دير الزور: المدينة المنسية

لم تتأخر مدينة دير الزور عن ركوب قطار الثورة السورية، حيث شهدت الكثير من المظاهرات ضد النظام السوري، بعد عام 2011، وحتى خرجت عن سيطرته سنة 2012، وبعدها مرت عليها الكثير من فصائل المعارضة السورية، والكتائب الإسلامية. ثم دخلت مرحلة جديدة في شهر يوليو/تموز 2014، حين أعلن تنظيم داعش سيطرته عليها.

منذ ذلك الوقت، لم يعد للنظام سيطرة في مدينة دير الزور، إلا على أحياء الجورة والقصور وهرابش والبغيلية، التي تأوي نحو 200 ألف نسمة، معظمهم نزحوا من باقي مناطق الدير، يعيشون ظروفاً مأساوية، ويخضعون لسلطة قوات النظام التي تتحكم بكل مفاصل الحياة، من مواد أولية وطاقة وما إلى ذلك.

شهدت الفترة منذ عام عام 2014، الكثير من الاشتباكات وعمليات الكر والفر، بين تنظيم داعش وقوات النظام، وعجّت سماء المدينة بمختلف أنواع الطيران، حتى أن مرصد العدالة من أجل الحياة في دير الزور، المعني بنقل ورصد معاناة المدينة، وصف في دراسة له سماء الدير بـ “عجاج الطائرات”، في إشارة إلى موجات الغبار الموسمية التي تضرب المنطقة سنوياً، وتحجب الرؤية في الشوارع والجو.

تعج سماء المدينة إذاً بطيران التحالف الدولي الذي يقول إنه يستهدف تنظيم داعش المتشدد، لكن رغم ذلك، لم تنل المدينة الأكبر في شمال شرق سوريا، نصيبها من الزخم الإعلامي الداعم لها ولمأساتها، إذ  بين 70% و80% من المدينة مدمر بشكل جزئي وكلّي، حسب ما قال أحد أعضاء مرصد العدالة من أجل الحياة، وهي منظمة محلية في دير الزور، مضيفاً أن المرصد سجل منذ بداية 2015 حتى الآن، ما يقارب الألف قتيل مدني، نتيجة قصف طيران النظام وحلفائه وطيران التحالف الدولي فقط، على مواقع مختلفة من الدير وريفيها الشمالي والشرقي والغربي.

وبحسب المصدر، استطاع النظام هذا العام استعادة بعض المواقع التي دخلها تنظيم داعش العام الماضي، كمشفى الأسد والجامعة والمقبرة بقلب المدينة، وعندما سيطر التنظيم على المقبرة، أدى ذلك إلى توقف المساعدات من برنامج الأغذاية العالمية التي تُؤمن للأهالي عبر الجو، وعندما قام النظام بتأمين المواقع عادت المساعدات في 26 يناير/كانون الثاني 2017، حيث استطاع برنامج الأغذية إيصال 15 حاوية مساعدات للمناطق المحاصرة.

وحالياً، تستمر المعارك بين قوات النظام ومسلحي تنظيم داعش، في محاولة جديدة من التنظيم للدخول إلى مراكز النظام والأحياء التي يسيطر عليها، حيث اشتد القتال بين الطرفين يوم 13 يناير/كانون الثاني الماضي، وتقدم التنظيم بشكل كبير وسيطر على الطريق بين مطار دير الزور والأحياء المحاصرة، ولواء التأمين ومساكن الضباط ومواقع بجبل فردة ومقبرة دير الزور؛ حتى مشفى الأسد والجامعة مؤخراً، أصبحت تحت نيران عناصر التنظيم. 

مع ذلك، فإن التنظيم أصبح في حالة تراجع في سوريا والعراق، ففي سوريا تتقدم قوات سوريا الديمقراطية إلى الرقة، بعد أن هدأت الجبهة بين الأكراد وعملية درع الفرات التركية، وحتى وإن اخذت معركة الرقة أشهر انهزم تنظيم داعش فيها، لا سيما بسبب دعم الولايات المتحدة والتحالف الدولي لقوات سوريا، في حين يرى المحللين تنسيق بدون تواصل مباشر بين التحالف الدولي والنظام السوري، حيث يقوم التحالف باستهداف مواقع داعش، بطريق يسهل تقدم النظام. مع تركيز الولايات المتحدة على هزيمة داعش، وتزايد تواجد قواتها في سوريا، أصبحت أيام تنظيم داعش معدودة، ما يغير أهمية دير الزور في المرحلة المقبلة.

