اتفاقيات خفض التصعيد مهددة بالفشل

اتفاقيات خفض التصعيد مهددة بالفشل

 اشترك في نشرتنا 

توصلت الدول الراعية لمفاوضات أستانة (تركيا وروسيا وإيران) في جولتها الرابعة يوم 4 مايو/أيار 2017 إلى اتفاق “خفض التصعيد” القاضي بإقامة مناطق آمنة في سوريا.

في الوقت الذي كانت تعاني الفصائل العسكرية من حالة ضعف شديدة نتيجة المواجهات العنيفة جداً وغير المتكافئة على الاطلاق، والتي استمرت لمدة عامين بلا انقطاع في كل من مدينة حلب حتى اطباق الحصار عليها، ثم معركتي فك الحصار عن المدينة اللتان فشلتا، وتم بعد ذلك اخلاء المدينة وسقوطها بيد قوات النظام وحلفائه، وما سبق ذلك من معارك في ريف حلب الجنوبي حتى وصول النظام إلى قرب طريق الاوستراد الدولي دمشق-حلب. بالإضافة إلى تمكن جبهة النصرة من انهاء وجود عدد من فصائل الجيش السوري الحر وحركة أحرار الشام الإسلامية.

سمحت اتفاقية “خفض التصعيد” لقوات النظام السوري بالتقدم نحو البادية السورية التي كانت تحت سيطرة تنظيم داعش، والمتداخلة تنظيمياً بين محافظات حمص والرقة وحلب ودير الزور وحماة، ومن ثم الوصول إلى مدينة دير الزور والأرياف المحيطة، حيث استغل النظام السوري جمود جبهاته مع فصائل المعارضة.

استمرت جبهة النصرة في خطاب المزايدة المعتاد منذ سنوات بأنها لن تقبل بهدنة مع قوات النظام واتهمت الفصائل التي ذهبت للأستانة وجنيف بالخيانة. وبعد جولة أستانا السادسة في أيلول 2017، طرحت روسيا منطقة “منزوعة السلاح” في منطقة العشائر جنوب إدلب، وأعلنت تشكيل ‏قوات العشائر بقيادة أحمد درويش، عضو مجلس الشعب، ‏وزعيم منطقة أبو دالي التي تعد من أهم الحواضن التجارية، وفيها معبر تجاري يصل مناطق النظام مع مناطق المعارضة في ادلب وأريافها وتستفيد منه مختلف القوى على الأرض، والمتمثلة في جبهة النصرة وميليشيات النظام، وهذا ما يفسر هدوء المنطقة سابقاً وعدم حدوث معارك في هذه المنطقة الاستراتيجية.

بعد الطرح الروسي، انتشرت تسريبات مفادها أن قيادات من جبهة النصرة ذهبت إلى أبو دالي للتفاوض مع الروس بشأن المنطقة “منزوعة السلاح” حيث ستكون هذه المنطقة شرق سكة القطار في كل من ريف حماة الشرقي وريف ادلب الجنوبي.

بعد هذه التسريبات التي سببت خلخلة في صفوف جبهة النصرة، وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول شنت جبهة النصرة هجوماً ضد قرية أبو دالي في ريف حماة الشرقي، وسيطرت على البلدة وعدة قرى محيطة بها. لا يوجد أي استراتيجية لهذه المعركة على الاطلاق سوى أن الجولاني أراد أن يشغل عناصره بعد التسريبات بمعركة ما، ويخرق اتفاق وقف اطلاق النار المندرج تحت اتفاق خفض التصعيد، كما كانت نتائجها كارثية على المستوى العسكري حيث ما زالت قيادة النصرة تزج بنخبة المقاتلين بمعارك دونكيشوتية. وعلى المستوى الإنساني، بدأت طيران النظام بقصف العديد من المدن والقرى دون استهداف لمقرات ومعسكرات جبهة النصرة، بالإضافة إلى ارتفاع ملحوظ بأسعار المواد الأساسية و المحروقات التي كانت تدخل إلى المناطق المحررة عبر معبر أبو دالي والتي لا يمكن استيرادها من تركيا.

