دير الزور: معادلة صعبة في الصراع السوري

دير الزور: معادلة صعبة في الصراع السوري

اشترك في نشرتنا 

تشكل محافظة دير الزور اليوم رقم صعب في معادلة الصراع الدائر في سوريا، خاصة منذ خروجها عن سيطرة نظام بشار الأسد وتمكن المعارضة من السيطرة عليها في عام 2013، ثم سيطرة تنظيم داعش على المحافظة في عام 2014. وتشهد دير الزور الآن تنافس عدة قوى للسيطرة عليها. حيث تعمل روسيا على إدارة صراعها مع الولايات المتحدة من خلال سوريا، فتحتج بشرعية وجودها بدعوة النظام لها، كما تتعاون اليوم مع إيران وإلى حدٍ ما مع تركيا، بينما الولايات المتحدة تتقدم في المنطقة عبر دعم قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كل ذلك في ظل تواجد بعض الجيوب لتنظيم داعش، الذي يحاول عبر هذه الجيوب التسلل للمنطقة وزعزعتها. 

تقع محافظة دير الزور في شرق سوريا، وقد تم تحرير نسبة كبيرة من مساحتها على يد قوتين متصارعتين: من الجنوب، النظام السوري وروسيا. ومن الشمال، قوات قسد المدعومة من الولايات المتحدة.

يتفق العديد من أبناء دير الزور أن محافظتهم، تشكل اليوم، صراعًا يعود لأهمية ثرواتها الطبيعية. يقول ورد مراد (اسم مستعار) ناشط مدني من أبناء دير الزور “هناك مفاوضات دولية تجري من تحت الطاولة، لتحديد مصير دير الزور ومن سيسطر عليها، لغناها بالنفط”. ويصف جلال الحمد مدير منظمة العدالة من أجل الحياة أهمية دير الزور جغرافيًا على أنها منطقة حدودية بين سوريا والعراق، “إضافة لثروات النفط والغاز والثروتين الزراعية والحيوانية”. من جانبه، يضيف عمر الديري، ناشط من دير الزور، أهمية أخرى للمحافظة “امتدادها على مساحة جغرافية واسعة (البادية السورية).

المؤشرات في دير الزور تظهر منافسة بين قوات قسد والنظام السوري للسيطرة عليها، مع أن الحمد يستبعد أن تصل هذه المنافسة لحد الصدام بين الطرفين. يتفق رياض درار الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطية، وهو الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية، مع الحمد، بعدم إمكانية الصدام بين القوتين. لكنه يتحدث عن محاولات تحريض من قبل جهات مدعومة من النظام بدعم بعض العشائر في دير الزور لمواجهة قوات قسد، يقول “نعمل على تفادي ذلك عبر اجراء لقاءات مع مجلس عشائر دير الزور لمنحهم تحمل مسؤولية إدارة منطقتهم”. وكانت الولايات المتحدة قد استهدفت، بداية شهر فبراير/شباط الجاري، بالطيران نقطة في شمال الرقة (شرق الفرات) تتبع النظام السوري، بعد استهداف الأخير مقرًا لقوات قسد في دير الزور.

كانت العسكرة التي تلت الثورة السورية سببًا في سيطرة وغطرسة القوى العسكرية على المشهد السوري، وتم تغييّب عقل المجتمع المدني. بل فرضت العسكرة نفسها على المدنيين واستمالتهم لجانبها، وكل ذلك ساهم بعدم الوصول للانتفال الديمقراطي، الذي كان مطلب الثورة السورية في بداياتها. يعتقد رياض درار أنه من المبكر الحديث عن مصير دير الزور “معارك التحرير لم تنتهِ وتنظيم داعش يستطيع القيام بعمليات انتقامية، كما أن المدينة مدمرة تمامًا والعودة إليها تحتاج صيانة وترميم”. ويضيف درار “من الممكن أن تشترك قوات قسد والنظام في السيطرة على المنطقة، مع حفظ حدود الفصل، واجراء اتفاق على الحركة والمرور بينهما”. ويسيطر النظام السوري على شمال الفرات وتسمى المنطقة الشامية، بينما تسيطر قوات قسد على جنوب الفرات وتُسمى المنطقة الجزيرة.

يتفق غالبية الفاعلون من أبناء دير الزور على أن المناطق التي تسيطر عليها قوات قسد تشكل أمانًا نسبيًا أفضل من مناطق النظام، فيقول درار أن القرى والمدن التي سيطرت عليها قوات قسد، يعود إليها الناس، ويتم تقديم الخدمات من قوى التحالف والمنظمات الإنسانية بنظام إداري باسم المجلس المدني والمجلس التشريعي الذي تم انتخابه بداية من فبراير/شباط 2018. من وجهة نظر جلال الحمد أيضًا، فإن مناطق قوات قسد هي الأفضل، بينما مناطق النظام تفتقد للأمان خشية القصف وعودة تنظيم داعش، وأيضًا خوف الأهالي من انتقام قوات الدفاع الوطني بعد عودتهم، وتخوف الشبان من التجنيد في الخدمة الإلزامية. ولكن من ناحية أخرى، يشير عمر الديري، ناشط من دير الزور، إلى أن سيطرة قسد تمثل هاجسًا لدى أهالي دير الزور خوفاً من اندلاع نزاع قومي (بسبب سيطرة الأكراد على قوات قسد).