ومع كل المجريات التي تدور في المدينة، وُصفت دير الزور، بالمدينة المنسية، فلا نرى الزخم الإعلامي والدعم السياسي الذي تلقته مدن سورية أخرى، موجهاً للمدينة، وتُطرح الأسئلة، هل يتحمل ناشطوها الإعلاميين المسؤولية حول ذلك؟ أم المعارضة السورية ووسائل الإعلام الحديثة التي نشأت بعد الثورة؟

يقول الحقوقي جلال الحمد، ابن مدينة دير الزور “إهمال دير الزور مسؤولية عدة جهات، الأولى هي الإعلام البديل الذي نشأ بعد الثورة والإعلام العربي، يبدو أنها ليست منطقة استراتيجية ولا تشكل مادة إعلامية دسمة، فلا يوجد فيها تنوع اثني أو عرقي، كالمحافظات السورية الأخرى”.

ويضيف “المسؤولية الثانية على عاتقنا نحن كنشطاء الدير الحقوقيين والإعلاميين، لم نعمل بشكل منظم ومهني لنقل صورة ما يحدث في دير الزور إلى العالم، هناك محاولات كثيرة ومشكورة من النشطاء منذ بداية الثورة حتى الآن، لكن لم تكن بالشكل الذي يخدم إيصال ما يحدث في دير الزور، من جرائم وقصف وتهجير، إلى الإعلام المحلي والعربي، وعندما يتم تناولها يتم على سبيل رفع العتب لا أكثر.”

ويبدو توصيف المدينة بأنها منطقة غير استراتيجية واقعياً، فتركيا لا تنظر إلى دير الزور كحلب مثلاً، وروسيا لا ترى بالدير ساحلاً سورياً، والولايات المتحدة لا تهتم بها بقدر اهتمامها بعين العرب كوباني والحسكة. فيما النظام السوري يبدو في حالة استرخاء إزاء سيطرة داعش على معظم آبار النفط بريف المدينة.

ومع ذلك، ظهرت محاولات إعلامية عديدة من قبل أبناء المدينة لنقل الصورة، لكن لم يكتب لها النجاح، فبحسب الحمد، قام النظام السوري بمجزرة في حي الجورة والقصور نهاية 2012، ومجازر في مناطق البوليه والقورية والحمدية وحي العمال وغيرها، لم تتم تغطيتها بالشكل المناسب.

وثمة آراء تقول إن الدير منسية من جهات إعلامية معارضة، لا تعطي بالاً كبيراً لمناطق النظام، فالأحياء المحاصرة تخضع لسيطرة النظام، وهنا يدخل المدنيون في الجدلية السياسية وحسابات المواقف. فيما تجدر الإشارة إلى أن الأهالي بالمناطق تلك، خاضعون لحصار داعش، ولسلطة النظام بقواته، والمجموعات المسلحة المساندة له، كحزب الله اللبناني، وميليشيا زين العابدين والقائد الخالد المدعومة من إيران، وبعض الجماعات المسلحة المكوّنة من العشائر الموالية للأسد.

وبعيداً عن كون دير الزور مدينة مُهملة إعلامياً وعسكرياً، هي عكس ذلك لدى تنظيم داعش، فخسائره في مناطق سوريا في ريف حلب والرقة، وتراجعه في مناطق العراق من الموصل وحولها، يجعل من المدينة منطقة استراتيجية له، حيث تقع بين الموصل والرقة، وفيها أكبر خزان نفطي بسوريا، فاذا انهزم داعش في الرقة، فهل تكون المدينة السورية المنسية عاصمةً لتنظيم داعش في المرحلة المقبلة؟

Read in English

حسن عارفه

صحفي سوري مقيم في تركيا.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط