دير الزور: خط التماس القاتل

دير الزور: خط التماس القاتل

مع احتدام السباق نحو مدينة دير الزور شرق سوريا، تحاول قوات النظام السوري والقوات الرديفة لها والمدعومة من روسياً، السيطرة على المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، وذلك عبر التقدم في المنطقة شمال نهر الفرات، فيما تسارعت وتيرة تقدم مليشيا قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة أمريكياً نحو المدينة بهدف السيطرة على أكبر جزء منها، تحت مسمى “عاصفة الجزيرة“، ما يعني أنّ الأيام القادمة تحمل إمكانية التقاء الأذرع الأمريكية والروسية في دير الزور، وفتح باب المواجهة العسكرية بين قوات نظام الأسد ومليشيا قسد.

وفيما يبدو أنّ ذلك الالتقاء سيكون صراعاً جديداً بشكل مباشر لأول مرة بين القوتين العالميتين في سوريا، حيث اتهم الروس الخميس ٢١ سبتمبر/أيلول الماضي، القوات المدعومة من واشنطن، باطلاق النار على قوات نظام الأسد محذرة الجيش الأمريكي بالرد على أي حادث جديد من هذا النوع، وتبعه تهديد مستشارة رئاسة الجمهورية “بثينة شعبان” في تصريح لها، بإمكانية قتال قوات قسد ومنعها من التقدم إلى دير الزور، وأعقب ذلك تصريح من أحمد أبو خولة قائد مجلس دير الزور العسكري التابع لقسد “أنّ أي اعتداء على قوات عاصفة الجزيرة من قبل قوات النظام سيتم الرد عليه فوراً.”

التحركات الأخيرة للنظام وحلفائه جاءت وفق تصور سياسي عسكري على خلفية تقاطع مصالح بين الأطراف المنخرطة في الصراع هنا، فالنظام اليوم بحاجة ماسة للسيطرة على محافظة دير الزور بثرواتها الطبيعية، لتعزيز صورته وفرض رؤيته للحل في سوريا، أما إيران فهي بحاجة للسيطرة على المنطقة لحماية استثمارها في الصراع السوري المتمثل في تأمين ممر بري يربطها بالبحر المتوسط مروراً بالعراق وسوريا، وتعزيز موقفها في مواجهة الإدارة الأمريكية، فيما يبقى للجانب الروسي هدفه في السيطرة على دير الزور والاحتفاظ بموقعه المتقدم ضمن توازن القوى على الساحة السورية لتوظيفه في المساومة مع الإدارة الأمريكية في إطار صفقة شاملة على مصالحها وموقعها من المعادلة الدولية، ويعتبر وضوح الرؤية والاستراتيجية التي يتبعها نظام الأسد وحلفائه من روس وإيرانيين عاملاً مساعداً في رسم مستقبل التحركات الجارية، حيث تتسم تحركاتهم باستراتيجية عسكرية معتمدة على السيطرة المفيدة، وتحديد الأولويات، عكس تلك المتبعة من قبل قوات عاصفة الجزيرة المدعومة أمريكياً، والتي تتسم بالعشوائية والسعي وراء السيطرة على الحقول النفطية فقط، دون تأمين عمق استراتيجي لها.