حتى الأن لم تحدد أي قوى تصورها لشكل دير الزور القادم، لكن تصريحات من مقربين من قوات قسد ألمحت بإمكانية ضم الرقة ودير الزور في إقليم واحد.

تعيش دير الزور حالة عدم استقرار، ما أدى إلى نزوح الكثير من سكانها. لن تكون عودة الأهالي، بحسب الناشط عمر الديري، سهلة دون تأكيد زوال تنظيم داعش من المنطقة. يشكل ملف النازحين من أهالي دير الزور نقطة هامة، فبحسب الناشط عمر الديري شهدت دير الزور موجة كبيرة للنزوح خلال الحرب ضد تنظيم داعش. ويقدر مدير مركز العدالة والمساءلة، جلال الحمد، عدد النازحين من أبناء دير الزور بعد عودة النظام بنحو 200 ألف نسمة موزعين في محافظة الحسكة التي تسيطر عليها قوات قسد، والمناطق التي تسيطر عليها قوات درع الفرات في ريفي حلب وإدلب، مع عودة عدد قليل من النازحين من المخيمات. ويقول الحمد، إن العودة إلى دير الزور أُمنية جميع أهالي المحافظة، لكن هذا أيضًا يحتاج توافر شرط الأمان والخدمات وتوفر فرص العمل، وإزاحة هاجس الخوف من انتقام داعش لدى المدنيين، وذلك عبر حل سياسي جذري، ومرحلة انتقالية تساعد الناس في العودة والاستقرار.

يعتقد عمر الديري أن دير الزور تحتاج لسلطة محلية تقود المرحلة القادمة، كما تحتاج عقد اجتماعي جديد بعد أن فتت تنظيم داعش البنية المجتمعية في المحافظة، عندما استقطب عشائر لمساندته في وجه عشائر أخرى، هذا عدا ارتكابه مجازر بحق أهالي الشعيطات الذين وقفوا ضده. وتقول سلمى صالح، ناشطة من دير الزور، أنه لا توجد قراءة واضحة لمستقبل دير الزور، فالمعارك من وجهة نظرها لم تنتهِ، وهي تدور بين ثلاثة أطراف (النظام وقوات قسد المدعومان دوليًا وجيوب داعش)، وتتابع “الصورة مازالت معلقًة، والمشهد غير مكتمل”.

يشير ورد مراد لضرورة عدم الاستهانة بتنظيم داعش، حيث يشير إلى أن التنظيم يقوم بلملمة فلوله في أطراف المدينة، حيث أن “هذا يسهل عليه تشكيل مجموعات لشن هجمات على المحافظة، الأمر الذي سينعكس على استقرارها”. يتفق عمر مع ورد بأن جيوب تنظيم داعش ستقوم بعمليات انتحارية وعمليات تفخيخ ما يُبقي الخطر على المدنيين.

تدل الوقائع الحالية القادمة من دير الزور إلى أن مشهد الصراع يُغَيب أي سلطة مدنية، وهذا ما تؤكده سلمى بالقول “لا أحد يستطيع التكهن بما سيؤول عليه حال المدنيين، ورغبتهم في اختيار السلطة “لعدم وجود جو ديمقراطي يسمح بذلك”. معتقدة بأنه لو سُمح الاختيار لأهالي دير الزور، فسيختارون أناسًا من المنطقة، حريصين على إدارتها بشكل إيجابي.

اشترك في نشرتنا English

سردار ملادرويش

صحفي كردي من سوريا، يعمل في الصحافة المرئية والمسموعة والمكتوبة والإلكترونية.

شاهد أيضاً

السعودية: ضرورة مراجعة الروابط الآن

التقارير التي أعلنت أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قد خلصت إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد أمر بقتل الصحفي السعودي جمال خاشجقي أضاف المزيد من الثقل والإلحاح لشيء كان قد أوصى به كاتب المقال منذ أسابيع مضت.

تطبيق الراصد: كيف يتم تطويع التكنولوجيا لإنقاذ الأرواح

يعتمد نورس إضافة إلى تعقب حركة الطيران في سماء مدينة إدلب بعينيه، على تطبيق الكتروني يحمل اسم الراصد لتعقب إشارة الطيران للاحتماء بمكان آمن، والنجاة من القصف بأقل الخسائر قدر الإمكان.

الحياة في الحديقة: معاناة اللاجئات السودانيات اليومية في القاهرة

هذ المقال المصور يركز على الحياة اليومية لمجموعة من اللاجئات السودانيات الذين عاشوا، أو ما يزلن يعيشن، أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذه الصور تتبع حياتهم اليومية خلال العمل ورعايتهم لأطفالهم والتجول في القاهرة.