كما أنه لا بد من الإشارة إلى أن جبهة النصرة أطلقت المعركة بعد 3 أيام فقط من انتهاء مؤتمر الأستانة الذي تم الاتفاق خلاله على ضم إدلب إلى مناطق خفض التصعيد، لافشال هذا الاتفاق حيث أن الطرفين الوحيدين الرافضين لضم إدلب إلى مناطق خفض التصعيد هما النصرة والنظام وحلفاؤه.

في 9 أكتوبر/تشرين الأول قام النظام السوري بفتح طريق لقوات داعش التي كانت محاصرة في جيب عقيربات شرق مدينة السلمية نحو منطقة الرهجان الواقعة تحت سيطرة جبهة النصرة، وتمكنت قوات تنظيم داعش من السيطرة على قرابة 15 قرية في يوم واحد نتيجة لهجومها المباغت على نقاط ومقرات جبهة النصرة في المنطقة. تشتت قوات جبهة النصرة بين معركة أبو دالي ومعركة الرهجان.

في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2017، بدأت قوات النظام حملة عسكرية كان يبدو أن هدفها هو استعادة السيطرة على قرية أبو دالي، لكن تبين لاحقاً أن الهدف أبعد من ذلك بكثير. استعادت قوات النظام قرية أبو دالي وأكملت تقدمها باتجاه الشمال نحو مطار أبو ظهور العسكري، وسيطرت على عشرات القرى ووصلت قوات النظام إلى سنجار في 7 يناير/كانون الثاني الحالي. بالتزامن مع ذلك، شنت قوات النظام هجومين من محور السعن باتجاه ناحية الرهجان، ومن محور خناصر باتجاه مطار أبو ظهور العسكري، كما يتوقع أن تبدأ قريباً هجوماً جديداً من الحاضر في ريف حلب الجنوبي نحو الجنوب باتجاه مطار أبو ظهور أيضاً، وبالتالي تلتقي هذه المحاور جميعها في مطار أبو ظهور ما سيحوّل المنطقة إلى جيوب محاصرة أو شبه محاصرة، ومن ثم انسحاب الفصائل والمدنيين من هذه المنطقة التي تحوي مئات القرى، وحدوث كارثة إنسانية بدأت بوادرها تظهر بالفعل، حيث قامت قوات النظام بقصف الخطوط الخلفية للجبهات مسببة العديد من المجازر وهروب المدنيين من قراهم نحو عمق ادلب والشريط الحدودي والمخيمات غير القادرة على استيعاب مثل هذا العدد.

كان اللافت في هذه المعارك أن جبهة النصرة التي خرقت اتفاق “خفض التصعيد” في هجومها على قرية أبو دالي، لم تزج بقواتها للدفاع عن القرى التي سقطت بيد قوات النظام بشكل سريع ومطّرد فيما اقتصر الدفاع على المجموعات المحلية من جبهة النصرة التي تحاول الدفاع عن قراها، كما أن جبهة النصرة المسيطرة على هذه المنطقة الهامة لم تقم بعمل أي تحصينات دفاعية لمواجهة قوات النظام، فيما يعزز وجهة النظر الرامية إلى أن الاجتماع الذي حدث منذ أشهر بين قيادات النصرة والروس في قرية أبو دالي نتج عنه اتفاق بين الطرفين لتسليم هذه المنطقة (شرق سكة الحديد) لقوات النظام دون مقاومة تُذكر. وهذا ما يحدث بالفعل. بالإضافة إلى وجهة النظر الأخرى التي تتحدث عن أن جبهة النصرة تقوم بتسليم هذه المنطقة لقوات النظام تنفيذاً لاتفاقات دولية أو إقليمية غير معلنة باعتبار أن النصرة هي الأداة الوظيفية الأكثر فاعلية للأطراف المعنية بالشأن السوري، ما يجعل الاحتمالات مفتوحة حول مساحة المنطقة التي قد تسيطر عليها قوات النظام والتي ربما لن تقتصر على المنطقة معزولة السلاح (شرق سكة الحديد) بل قد تصل إلى طريق الأوتستراد حلب-دمشق.

