القدرة على التمييز بين الأبرياء والمجرمين خلال هذا الهجوم على الفلوجة، وذلك عندما تعرض المدنيون الفارَون من المدينة للفحص، والذي تم فيه نقل بعض الرجال إلى الاحتجاز من قبل الميليشيات، حيث قيل بأنهم عذبوا وأخفوا قسراً أو قتلوا. وقد اتهم محافظ الأنبار صهيب الراوي قوات الحشد الشعبي بقتل 49 مدنياً في ضاحية الصقلاوية في الفلوجة، وبالتعذيب الممنهج للذكور أثناء الفحص، وبالمسئولية عن اختفاء 643 رجل.

وحاول العبادي وضع حد لهذه الانتهاكات، وذلك بتشكيل لجنة للتحقيق في التجاوزات والقبض على عدد صغير من الجناة المشتبه بهم، ولكن لا تزال قدرته على فرض القانون محدودة، بسبب سيطرته الهشة على السلطة في بغداد. 

وقد اعتصم أعضاء البرلمان العراقي المعارضين في محاولة لإجبار العبادي على ترك السلطة مبكراً هذا العام، ولكنهم فشلوا في جمع الأعداد التي يحتاجونها لتنحية رئيس الوزراء. وإبان ذلك، فشل العبادي أيضاً في كسب الدعم الذي يحتاجه لتمرير تشريعات هامة، وتتضمن إصلاحات طالب بها المحتجون المناهضون للفساد والجماعات السنية الساخطة. وتعتبر الحكومة العراقية عالقة في مستنقع، وبالرغم من أن معركة الفلوجة مثلت إلهاءً مؤقتاً، لم ينسى المدنيون غير الراضين الذين قضوا شهور من عامي 2015 و2016 في الشوارع، والذين لن يتوقفوا عن التحرك حتى يتم فعل شيء من أجل كسر هذا الجمود. واعتبرت معركة الفلوجة بمثابة لحظة هدوء في العاصفة السياسية، وليس من المرجح أن تستمر. فقد وعد مقتدى الصدر بالفعل بـ”مسيرة المليون رجل” في الأسابيع القادمة، ويشاهد قادة السنة عن كثب سوء تخطيط الحكومة العراقية، فى حين دفعت وكالات المساعدات الشريكة بسكان الفلوجة من كارثة إنسانية إلى أخرى. وفي سياق وجود مزيد من الأدلة على الطبيعة المتسرعة وغير المخطط لها للهجوم على الفلوجة، فقد ساءت الأوضاع الحياتية لـ 85 ألف من سكان الفلوجة الذين فروا من المدينة، مع اعتراف الأمم المتحدة بأن معسكراتها يمكن أن تستوعب فقط 16830 من سكان الفلوجة الذين نزحوا مؤخراً.

وإذا قامت الدول الأعضاء في التحالف ضد تنظيم داعش بتشجيع العبادي على كسب تأييد الكتل السياسية في بغداد، فمن المرجح أن حكومته سوف تتمكن من تعزيز مكانتها الهشة في الفلوجة إلى حد كبير. وسوف تساعد الشراكة مع القادة السنة في الاستجابة العاجلة لاحتياجات المدنيين من سكان الفلوجة على الفوز على الفاعليين المحليين، وذلك من أجل منع نجاح الهجمات المضادة التي يشنها تنظيم داعش، ولإقناع السنة بتأييد الهجوم على الموصل. وتعد إقامة شراكات متجاوزة للنزعة الطائفية لتسليم الحكم وعمل إصلاحات ضد الفساد ضرورية لدعم قبضة العبادي الضعيفة على الحكم، وفي التعامل مع المليشيات الشيعية المتعصبة، مما يقود إلى آفاق أفضل لسلام دائم في العراق على المدى المتوسط. وفي حين مثلت معركة الفلوجة وقفة قصيرة للاضطراب السياسي في بغداد، إلا أنه لم يعيد تشكيل اللعبة. فهذا هو وقت العودة لطاولة للتأكد من أن هذا الانتصار قد أتى أكله.

Read in English

نٌسيبة يونس

باحثة في مركز تشاتم هاوس وكبيرة مستشارين في المعهد الأوروبي للسلام.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط