التغيير الديمغرافي ضمانة الأسد للفوز بدويلة علوية

جندي سوري يراقب مجموعة من السكان الذين سمحت الحكومة السورية لهم بالمغادرة. 14 يناير 2016، صورة من رويترز.

يسعى النظام السوري لتأمين مناطق العاصمة دمشق، بدءاً من الزبداني على الحدود اللبنانية باتجاه محافظة حمص بجزئيها الواقع غرب نهر العاصي، والتي يبسط حليفه حزب الله نفوذه فيها، إضافة إلى المدن الساحلية، طرطوس واللاذقية، والتي فيها مركز ثقله من طائفته العلوية، وصولاً إلى مدينة كسب على الحدود التركية، وهي المنطقة التي يطلق عليها “سورية المفيدة،” واضعاً في الحسبان الخطة (ب) التي تقضي بانفراده بدويلة علوية، في حال عدم تمكنه من إعادة بسط سيطرته على كامل الأراضي السورية.

اعتمد النظام على إحداث تغيير ديمغرافي في هذه المناطق، من أجل بناء قاعدة دعم له، واستعادة شرعية حكمه، وقد قام – ويقوم – النظام بهذا التغيير من خلال عدد من الممارسات، والتي تمثلت في قصف المباني السكنية والبنية التحتية، وارتكاب المجازر على يد عناصره، والميليشيات المسلحة الموالية له، وسياسة التجويع والحصار، والتي تنتهي بتهجير السكان الأصليين من مناطقهم، واستبدالهم بسكان موالين له، وتعزيز وجود المقاتلين الأجانب المواليين للنظام في مناطق سيطرته. تنبع هذه الخطة من عدم قدرة النظام على السيطرة على المراكز الحضرية، فقرر تهجير السكان غير الداعمين من هذه المناطق، لبناء قاعدة دعم له، خصوصا قبل إجراء الانتخابات.

متابعة سير المعارك في سوريا يوضح أن النظام السوري يستميت في القتال داخل المناطق التي رسمها ضمن حدود دويلته العلوية، حتى خلال وقف إطلاق النار، بينما لا يكون ذلك في المناطق الشرقية أو البادية أو الجزيرة، على سبيل المثال محافظتا دير الزور والرقة خارج سيطرته منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولم تشن قوات النظام أي معركة تذكر أو محاولة لاستعادة مناطقه.

الخريطة
المناطق الحمراء تحت سيطرة النظام. المناطق الخضراء تحت سيطرة المعارضة. المناطق الصفراء تحت سيطرة الأكراد. المناطق السوداء تحت سيطرة تنظيم الدولة.

يحاصر النظام السوري نحو 45 بلدة في سوريا، حسب موقع “مراقبة الحصار” ويستخدم أداة الحصار لكي يغير ديمغرافية المناطق التي يسيطر عليها، حيث يقوم بتهجير السكان في هذه المناطق، ويحاول أن يتوصل إلى اتفاق مع المعارضة لتبادل السكان المعارضين له بالسكان الذين يدعمونه. على سبيل المثال، اتفقت حركة أحرار الشام وعناصر النظام –  معها عناصر إيرانية وحزب الله – برعاية الأمم المتحدة، على نقل عدد من العائلات من مدينة الزبداني إلى إدلب، في حين تم نقل عدد من العائلات من كفريا والفوعة في شمالي ادلب، اللتين حاصرتهما المعارضة، إلى المناطق الموالية للنظام السوري. وفي اتفاق آخر تم نقل عدد من عناصر المعارضة السورية وعائلاتهم من حمص القديمة وحي الوعر إلى ريف حمص الواقع تحت سيطرة المعارضة السورية.

وقال أبو الجود، أحد سكان الزبداني الذي انتقل إلى تركيا، بعد أن أُجبر على ترك منزله مع باقي أفراد أسرته في مدينة الزبداني، إنه لم يبق من سكان مدينة الزبداني الأصليين سوى المئات فيها، بعدما نزح منها حوالي 40 ألف نسمة، أغلبهم اتجه نحو مضايا وبلودان المجاورتين.
تعتبر الزبداني والمنطقة المحيطة بها ذات أهمية استراتيجية كبيرة للنظام السوري وحزب الله اللبناني، لذلك يسعيان إلى تأمين مستودعات السلاح الموجودة بالقرب من هذه المنطقة، وتحصين القرى والبلدات الموالية له في الجانب اللبناني المحاذي للسلسلة الشرقية، والإبقاء على الطريق البري الذي يصله بالعاصمة دمشق.

قام حزب الله بإنشاء قاعدة جديدة قريبة من الزبداني في يناير 2016 في مرج التل، حيث أجبر مَن يسكن على الطريق بين الزبداني ومضايا على إخلاء بيوتهم، ثم دمر بعض البيوت وترك باقي المنازل خاوية ثم قام ببناء القاعدة. وحسب جنود في الجيش النظامي يتعاونون مع النشطاء، يسيطر حزب الله على هذه القاعدة، ولا يستطيع جنود النظام دخولها، رغم أن علم النظام السوري مرفوع فوقها. 