قوات النظام بعيدة الآن عن مطار أبو ظهور العسكري قرابة ال 15 كم من جهة سنجار ونفس المسافة من جهة الحاضر، وقرابة 30 كم من جهة الرشادية غرب مدينة خناصر.

في حال أطلقت قوات النظام محوري الحاضر والرشادية فسيكون التقدم نحو مطار أبو ظهور أسرع من ذي قبل، لأن المجموعات القليلة جداً والتي تحاول الدفاع عن المنطقة ستتشتت قوتها أمام 3 محاور.

تطورات الأحداث الميدانية عسكرياً وانسانياً في كل من ادلب والغوطة تزيد من احتمالية فشل وانهيار اتفاق خفض التصعيد، كما أنه أصبح واضحاً عدم نية تركيا القضاء على جبهة النصرة، وعدم قدرة روسيا على الإيفاء بتعهداتها كضامن لنظام الأسد. كما أن الخلاف الداخلي الحاصل بين صفوف جبهة النصرة من جهة وبين التنظيمات الجهادية الأخرى في المنطقة من جهة ثانية ودخول داعش إلى المنطقة، سيزيد من احتمالية ظهور تنظيم جهادي جديد، وبالتالي ازدياد احتمالية انهيار اتفاق خفض التصعيد، بل سيكون هناك اقتتال داخلي بين جبهة النصرة وهذا التنظيم الجديد في حال ظهوره، وسيكون الاقتتال الأكثر دموية لأن الجولاني الذي عمل على مدار سنوات لتستتب السيطرة له لن يرضى بسهولة أن يشاركه أحد السيطرة على ادلب.

مصير المناطق المحررة يبقى مجهولاً، على ضوء عدة عوامل أهمها ضعف الإمكانيات العسكرية الموجودة لدي الفصائل العسكرية لمواجهة أي هجوم عنيف من قبل النظام المدعوم بكل شيء من روسيا وإيران، الاستدارتين التركية والسعودية تجاه القضية السورية، وما ينتج عنه من تسليم ملف الحل السياسي بالكامل للروس الذين بدورهم سيقومون بالالتفاف على المنظومة السياسية من خلال الدفع بمسار سوتشي و نسف مسار جنيف ذو المرجعية الدولية، وقبول ضمني دولي وإقليمي بذلك، بالإضافة إلى قبول المعارضة الجديدة المهجّنة بمنصة موسكو بالرؤية الروسية للحل النهائي في سوريا، والتي تتلخص في إصلاحات شكلية كتعديل الدستور وحكومة وحدة وطنية وانتخابات رئاسية يحق لبشار الأسد الترشح لها.

 اشترك في نشرتنا English

عبد الله الموسى

باحث في الشأن السوري ومحلل عسكري، لديه أربع سنوات من الخبرة عمل فيها مسؤولا ميدانياً لدى منظمات دولية. يعمل حاليا مدير قسم مؤشر الرأي في منظمة هوز (Hooz).

شاهد أيضاً

إمكانيات قطاع الطاقة العراقي: الفرص والتحديات

يدعوكم مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط ومركز الطاقة العالمي في المجلس الأطلنطي لحضور حلقة نقاشية مع مجموعة من الخبراء حول مستقبل النفط والغاز في العراق في ضوء تفاعلات السوق العالمي وفرص التصدير والتحديات السياسية

اختفاء المناطق الآمنة في سوريا

تتصدر مدينة عفرين السورية شمال البلاد مشهد الأحداث مع بدء قوات المعارضة السورية مدعومة بالجيش التركي عملية "غصن الزيتون" العسكرية في محاولة لإبعاد مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية عن الحدود التركية

بغداد وحكومة إقليم كردستان يسيران في طريق مسدود

استمرت كل من إيران والولايات المتحدة في دفع العراق وحكومة إقليم كردستان لتطبيع العلاقات بينهما، لكن نهج بغداد المتطرف يعني أن حكومة إقليم كردستان على الأرجح سوف تجمد موقفها لحين الانتهاء من انتخابات مايو/أيار 2018، وذلك لعقد صفقة ما.