ومع استمرار غياب استراتيجية أمريكية شاملة في سوريا واعتمادها على سياسة غير واضحة، والقائمة على دعم تقدم قوات قسد وطرد تنظيم داعش فقط، دون التصريح بالخطط التالية ورؤيتها لمستقبل المنطقة بعد انتهاء المعركة الجارية، تتعامل الإدارة الأمريكية مع المنطقة باعتبار أنّ الحكومات في كلّ من سوريا والعراق وإيران ولبنان مستقلة ولا ترتبط مع بعضها، ففي الوقت الذي تتحالف فيه مع حكومة العبادي في العراق والتي تسيطر عليها المليشيات الشيعية المدعومة من إيران، تعمل مع مليشيا قسد في سوريا والتي تعتبر منفصلة عن نظام الأسد المدعوم إيرانياً، وفي الوقت ذاته تتعامل مع حكومة الحريري في لبنان والتي يسيطر عليها حزب الله المدعوم إيرانياً، إلا أنّ المنطقة بمجملها تمثل مساحة حرة من الحركة لطهران لتنفيذ سياستها وفرض هيمنتها، الأمر الذي يحتم على الجانب الأمريكي تغير خارطة القتال الحالية، لمنع الوصل الجغرافي للمساحات التي تسيطر عليها إيران عبر أذرعها، وذلك بقطع الطريق في نقاط استراتيجية حدودية، والتي خسرت الولايات المتحدة الأمريكية إحداها عبر إيقاف الدعم عن الفصائل المقاتلة في نقطة التنف الحدودية وتفكيك القاعدة العسكرية التي كانت متواجدة في تللك المنطقة، فبينما لا تشكل تلك النقاط الصحراوية أولوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، كونها لا تعتبر تهديد مباشر لأمنها القومي، إلا أنّه يصب في صلب الأمن القومي الإيراني، وذلك بربط الهلال الشيعي جغرافياً بالسيطرة على الطريق بين الأنبار بادية الشام.

أما بالنسبة لموسكو، فقد اعتبرت، بصورة كبيرة، دور قوات قسد دوراً إيجابياً في عدد من التصريحات، ولا تراها كقوة عدوة في المنطقة، كما لعب المراقبون الروس دوراً في مناطق كردية كعفرين مثلاً، عبر تواجدهم فيها وحمايتها من القصف التركي، وفي ظل سعي تلك القوات للتمدد أكثر على طول وادي نهر الفرات باتجاه الحدود العراقية، ما سيضعها في مواجهة مباشرة مع المليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً والمتواجدة على الجانب الآخر من الحدود، ومحصورة شمالاً من تركيا العدو التاريخي للأكراد، الأمر الذي يفتح الباب على تساؤل مهم، ما هو مستقبل قوات قسد المدعومة أمريكياً وهل ستكون ذراعاً روسياً عقب انتهاء معركة تنظيم داعش؟، أم سترى قوات قسد روسيا كشريك مع أعدائها على الساحة الجغرافية؟ الأمر الذي سيؤثر جلياً على علاقات هذه القوات مع شركائها الدوليين في الشرق الأوسط.

كل تلك التقاطعات الحالية، وتجاوز الجميع للخطوط الحمراء للجميع، على الولايات المتحدة الأمريكية طرح خطة واستراتيجية واضحة لحماية المناطق الخارجة عن سيطرة تنظيم داعش، الأمر الذي سيسهل من حياة الكثير من سكان تلك المناطق، هذه الخطة يجب أن تضع الخطوط العريضة لأي مفاوضات مستقبلية على مستوى المنطقة ككل.

اشترك في نشرتنا English

فراس حنوش

ناشط من الرقة، وعمل في السابق طبيباً مع منظمة أطباء بلا حدود في سوريا.

شاهد أيضاً

تركيا: إدارة التوترات وخيارات للتعاطي

يستكشف هذا التقرير أيضا الأسباب الجذرية للتوترات الأمريكية التركية، ويقدم عدداً من خيارات السياسة للمساعدة في إدارة العلاقات بين الطرفين.

مصير إدلب يحدده الصراع بين هيئة تحرير الشام وروسيا

في أواخر شهر سبتمبر/أيلول، قصفت الطائرات الروسية مدينة حارم لأول مرة منذ بداية الثورة عام 2011، لم تسلم قرية أو مدينة في غرب إدلب من قصف الطيران الروسي هذه المرة، فقد شملت الغارات الجوية مدن حارم وإدلب وجسر الشغور وخان شيخون وبلدات جبل الزاوية.

كارثة صحية في الغوطة الشرقية

يتداعى الوضع الطبي في غوطة دمشق الشرقية، حصار النظام السوري على المنطقة مستمر منذ أربعة أعوام، ما ينذر بكارثة صحية قريباً، ضحيتها المدنيون الذين يحتاجون لعلاج يبعد عنهم عدة كيلومترات فقط في العاصمة دمشق، لكن لا يستطيعون الذهاب إليه.