لحظة حاسمة أخرى تمر بها تونس

كريم ميزران وإليسا ميلر

عادة ما توصف تونس بأنها قصة النجاح الوحيدة من بين الثورات العربية في عام 2011، تلك الديمقراطية الوليدة في الإقليم والتي شابها الفوضى والاضطراب. في الأسبوع الأول من أغسطس/أب شهد العالم العملية الديمقراطية تأخذ مسارها في تونس، حينما تنحى رئيس الوزراء حبيب الصيد بعد سحب الثقة منه من البرلمان، وعين الرئيس الباجي قايد السبسي وزير الشئون الداخلية يوسف الشاهد رئيساً للوزراء. هذا التحول السلمي للسلطة ليس الأول من نوعه في تونس منذ الإطاحة بالرئيس الذي استبد بالحكم لفترة طويلة زين العابدين بن علي. ففي عام 2013، تنحى حزب النهضة الإسلامي عن الحكم مفسحاً المجال لحكومة تصريف أعمال مستقلة. وفي العام الماضي، حصلت لجنة الحوار الوطني التونسية على جائزة نوبل للسلام؛ لدورها في رأب الصدع بين الإسلاميين والعلمانيين عقب خطوة حزب النهضة. مع ذلك، تواجه تونس العديد من التحديات الشاقة، وليس واضحاً إلى أي مدى يمكن أن يصل الشاهد في مواجهة تلك التحديات، خاصة أنه يواجه بالفعل معارضة، وسط اتهامات له بمحاباة الأقارب.

وعلى الرغم من التحول السلمي للسلطة، تعرض كلاً من يوسف الشاهد والسبسي لهجوم حاد من أحزاب المعارضة والمجتمع المدني؛ ففي حين أن الشاهد ينكر التقارير التي تفيد بصلة قرابته للسبسي، تفيد التقارير الإعلامية المحلية أنه ابن أخ صهر السبسي. واتهم المشرعون من أحزاب المعارضة السبسي، ومن بينهم حزب الجبهة الشعبية، بأنه استبدل الصيد برئيس وزراء طيّع سيحكم لصالحه. وتشير بعض التقارير إلى أن السبسي أعطى الشاهد المنصب، من أجل أن يساعده على الصعود في حزب السبسي الحاكم “نداء تونس.” وفي واقع الأمر فإن العالِم الزراعي والأكاديمي- يوسف الشاهد – الذي دخل المجال السياسي عام 2012 على تناقض ملحوظ مع حبيب الصيد البالغ من العمر 67 عاماً، هذا البيروقراطي العتيد الذي شغل عدة مناصب وزارية رفيعة المستوى، بما فيها وزارة الداخلية. وقد أثار تعيين الشاهد أيضاً غضب هؤلاء المعارضين للسبسي، متهمين إياه بمحاولة توريث السلطة لابنه حافظ، ففي وقتٍ مبكر من هذا العام عين السبسي ابنه رئيساً لحزب نداء تونس، ما أدى إلى حدوث انقسام داخل الحزب. وبالنسبة للعديد من التونسيين، ومن بينهم بعض القادة الشباب، فإن تعيين الشاهد يوضح بصورة جلية المحسوبية داخل الحكومة.

وفي هذه الأثناء يقدم الشاهد نفسه على أنه قائد جريء تحتاجه تونس، من أجل خوض غمار الإصلاحات الصعبة، ومعالجة التهديدات الداخلية والخارجية. وقد تم انتقاد الصيد في تناوله للاقتصاد والأمن، ويبدو أن الشاهد يصدر نفسه على أنه رمزاً قادراً على تحقيق تقدم في هذه الجبهات. عند قبوله للتعيين، قال للتونسيين أن أولوياته هي فوز تونس في الحرب على الإرهاب، وزيادة النمو لخلق الوظائف، وتحقيق التوازن في المالية العامة، وشن حملة على الفساد؛ كما أخبر الصحفيين أيضاً أن تعيينه “رسالة ثقة للشباب…في هذا الوقت الحساس، وأننا بحاجة إلى العديد من القرارات الحكيمة.”