كما استخدم النظام أدوات قانونية في إطار سياسة التغيير الديمغرافي التي ينفذها في مناطق نفوذه، فقد بدأت محافظة دمشق بتنفيذ مشروع تنظيم شرقي حي المزة، استناداً إلى المرسوم التشريعي 66 لعام 2012، والذي كان قد أطلق عملية تنظيم مناطق المخالفات والسكن العشوائي في محافظة دمشق، ولكن سكان حي المزة يقولون إن المشروع يهدف لإعادة تنظيم ديمغرافية المنطقة، مشيرين إلى أن حي المزة، وخصوصا بساتين المزة، ذات أهمية استراتيجية وسياسية، حيث أنها تعتبر مدخل مهم جنوب غربي دمشق، وفيها بنايات لوزارات الحكومة، ولكن معظم السكان يدعمون المعارضة، ويستثني المشروع المنطقة الغربية، أو ما تسمى المزة 86، والتي تسكنها الطائفة العلوية، رغم أن المزة 86 منطقة مخالفة وسكن عشوائي.

وفي أواخر عام 2015 بدأ النظام بإرسال تحذير لسكان حي المزة بالإخلاء من أجل الهدم، مستعيناً بعناصر من قوات الأمن، ووعد النظام السكان أن يدفع لكل عائلة 30 ألف ليرة سورية شهريا، ما يساوي 158 دولار أمريكي، لخمس سنوات بينما يقوم النظام بإعادة بناء المنطقة، ولكن السكان يقولون إنهم لم يحصلوا على أي أموال، وأن هذا المبلغ لا يغطي سعر إيجار بيت في دمشق.

وتشير مها حديدي، وهي من أبناء حي المزة وقد خرجت حديثاً من دمشق نحو تركيا، إلى أن آليات تابعة للحكومة مدعومة بعناصر من الأمن، هدمت عدداً من المنازل في منطقة بساتين المزة، وذلك تحذيراً لباقي السكان المشمولين في المخطط، مضيفة أن هذا المشروع يهدد بتشريد حوالي 200 ألف شخص من منازلهم.

يثق النظام السوري بأبناء طائفته وعائلات المقاتلين الذين جلبهم من إيران وأفغانستان ولبنان والعراق لتأمين مناطق دويلته، ويكثر في الأونة الأخيرة وجود الأجانب المواليين للنظام في دمشق، حيث جلبهم النظام من إيران وأفغانستان ولبنان والعراق للقتال في سوريا، وأشارت حديدي إلى أن

دمشق لم تعد كما كانت، حيث أصبح فيها العديد من اللهجات والعديد من اللغات، ومنها العراقية والإيرانية والأفغانية، إضافة إلى العديد من الطقوس الدينية، التي لم تكن موجودة في السابق، لافتة إلى وجود مظاهر تشيّع كبيرة في دمشق، يحاول النظام والسفارة الإيرانية فرضها على المدينة، ما قلب دمشق القديمة إلى مزار دينيّ.

ومن أجل تبرير وجود المقاتلين الأجانب والتغيير الديمغرافي، قال بشار الأسد في خطاب له أمام مواليه في 26 يوليو/تموز 2015 إن “سوريا لمن يقاتل دفاعاً عنها” وأن “جميع من معي بغض النظر عن جنسياتهم هم سوريون، سواء كانوا إيرانيين أو لبنانيين أو أفغانيين.”

عمد النظام إلى استخدام أدوات قانونية أخرى من أجل إحداث التغيير الديمغرافي دون استخدام السلاح، حيث أصدر قوانين جديدة ترغم الشباب على الالتحاق بالخدمة العسكرية، وخفض معدل أعمار المطلوبين للخدمة الاحتياطية، مما أفرغ مناطق سيطرته من الشباب، الذين فضلوا اللجوء إلى أوروبا عبر البحر، وخاصة في مناطق سيطرة النظام.

ويذكر حسام الخالد البالغ من العمر 25 عامًا أنه هرب قبل شهر من مدينة دمشق إلى لبنان، خوفاً من اقتياده إلى أداء الخدمة الإلزامية، على الرغم من كونه معفي منها، بسبب إصابته بأحد الأمراض التي لا تسمح له القيام بالأعمال القتالية، مضيفاً أن في الفترة الأخيرة كانت هناك حملة شرسة من قوات النظام لتجنيد الشباب، ونصب الجنود والقوات الأمنية الكمائن لهم حتى عند الأفران.

استخدم النظام السوري العديد من الممارسات القمعية لإحداث التغيير الديمغرافي، وحاول استغلال أحداث النزوح واللجوء التي باتت ظاهرة يومية في سوريا نتيجة الحرب، من أجل الحفاظ على وتأمين المناطق داخل “سورية المفيدة” وتركها ملجئ أمناً له لتأسيس قاعدة دعم له، لأن بشار الأسد لا يحظى بالشرعية والشعبية المطلوبين كي يحكم سوريا، حتى ولو استطاع السيطرة عليها بدعم روسيا وإيران وحزب الله والمقاتلين الأجانب.

Read it in English

غيث الأحمد

يعمل صحفي في صحيفة العربي الجديد، وعمل سابقاً كمنسق إعلامي لفرع الهلال الأحمر السوري في دير الزور.