وبينما يؤكد الشاهد وأنصاره على أن الدولة بحاجة إلى نظام أكثر جرأة في الحكم قادر على اشراك شباب تونس، يبقى من غير الواضح ما إذا كان سيصبح قادراً على تنفيذ هذه “القرارات الحكيمة” وكيف يخطط تحديداً لفعل ذلك. تقلد الصيد المنصب لمدة 18 شهر فقط، ما أعطاه القليل من الوقت لعمل يغير من الاقتصاد التونسي بعد الهجمات الإرهابية في عام 2015. مع ذلك، في الشهور السابقة كان من الواضح أنه تم تحقيق بعض التقدم؛ فعلى الصعيد الأمني، في إبريل/نيسان، استشهد وزير السياحة التونسي بمؤشرات إيجابية من قبيل أن معدلات حجز الطيران كانت قد بدأت في الانتعاش؛ ومن المتوقع أن تجذب تونس نفس عدد السياح الأجانب هذا العام مثل العام السابق، مع أنه رقماً هو الأقل من نوعه لتونس على مدار عقود، حيث تم بذل جهود لزيادة الأمن في الفنادق والمطارات؛ ويقوم قطاع الصناعة بإعادة التركيز على الأسواق الجديدة. قال البنك الدولي في وقت سابق من هذا العام أنه يتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي لتونس، لينتعش قليلاً بنسبة 1.8% هذا العام مقارنة بـ 0.8% في عام 2015. ويتوقع البنك الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 2.5% بحلول عام 2017، وهو الأعلى من مستوى عام 2014.

وفي غضون ذلك، فإن المجتمع الدولي يستمر في الاعراب عن دعم واهتمام كبيرين بمسألة التعافي في تونس؛ ففي 5 أغسطس/آب أصدرت تونس سندات بقيمة 500 مليون دولار مضمون من الولايات المتحدة. وضمان القرض هذا هو الثالث من نوعه من الولايات المتحدة منذ عام 2012، ويهدف إلى دعم الإصلاح الاقتصادي في الدولة. وفي يونيو/حزيران، وافق صندوق النقد الدولي على قرض لمدة أربع سنوات بقيمة 2.9 مليار دولار، لدعم الأجندة الاقتصادية للسلطات التونسية وتعزيز النمو الشامل وخلق الوظائف؛ ويعد برنامج صندوق النقد الدولي طموحاً، حيث يهدف إلى مساعدة تونس في تخفيض العجز المالي الإجمالي، وتحسين إدارة الإنفاق العام، وتفعيل الإصلاحات الهيكلية الكبيرة.

مع ذلك، حتى في ظل وجود المساعدة الاقتصادية الدولية، فإن الإصلاحات الاقتصادية في تونس ستأخذ وقتاً لتظهر نتائجها؛ وسنرى كيف يمكن للشاهد أن يخطط لزيادة النمو الاقتصادي أكثر من حكومة الصيد، وكيف يخطط لمعالجة مجموعة التحديات الأخرى التي تواجه الدولة التونسية. وفي حين أن الشاهد يقول إن معالجة الفساد ستكون هي محور التركيز الرئيسي داخل حكومته الجديدة، مازالت الدولة تعج بالمعارضة تجاه مقترح المصالحة الاقتصادية، الذي يدعمه السبسي، والذي يمنح العفو للعديد من رجال الأعمال التونسيين الفاسدين ووكلاء نظام بن علي. وفي تلك الأثناء، دق البعض ناقوس الخطر، حيث يحجب الاتحاد العام التونسي للشغل، عضو رباعية جائزة نوبل للسلام، الكثير من الإصلاحات التي يحتاج إليها القطاع العام المتضخم في الدولة. ومن المرجح أن يستمر الشاهد في مواجهة معارضة من هؤلاء الذين يعتبرونه حالة مكررة من تكديس السبسي للحكومة بالموالين له والأقارب. إن زيادة النمو الشاحب في تونس وتقليل نسبة البطالة العالية، على الأخص بين الشباب، لن يكون من السهل خوض غماره وسط هذه التحديات.

وفي النهاية، سيُحكم على رئيس وزراء تونس الجديد بناءً على الحكومة الجديدة التي سيشكلها خلال 30 يوماً، وبناءً على الخطة التي سيعرضها على البرلمان. إنه مُواجه بمهمة صعبة؛ أن يأتي بحكومة يمكنها أن ترضي شباب تونس الذي خاب أمله، ومقرضي وداعمي الدولة الدوليين، والمعارضة المتزايدة لتحالف نداء تونس والنهضة الذي يتصدر المشهد السياسي الحالي. وفي هذه اللحظة الفارقة لديمقراطية تونس الوليدة، يجب على الشاهد متابعة تنفيذ وعوده، بحيث يكون مستقلاً ولا يُحابي حزباً بعينه، ويكون ممثلاً أكثر، بضم المزيد من الشباب والنساء في الحكومة الجديدة. وبالقيام بهذا الأمر، قد يكون الشاهد قادراً على توحيد كافة المواطنين خلف رؤية الحكومة التي لها معايير واضحة في عمل تغيير إيجابي. ومع أن فشله قد لا يصيب العملية الديمقراطية في مقتل، إلا أن نجاحه سيشكل خطوة مهمة للغاية إلى الأمام للدولة.

Read in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط